انقسام في أروقة الأمم المتحدة.. كواليس تأجيل أهم تصويت أممي حول أمن مضيق هرمز
تشهد الساحة الدولية ترقباً حذراً بعد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إرجاء التصويت على مشروع قرار بحريني حاسم. يهدف هذا المشروع إلى إجازة استخدام القوة الدفاعية لحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز من الهجمات الإيرانية المتكررة. يأتي هذا التأجيل في ظل تحذيرات إيرانية شديدة اللهجة من أي خطوات تعتبرها استفزازية، مما ينذر بتصعيد خطير قد يلقي بظلاله على استقرار المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية.
حسب تقارير لوكالات الأنباء، كان من المقرر أن يصوت المجلس المكون من خمسة عشر عضوا صباح الجمعة على هذا النص. لكن الجدول الزمني تغير فجأة ليل الخميس، والسبب المعلن هو اعتبار الأمم المتحدة يوم الجمعة العظيمة عطلة رسمية. أثار هذا المبرر استغراب مصادر دبلوماسية عديدة، خاصة أن موعد العطلة كان معروفا ومحددا مسبقا عند الإعلان عن موعد الجلسة، ولم يتم حتى الآن تحديد موعد جديد للتصويت.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى قيام طهران بفرض حصار خانق على الممرات المائية الحيوية. جاء هذا التحرك الإيراني كرد فعل مباشر على الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية التي أشعلت فتيل حرب واسعة في الشرق الأوسط. يشكل هذا الحصار تهديدا جسيما وصريحا لإمدادات الوقود العالمية، مما يزعزع استقرار الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل كبير على التدفق الآمن والمستمر للطاقة عبر هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة.
تحذيرات متبادلة ومواقف دولية متباينة
في سياق متصل، أطلق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحذيرات واضحة للمجتمع الدولي. أكد عراقجي أن أي خطوة استفزازية من قبل من وصفهم بالمعتدين وأنصارهم، حتى لو كانت تحت مظلة مجلس الأمن، لن تؤدي إلا إلى زيادة تعقيد المشهد في مضيق هرمز. يعكس هذا التصريح الرفض القاطع لطهران لأي تدخل دولي مسلح، ويؤكد استعدادها للرد على أي تحركات تعتبرها تهديدا لأمنها ومصالحها الاستراتيجية.
على الجانب الآخر، دق المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة، السفير جمال الرويعي، ناقوس الخطر. حذر الرويعي بشدة من استمرار الوضع الراهن، مشيرا إلى أن بقاء الحال كما هو يعني ممارسة خنق وإرهاب اقتصادي متعمد على دول المنطقة والعالم أجمع. وشدد الدبلوماسي البحريني على أن مشروع القرار المدعوم أميركيا، والذي خضع لتعديلات عدة، يأتي في توقيت حساس ومهم للغاية لمواجهة هذه التحديات غير المسبوقة.
تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في النقاش بتصريحات مثيرة للجدل يوم الأربعاء الماضي. دعا ترامب صراحة الدول التي تعاني من نقص حاد في الوقود إلى التوجه بنفسها للحصول على نفطها العالق في مضيق هرمز. وأضاف بتصريح مفاجئ أن القوات الأميركية لن تقدم المساعدة لتلك الدول في هذه المهمة، مما يعكس تحولا في الموقف الأميركي تجاه تحمل العبء الأمني الكامل في الممرات المائية الدولية.
تفاصيل مشروع القرار والتحالفات البحرية
تتضمن المسودة السادسة والأخيرة من مشروع القرار بنودا حاسمة تخول الدول الأعضاء التحرك عسكريا. يسمح النص باستخدام كل الوسائل الدفاعية اللازمة والمتناسبة مع الظروف لضمان سلامة السفن التجارية، سواء بشكل أحادي الجانب أو من خلال تشكيل شراكات بحرية طوعية متعددة الجنسيات. يهدف هذا الإجراء الاستثنائي إلى تأمين عبور الترانزيت بحرية تامة، وردع أي محاولات تهدف إلى إغلاق أو عرقلة الملاحة الدولية في المنطقة.
ينطبق نطاق هذا التدخل العسكري المقترح جغرافيا على مياه مضيق هرمز والمياه الإقليمية المجاورة له بشكل مباشر. يشمل ذلك منع أي شكل من أشكال التدخل في الملاحة الدولية عبر هذه الممرات الحيوية. ينص مشروع القرار صراحة على أن يستمر العمل بهذا الإجراء الأمني المشدد لمدة ستة أشهر على الأقل، مما يعكس إدراكا دوليا لمدى تعقيد الأزمة وصعوبة حلها في وقت قصير الأمد.
رغم الدعم الذي يحظى به النص، إلا أنه لا يلقى إجماعا شاملا داخل أروقة مجلس الأمن. أعربت الصين عن قلقها البالغ، معتبرة أن السماح للدول الأعضاء باستخدام كل ما يلزم من تدابير عسكرية في ظل الظروف الراهنة شديدة التوتر من شأنه أن يؤدي حتما إلى تصعيد إضافي وخطير. بالتوازي مع ذلك، وجهت روسيا انتقادات لاذعة لمشروع القرار، ونددت بمحتواه واصفة إياه بالنص المتحيز وغير المتوازن.
تداعيات اقتصادية وعقبات عسكرية معقدة
أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحفظات قوية بشأن الحل العسكري المطروح لحل الأزمة. صرح ماكرون يوم الخميس بأن فكرة شن عملية عسكرية واسعة النطاق لتحرير المضيق الاستراتيجي تعتبر خطوة غير واقعية على الإطلاق. وبرر موقفه بأن أي تحرك من هذا النوع سيتطلب وقتا طويلا للغاية لتنفيذه بنجاح، والأهم من ذلك أنه سيعرض حياة وأمن كل من يعبر الممر المائي لتهديدات ومخاطر حقيقية ومباشرة.
تبرز الأهمية القصوى لهذه المنطقة من خلال لغة الأرقام والإحصائيات الاقتصادية العالمية. قبل إغلاقه الأخير، كان يمر حوالى خمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مياه مضيق هرمز يوميا. وبالتالي، فإن استمرار هذا الإغلاق يؤثر بشكل كارثي ومباشر على الإمدادات العالمية من السلع الاستراتيجية الحيوية، مثل النفط والغاز والأسمدة الزراعية، مما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار الطاقة عالميا.
تعتبر قرارات مجلس الأمن الدولي التي تخول الدول الأعضاء استخدام القوة العسكرية المباشرة نادرة الحدوث نسبيا في التاريخ الدبلوماسي الحديث. عادة ما يتم اللجوء إلى هذا الخيار في حالات استثنائية تهدد السلم والأمن الدوليين بشكل صارخ، مما يجعل مناقشة هذا القرار محطة مفصلية. يعكس هذا التوجه مدى الخطورة التي يستشعرها المجتمع الدولي تجاه الأزمة الحالية وتداعياتها المحتملة على النظام العالمي برمته.
شهد التاريخ الحديث أمثلة قليلة لمثل هذه القرارات الأممية الحاسمة. خلال حرب الخليج الثانية، سمح تصويت تاريخي في عام ألف وتسعمائة وتسعين لتحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في العراق. وفي سياق منفصل، شهد العام ألفين وإحدى عشر تصويتا مماثلا داخل أروقة المجلس، والذي سمح آنذاك بتدخل قوات حلف شمال الأطلسي في الأزمة الليبية، مما يبرز ندرة وأهمية مثل هذه التحركات الدولية.
تطبيق نبض