عاجل
الأحد 05 أبريل 2026 الموافق 17 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

سيناريوهات مفتوحة: هل تضع الحرب الإيرانية أوزارها قبل إعلان المنتصر؟

الحرب الإيرانية
الحرب الإيرانية

​تتصدر تساؤلات الرهان على النتائج النهائية مشهد الحرب الإيرانية التي اندلعت في مطلع أبريل 2026، حيث يراقب العالم بأسره مآلات المواجهة التي لم تعد تقتصر على الأهداف المعلنة بل تجاوزتها إلى إعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، وسط تقديرات تشير إلى أن المعركة قد تضع أوزارها قبل تحقيق حسم عسكري كامل، مما يترك المنطقة أمام جملة من السيناريوهات المعقدة التي تتراوح بين الضعف البنيوي للنظام أو استعادة إسرائيل لهيبتها المفقودة.

​وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن مفهوم الحسم في هذه المواجهة يظل إشكالية قائمة بحد ذاتها، إذ يرى البرلماني الأردني عمر عياصرة أن العبرة ليست في سقوط النظام بل في حجم التغييرات الاستراتيجية، معتبراً أن انتهاء الحرب قبل تحقيق الحد الأدنى من الأهداف الأمريكية قد يفتح الباب لعودة الصراع مجدداً، بينما يرجح أن تخرج طهران من هذه المعمعة وهي في حالة من الهشاشة العسكرية والاقتصادية التي ستجبرها على الانكفاء نحو الداخل.

​إن تآكل قدرات طهران النووية والباليستية نتيجة هذه الضغوط العسكرية المتواصلة سيجعلها تخسر أبرز أوراق قوتها الإقليمية، مما يمنح إسرائيل فرصة للتفرد بكثير من الملفات الأمنية والسياسية، وفي هذا السياق يشير عياصرة إلى أن الفراغات التي ستتركها طهران ستمثل تحدياً جديداً للعواصم العربية في كيفية ملئها، مع التأكيد على أن الطرف الأكثر تضرراً سيكون الميليشيات المرتبطة بالنظام والتي ستجد نفسها بلا غطاء استراتيجي واضح أو دعم لوجيستي مستدام.

​ويعتقد المراقبون أن النتائج السياسية للمعركة ستُترجم في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات، حيث سيعكس أي اتفاق مستقبلي حجم التنازلات التي سيضطر الجميع لتقديمها بناءً على خسائرهم الميدانية، ورغم أن إسرائيل قد تسعى لترويج سردية النصر إعلامياً لتعويض أي نقص في الإنجازات العسكرية المباشرة، إلا أن الواقع يشير إلى أن الحرب الإيرانية قد خلقت واقعاً جديداً يتسم بتراجع القدرة على الاندفاع والتوسع العسكري المطلق في المنطقة.

​وعلى صعيد آخر، يبرز رأي يفضل بقاء النظام الإيراني ضعيفاً ومحجماً على سيناريو الفوضى الشاملة، إذ إن انهيار الدولة في طهران قد يؤدي إلى ارتدادات كارثية على الجوار العربي، وبناءً عليه فإن الخيار الاستراتيجي الأنسب لبعض القوى الإقليمية يتمثل في وجود نظام أقل قدرة على إيذاء جيرانه، وأكثر انشغالاً بأزماته البنيوية والداخلية التي ستتفاقم بلا شك بعد توقف المدافع عن الهدير في جبهات القتال المشتعلة.

استراتيجيات الاستنزاف وأزمة الطاقة في الحرب الإيرانية

​من جانبه يذهب الباحث السياسي أحمد قربي إلى أن انتهاء الحرب قبل حسمها هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، مبرراً ذلك بصعوبة تحقيق الأهداف الإسرائيلية الكبرى مثل التدمير الكامل للبرنامج النووي أو تغيير النظام، ويرى قربي أن الخطاب الدولي بات يركز الآن على تحييد الخطر وتأمين حرية الملاحة الدولية، مما يعني أن الحرب الإيرانية قد تتحول إلى صراع سياسي طويل الأمد يستخدم فيه الاقتصاد وسيلة للضغط المتبادل.

​وتعول طهران في استراتيجيتها الحالية على عامل الوقت لإرهاق الخصوم، مستغلة قدرتها على تهديد ممرات الطاقة العالمية مثل مضيق هرمز، وهو ما يمثل ورقة ضغط قوية ضد الولايات المتحدة وحلفائها الذين يخشون من تداعيات الارتفاع الجنوني في أسعار النفط، وبذلك فإن إطالة أمد الأزمة قد يخدم المصالح الإيرانية في المدى المتوسط، على عكس الإدارة الأمريكية التي تسعى جاهدة لإنهاء الصراع في إطار زمني ضيق ومحدد.

​إن عدم الحسم في هذه المواجهة يعني استمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، وقد يدفع قوى دولية مثل الصين للتدخل بشكل غير مباشر لحماية مصالحها النفطية الحيوية، مما يعقد المشهد العسكري والسياسي، ويضيف قربي أن استمرار الحرب الإيرانية دون نصر ناجز قد يؤدي إلى كسر قواعد الاشتباك التقليدية، حيث سيتم استهداف البنية التحتية وخطوط إمداد الطاقة بصورة أوسع، مما يضع العالم أمام أزمة طاقة غير مسبوقة.

​ورغم الضغوط، يرى البعض أن سياسة الردع الإسرائيلية لن تنكسر بسهولة، خاصة بعد إضعاف أذرع طهران في لبنان واليمن وفلسطين، إذ ستبقى إسرائيل القوة المهيمنة تكنولوجياً وعسكرياً، ومع ذلك فإن استمرار المشروع الأيديولوجي العابر للحدود يظل مكمن الخطر الحقيقي، فإيران لن تستكين بسهولة حتى لو تراجعت قدراتها العسكرية، لأن عقيدة "ولاية الفقيه" تدفعها لمحاولة استعادة نفوذها بأساليب غير تقليدية بمجرد أن تجد فرصة لالتقاط الأنفاس.

​وتشير القراءات التحليلية إلى أن المنطقة قد تشهد تغيراً في أنماط الأهداف التي تستهدفها طهران، حيث قد تطال اعتداءاتها دولاً أخرى لمحاولة خلط الأوراق وإجبار المجتمع الدولي على التدخل لوقف العمليات العسكرية، وهذا المسار التصعيدي يؤكد أن الحرب الإيرانية ليست مجرد صدام عسكري عابر، بل هي مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد قد لا تتضح معالمه إلا بعد سنوات من التوتر والترقب والصدامات الحدودية المتقطعة.

مخاوف الكارثة الإقليمية وتداعيات الفشل في الحسم

​في المقابل، يتبنى الباحث نضال السبع رؤية أكثر قتامة، واصفاً انتهاء الحرب دون حسم بـ "كارثة الكوارث"، مشبهاً الأمر بالنموذج السوري الذي أدى فيه غياب الحسم إلى سنوات من الدمار والنزوح، ويحذر السبع من أن النظام الإيراني سيخرج من هذه التجربة أكثر عدوانية تجاه دول الجوار الخليجي إذا شعر أن وجوده ما زال مهدداً، مما سيحول المنطقة إلى ساحة استنزاف دائمة لا تعرف الهدوء أو الاستقرار.

​إن الأهداف التي وضعها الرئيس دونالد ترامب، ومنها السيطرة على مواقع التخصيب النووي وتدمير الصواريخ بعيدة المدى، تواجه تحديات ميدانية هائلة تجعل من تحقيقها أمراً مشكوكاً فيه، فحتى لو تم تأمين مضيق هرمز عسكرياً، فإن مجرد امتلاك طهران لصواريخ باليستية يجعل الملاحة فيه هشة وغير مضمونة، حيث يكفي سقوط صاروخ واحد لتعطيل حركة السفن ورفع كلفة التأمين البحري إلى مستويات قياسية تهدد التجارة العالمية بشكل مباشر.

​وفي ظل هذا المشهد المعقد، قد يكون بنيامين نتنياهو هو المستفيد الأكبر سياسياً من خلال تقديم نفسه كقائد غير وجه الشرق الأوسط وقلم أظافر طهران، إلا أن الثمن الحقيقي ستدفعه دول المنطقة التي تقع في خط التماس المباشر، ويؤكد السبع أن الحرب الإيرانية في حال بقائها دون نتائج جذرية، ستترك الباب موارباً أمام جولات قتالية مستقبلية أكثر عنفاً، خاصة إذا تولت قيادات إيرانية متشددة زمام الأمور بدوافع انتقامية ثأرية.

​ولا يرى المراقبون أن هناك جيشاً إقليمياً قادراً في الوقت الحالي على فرض توازن ردع حقيقي مع إسرائيل، مما يجعل الحديث عن انكسار الردع الإسرائيلي سابقاً لأوانه، لكن الخطر يكمن في استمرار السياسة الإيرانية القائمة على تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول العربية، وهو النهج الذي لم يتغير منذ عام 1979، مما يجعل من بقاء النظام دون تغيير جوهري في سلوكه تهديداً دائماً للأمن القومي العربي وللمصالح الدولية.

​إن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية أثبت حدوده خلال هذه الأزمة، حيث تعرضت منشآت حيوية في الخليج والأردن للاستهداف رغم وجود القوات الصديقة، وهذا الواقع يفرض على العواصم العربية ضرورة التفكير في بناء منظومات دفاعية ذاتية وأكثر تطوراً، فالحرب الإيرانية أثبتت أن التحالفات التقليدية قد لا توفر الحماية المطلقة في مواجهة الهجمات الانتحارية بالطائرات المسيرة أو الصواريخ الجوالة التي تخترق أحدث منظومات الدفاع الجوي.

مستقبل الصراع وصعود المحاور الإقليمية الجديدة

​يقدم الباحث فاضل خانجي تمييزاً هاماً بين النصر العسكري والانتصار الاستراتيجي، معتبراً أن تآكل ركائز القوة الإيرانية مثل استراتيجية "الدفاع الأمامي" يمثل خسارة استراتيجية كبرى لطهران حتى لو بقي نظامها قائماً، وفي هذا الإطار تسعى الولايات المتحدة عبر سياسة الضغط الأقصى لإخضاع طهران لـ "سلام أمريكي"، بينما تراهن الأخيرة على رفع الكلفة البشرية والمادية للحرب لدفع واشنطن نحو الانسحاب أو التهدئة القسرية.

​وعلى نفس المنوال، يشير الأكاديمي هايل ودعان الدعجة إلى أن طبيعة الجغرافيا الإيرانية الشاسعة تجعل من الحسم العسكري البري أمراً شبه مستحيل، مما يرجح بقاء الصراع في إطاره الجوي والباليستي الحالي، ويرى الدعجة أن الحرب الإيرانية قد تسفر في النهاية عن بروز قوة إقليمية عربية وإسلامية جديدة تضم مصر والأردن ودول الخليج وتركيا، تعمل على ملء الفراغ الأمني الناتج عن تراجع الثقة في الوعود الأمريكية بالحماية المطلقة.

​إن هذا التحول المرتقب في العقيدة الأمنية للدول العربية قد يدفعها للدخول في سباق تسلح نوعي لامتلاك قدرات ردع غير تقليدية، خاصة بعد أن أثبتت الحرب الإيرانية أن اختراق المنظومات الدفاعية الإسرائيلية والأمريكية بات ممكناً بواسطة التكنولوجيا العسكرية الإيرانية المتطورة، وبناءً عليه فإن ميزان القوى في المنطقة سيشهد مراجعات جذرية تجعل من الاعتماد على الذات الركيزة الأساسية لأي استراتيجية أمنية مستقبلية في مواجهة التهديدات المشتركة.

​وفي المحصلة النهائية، يبدو أن الحرب الإيرانية قد لا تنتهي بانتصار كاسح لأي طرف، بل بحالة من التعادل السلبي الذي ينهك الجميع ويجبرهم على العودة إلى المربعات السياسية، ومع ذلك فإن حجم الدمار الذي لحق بالبنية العسكرية الإيرانية سيبقيها لسنوات طويلة تحت وطأة الترميم وإعادة البناء، مما قد يوفر فترة من الهدوء الحذر للمنطقة، شريطة أن تنجح القوى العربية في استثمار هذه اللحظة التاريخية لتعزيز تضامنها وقدراتها الدفاعية.

​لقد كشفت هذه المواجهة أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتسم بتعدد الأقطاب وتراجع الهيمنة المطلقة، حيث أصبحت القوى الإقليمية قادرة على التأثير في مسار الأحداث الدولية بشكل أكبر من السابق، وستبقى الحرب الإيرانية علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ليس فقط بسبب حجم النيران المستخدمة فيها، بل بسبب التحولات العميقة التي أحدثتها في مفاهيم الأمن والسيادة والتحالفات الدولية التي سادت لعقود طويلة من الزمن.

تابع موقع تحيا مصر علي