عاجل
الأربعاء 01 أبريل 2026 الموافق 13 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

الحرب على إيران وأزمة الطاقة العالمية

تحيا مصر

في ضوء التحول الجذري في طبيعة الصراع الدائر حول إيران، لم يعد المشهد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل بات أقرب إلى حرب منهجية تستهدف شرايين الطاقة العالمية ذاتها، إذ إن استهداف إسرائيل لمنشآت حيوية مثل حقل South Pars في إيران، وقيام إيران باستهداف منشآت Ras Laffan في قطر، بالتوازي مع التهديد المستمر لحركة الملاحة في مضيق هرمز، يمثل انتقالًا واضحًا إلى مرحلة “اختلال نظام الطاقة العالمي” اذ لم تعد تلك  التطورات تُقرأ في إطار تبادل الضربات التكتيكية، بل كجزء من استراتيجية أوسع تستهدف البنية التحتية للطاقة بوصفها أداة ضغط جيوسياسي ذات تأثير عالمي مباشر. ووفقاً لذلك ، تشير تقديرات الدوائر الاقتصادية الدولية إلى أن الأسواق لم تعد تتعامل مع “مخاطر محتملة”، بل مع صدمة إمدادات فعلية، مدفوعة بتصاعد غير مسبوق في ما يُعرف بـ علاوة المخاطر الجيوسياسية geopolitical risk premium ، والتي باتت عنصرًا رئيسيًا في تسعير النفط والغاز.

‎ويعيد هذا التطور إلى الأذهان أجواء أزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، لكنه يأتي اليوم في سياق أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ حيث تتداخل أسواق الطاقة مع سلاسل الإمداد العالمية، والنظم المالية، وأمن الغذاء، على نحو يجعل أي اضطراب في تدفقات الطاقة بمثابة صدمة مضاعفة تمتد آثارها إلى مختلف مفاصل الاقتصاد العالمي.

‎كما أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في حجم الاستهداف، بل في طبيعته المنهجية والمتزامنة، التي توحي بوجود إدراك متزايد لدى أطراف الصراع بأن التحكم في تدفقات الطاقة لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل سلاحًا استراتيجيًا يعادل في تأثيره الأدوات العسكرية التقليدية، إن لم يتجاوزها في بعض الأحيان

واتصالًا بذلك، ووفقًا لتقديرات International Energy Agency (IEA)، فإن أي تعطل يتراوح بين 5 إلى 7 ملايين برميل يوميًا، في ظل بيئة عملياتية مضطربة في مضيق هرمز، من شأنه أن يدفع أسعار البترول إلى نطاق يتراوح بين 110 و140 دولارًا للبرميل، مع قابلية سريعة لتجاوز هذه المستويات حال استمرار اختلال حركة الشحن البحري.

إلا أن التقديرات الأكثر تشددًا داخل دوائر التحليل الاستراتيجي تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تشير إلى أن توسيع نطاق الاستهداف—لا سيما بعد انتهاء المهلة الثانية الممنوحة لإيران في 6 أبريل الجاري—ليشمل بنية تحتية إضافية في منطقة الخليج، قد يدفع الأسعار إلى ما يتجاوز 160 دولارًا للبرميل. ولا يعكس هذا المستوى مجرد ندرة في الإمدادات، بقدر ما يجسد اهتزازًا عميقًا في ثقة الأسواق بقدرة النظام العالمي على تأمين تدفقات الطاقة واستمراريتها.

وفي هذا السياق، تصبح الأسواق أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ حيث لا يقتصر التسعير على أساسيات العرض والطلب التقليدية، بل يتأثر بشكل متزايد بعوامل عدم اليقين الجيوسياسي، Geopolitical uncertainty وتوقعات المخاطر المستقبلية، وسلوكيات التحوط من قبل الفاعلين الكبار. وهو ما يعني أن أي تصعيد إضافي،سوف  يُترجم حتماً إلى قفزات سعرية حادة، نتيجة الحساسية المفرطة التي باتت تحكم أسواق الطاقة العالمية في هذه المرحلة

وفي بُعدٍ موازٍ لا يقل خطورة، تكشف تقديرات Goldman Sachs أن قيام إسرائيل باستهداف حقل South Pars في إيران—الذي يمثل نحو 12% من إنتاج الغاز العالمي—مصحوبًا بالرد الإيراني عبر استهداف منشآت Ras Laffan في قطر—التي تمثل قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال—قد أطلق فعليًا شرارة أزمة غاز عالمية،وفي هذا السياق، تشير تقديرات JPMorgan Chase إلى أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا مرشحة للارتفاع بنسبة تتراوح بين 50% و70% على المدى القصير، مع انتقال العدوى سريعًا إلى الأسواق الآسيوية، في ظل سباق محموم على الشحنات الفورية، وعجز هيكلي عن تعويض الإمدادات المفقودة.

وتتفاقم خطورة هذا المشهد بسبب محدودية القدرة على تعويض النقص في المعروض من مصادر بديلة؛ إذ يعمل الإنتاج النرويجي بالفعل بالقرب من طاقته القصوى، بينما أدى القرار الأوروبي السابق بوقف استيراد الغاز الروسي إلى تقليص هامش المناورة أمام الأسواق الأوروبية إلى حد كبير.

وبناءً على هذه المعطيات، يتزايد احتمال أن تواجه القارة الأوروبية أزمة طاقة حقيقية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على نقص الإمدادات، بل تمتد إلى تداعيات أعمق على الاقتصاد الكلي، لذا فمن المرجح أن تؤدي القفزات في أسعار الغاز إلى موجة تضخمية جديدة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتآكل القدرة التنافسية للصناعات التحويلية، فضلًا عن ضغوط متزايدة على الموازنات الحكومية نتيجة سياسات الدعم والتدخل لاحتواء آثار الأزمة.

كما أن تزامن هذه التطورات مع حالة عدم اليقين الجيوسياسي يضع الأسواق أمام وضع غير مسبوق، حيث تتحول الطاقة—وخاصة الغاز الطبيعي المسال—من سلعة اقتصادية إلى أداة صراع استراتيجي، تُعاد من خلالها صياغة موازين القوة بين الدول، ليس فقط في أوروبا، بل على امتداد النظام الاقتصادي العالمي

من جانبه، يحذر World Bank من أن استمرار هذا المسار التصاعدي لن يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بل إلى إعادة إنتاج موجة تضخمية عالمية واسعة النطاق، تتجاوز آثارها ما شهده الاقتصاد الدولي في السنوات الأخيرة. فارتفاع أسعار البترول والغاز بالتزامن مع زيادة تكاليف النقل والتأمين يهدد بإرباك سلاسل الإمداد العالمية، ويدفع كافه الاقتصاديات —خاصة في الدول الناميه—إلى حافة مواجهه ضغوط مالية واجتماعية كبيره.

وفي تقييم آخر ، تشير تقديرات كل من International Monetary Fund (IMF) وOrganisation for Economic Co-operation and Development (OECD) إلى أن ما يجري لم يعد تصعيدًا ظرفيًا، بل يقترب من كونه تحولًا هيكليًا نحو “اضطراب ممتد في الإمدادات”. خاصه إذا ما استمرت الحرب لفتره زمنيه ممتده ، فوفقًا لهذا التوصيف، فإن أسعار البترول قد تكون مرشحة للاستقرار في نطاق يتراوح بين 120 و140 دولارًا للبرميل لفترة قد تطول، بينما ستظل أسعار الغاز الطبيعي عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، نتيجة اختلال عميق في التوازن بين العرض والطلب، خاصة في أوروبا وآسيا.

كما تشير تحذيرات United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD) إلى أن استهداف البنية التحتية للطاقة لم يعد يهدد فقط الإمدادات، بل يرفع أيضًا تكاليف الشحن والتأمين في منطقة الخليج بنسب قد تصل إلى 50%، وهو ما يمثل طبقة إضافية من الضغوط التضخمية، ويُسرّع من انتقال الأزمة من قطاع الطاقة إلى مجمل الاقتصاد العالمي.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن العالم يقف أمام لحظة مفصلية، حيث لم تعد أسواق الطاقة تُدار وفق منطق العرض والطلب، بل باتت خاضعة لمعادلة صراع مفتوح على مراكز الإنتاج ومسارات الإمداد، ففي حاله استمرار استهداف البنية التحتية الحيوية، بالتوازي مع تهديد الممرات البحرية الاستراتيجية في مضيقي هرمز وباب المندب ، سوف يدفع أسعار البترول إلى تجاوز مستويات 130  دولارًا للبرميل بشكل مستدام، مع احتمالات تصاعدية قد تتجاوز 150 دولارًا، ويُبقي أسعار الغاز الطبيعي في حالة ارتفاع حاد وممتد.وفي مثل هذا السياق، لا تعكس الأسعار مجرد تكلفة الطاقة، بل تعكس كلفة الانزلاق نحو نظام دولي أكثر اضطرابًا، حيث تصبح الطاقة سلاحًا، ويصبح السوق ساحة مواجهة مفتوحة.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي