«مخلب النسر» تطارد طموحات ترمب.. هل تبتلع جغرافيا إيران مغامرة أمريكا الجديدة؟
تطل من جديد ظلال عملية مخلب النسر على المشهد السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط، تزامناً مع تصاعد نبرة التهديدات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. ومع حديث الرئيس دونالد ترمب عن احتمالية تنفيذ عمليات برية واسعة، يستعيد الخبراء ذكريات تلك المهمة السرية التي تحولت إلى كارثة وطنية أميركية قبل عقود. إن العودة إلى هذا الملف التاريخي تعكس حجم القلق من تكرار الأخطاء الاستراتيجية في جغرافيا إيرانية معقدة لا ترحم.
وحسب تقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز" وعدد من الوثائق التاريخية في الأرشيف الوطني، فإن إدارة ترمب تدرس حالياً خيارات عسكرية تتجاوز الردع التقليدي المتمثل في الضربات الجوية. وتشمل هذه الخيارات إرسال آلاف الجنود لتأمين ممرات الطاقة العالمية أو السيطرة على مواقع حيوية مثل جزيرة خرج. هذا التصعيد يعيد للأذهان كيف بدأت أزمة الرهائن عام ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين، حين اقتحم محتجون إيرانيون مبنى السفارة الأميركية في طهران.
بدأت الأزمة باحتجاز ستة وستين دبلوماسياً أميركياً، في خطوة فجرت غضباً دولياً واسعاً ووضعت إدارة الرئيس جيمي كارتر في مأزق تاريخي. طالب المحتجون حينها بتسليم الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يتلقى العلاج في الولايات المتحدة، لكن واشنطن رفضت الامتثال لهذه المطالب. ومع تعثر الحلول الدبلوماسية لعدة أشهر، بدأ القادة العسكريون في البنتاجون التخطيط لعملية إنقاذ جريئة تنهي هذا الإذلال السياسي المستمر أمام العالم.
اعتمدت خطة العملية، التي أطلق عليها اسم مخلب النسر، على عنصر المفاجأة واستخدام قوات النخبة "دلتا فورس" لاقتحام قلب العاصمة الإيرانية. تضمنت الخطة المعقدة تنسيقاً فائق الدقة بين طائرات النقل العملاقة والمروحيات التي كان من المفترض أن تهبط في موقع صحراوي ناءٍ. كان الهدف هو التسلل إلى طهران تحت جنح الظلام، وتحرير الرهائن، ثم نقلهم إلى مطار مهجور خارج المدينة قبل مغادرة الأراضي الإيرانية بسرعة.
شبح الفشل العسكري في الصحراء الإيرانية
في الرابع والعشرين من أبريل عام ألف وتسعمئة وثمانين، انطلقت القوات الأميركية لتنفيذ المهمة، لكن الصعوبات بدأت تظهر منذ اللحظات الأولى للوصول. واجهت المروحيات من طراز "سي ستاليون" عواصف رملية كثيفة تُعرف باسم "الهبوب"، مما أدى إلى تعطل الأجهزة الحيوية في ثلاث منها. هذا الفشل التقني قلص عدد المروحيات الصالحة للعمل إلى ما دون الحد الأدنى المطلوب لاستكمال المهمة، مما أجبر القادة على اتخاذ قرار الإلغاء.
وقعت الكارثة الكبرى أثناء محاولة الانسحاب من موقع "ديزرت وان" في العمق الإيراني، حيث اصطدمت مروحية بطائرة نقل محملة بالوقود. أسفر الانفجار الهائل عن مقتل ثمانية جنود أميركيين وتدمير عدة طائرات، مما أجبر القوات المتبقية على الفرار وترك جثث زملائهم ووثائق سرية خلفهم. كانت هذه الهزيمة الميدانية بمثابة صدمة عنيفة للمؤسسة العسكرية الأميركية، وأظهرت هشاشة التنسيق في العمليات المشتركة المعقدة داخل بيئات جغرافية معادية.
لم تكن الخسارة عسكرية فحسب، بل كانت سياسية بامتياز، إذ استغلت طهران الحادثة لإظهار عجز القوة العظمى أمام إرادة الثورة الجديدة. انتشرت صور حطام الطائرات الأميركية في الصحراء حول العالم، مما تسبب في إحراج دولي لا مثيل له لإدارة كارتر. ومنذ ذلك الحين، بقيت ذكرى عملية مخلب النسر بمثابة درس قاسٍ في الأكاديميات العسكرية حول كيفية تحول الخطط النظرية المحكمة إلى كوارث استراتيجية.
تسببت هذه الحادثة في تآكل شعبية الرئيس جيمي كارتر بشكل متسارع، حيث ظهر في خطاب متلفز يعلن بمرارة فشل مهمة الإنقاذ. كانت الأزمة الاقتصادية والتضخم يطحقان بالإدارة الأميركية، وجاء الفشل العسكري ليقضي على ما تبقى من آمال كارتر في إعادة انتخابه. استغل منافسه الجمهوري رونالد ريجان هذا الضعف، متهماً الإدارة الديمقراطية بالعجز عن حماية المواطنين الأميركيين وهيبة الدولة في الخارج.
الوساطة الجزائرية ونهاية أزمة الرهائن
بعد شهور من الجمود والتوتر، دخلت الجزائر على خط الأزمة كوسيط موثوق بين واشنطن وطهران، نظراً لعدم وجود قنوات اتصال مباشرة. قاد وزير الخارجية الجزائري محمد بن يحيى جهوداً دبلوماسية مضنية لتقريب وجهات النظر المتباعدة بين الطرفين المتصارعين. ركزت المفاوضات على الجوانب المالية والقانونية، بما في ذلك رفع التجميد عن الأصول الإيرانية في البنوك الأميركية مقابل إطلاق سراح جميع الرهائن المحتجزين.
وفي مطلع عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين، تم التوصل إلى "إعلانات الجزائر" التي وضعت الإطار القانوني لإنهاء الأزمة واستعادة الرهائن. تضمنت الاتفاقية إنشاء محكمة خاصة في لاهاي لتسوية النزاعات المالية المعلقة بين البلدين منذ عقود طويلة. وبالفعل، أُطلق سراح الرهائن بعد أربعمئة وأربعة وأربعين يوماً من الاحتجاز، تزامناً مع اللحظة التي كان فيها ريجان يؤدي اليمين الدستورية رئيساً جديداً للولايات المتحدة.
ورغم انتهاء الأزمة دبلوماسياً، إلا أن اتهامات "مفاجأة أكتوبر" ظلت تطارد حملة ريجان لسنوات طويلة، وسط مزاعم بوجود اتفاق سري لتأخير الإفراج. ادعى البعض أن المقربين من ريجان تواصلوا مع طهران لضمان عدم حصول كارتر على نصر سياسي قبل موعد الانتخابات الرئاسية. ومع أن التحقيقات الرسمية لم تجد أدلة قاطعة تدين ريجان، إلا أن القصة ظلت جزءاً من الجدل السياسي المثار حول تلك الحقبة.
يرى المحللون العسكريون أن إخفاق مهمة مخلب النسر أدى إلى تغييرات جذرية في بنية القوات الخاصة الأميركية، حيث تم تأسيس قيادة العمليات الخاصة. كان الدرس المستفاد هو ضرورة توحيد القيادة والسيطرة وتطوير معدات قادرة على العمل في الظروف البيئية القاسية. واليوم، وبينما يلوح ترمب بخيار القوة، يتساءل الجميع عما إذا كانت هذه الدروس قد استوعبت بشكل كافٍ لمواجهة التحديات الراهنة.
ترمب وجزيرة خرج عودة الرهانات الكبرى
يعود الرئيس دونالد ترمب اليوم للحديث عن جزيرة خرج الإيرانية بوصفها هدفاً استراتيجياً قد يغير موازين القوى في سوق النفط العالمي. تقع هذه الجزيرة في الخليج العربي وتعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، مما يجعل السيطرة عليها ضربة قاصمة للاقتصاد الوطني في طهران. تصريحات ترمب بشأن الرغبة في "الحصول على النفط" تعكس رؤية براجماتية تعتمد على السيطرة المباشرة على الموارد الحيوية للخصوم.
وتشير التقارير الميدانية إلى وصول تعزيزات عسكرية أميركية ضخمة إلى المنطقة، بما في ذلك وحدات من الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جواً. تهدف هذه التحركات إلى إظهار الجدية في تنفيذ تهديدات ترمب، سواء عبر تأمين مضيق هرمز أو تنفيذ عمليات برية خاطفة. ومع ذلك، يحذر القادة العسكريون من أن الدخول في اشتباك بري داخل الأراضي الإيرانية يختلف تماماً عن توجيه ضربات صاروخية من بعيد.
تعتبر الجغرافيا الإيرانية بمثابة حصن طبيعي، حيث تحيط بها الجبال الوعرة والصحاري الشاسعة التي استعصت تاريخياً على العديد من الغزاة والمخططين العسكريين. إن أي عملية برية تتطلب لوجستيات معقدة وتأميناً لخطوط الإمداد التي قد تكون عرضة لهجمات استنزاف طويلة الأمد من القوات المحلية. هذا الواقع الجغرافي هو ذاته الذي أحبط عملية مخلب النسر وجعلها تنتهي قبل أن تبدأ فعلياً في بلوغ أهدافها.
إن رهان القوة الذي يتبناه ترمب يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة البشرية والمادية الباهظة لأي صراع بري واسع النطاق في الشرق الأوسط. يخشى الكثيرون في واشنطن من أن يؤدي التسرع في اتخاذ قرار عسكري إلى الغرق في مستنقع جديد يستنزف القدرات الأميركية لسنوات. وبالرغم من التطور التكنولوجي الهائل، تظل العوامل الطبيعية والبشرية متغيرة لا يمكن التنبؤ بها بدقة كاملة في أي خطة عسكرية.
الجغرافيا الإيرانية المعضلة الاستراتيجية المستمرة
تظل الذكرى السادسة والأربعون لعملية الإنقاذ الفاشلة حاضرة في أذهان المخططين، كدليل على أن التفوق العسكري لا يضمن دائماً النجاح الميداني. إن التعقيدات التي واجهتها قوات "دلتا" في الصحراء قبل عقود قد تتكرر بصور مختلفة إذا قررت واشنطن المضي قدماً في خياراتها البرية. فالجغرافيا الإيرانية تفرض نوعاً من القتال غير المتكافئ، حيث تمتلك طهران ميزة الأرض والقدرة على المناورة في تضاريسها الصعبة.
وفي ظل التوترات الحالية، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه مع اختلاف الأدوات والظروف السياسية المحيطة بالصراع المستمر منذ عقود. يسعى ترمب من خلال تلويحه بالقوة إلى فرض واقع جديد ينهي النفوذ الإيراني، لكن الطريق إلى ذلك يمر عبر مخاطر استراتيجية كبرى. يبقى السؤال معلقاً حول مدى قدرة الإدارة الحالية على تجنب المصير الذي واجهه كارتر في تلك الليلة المظلمة من شهر أبريل.
إن التوازن بين الطموحات السياسية والواقع العسكري هو ما سيحدد مسار المواجهة القادمة بين القوتين في ظل استمرار طبول الحرب بالقرع. وبالرغم من مرور زمن طويل، تظل عملية مخلب النسر المعيار الذي تُقاس عليه مخاطر العمليات الخاصة والتدخلات البرية في العمق الإيراني. وفي نهاية المطاف، فإن الدروس المستقاة من رمال الصحراء لا تزال ترسم ملامح السياسة الخارجية الأميركية تجاه خصومها العنيدين في الشرق.
تطبيق نبض
