يوم محطات الطاقة والجسور.. ترامب يرسم بالصواريخ ملامح المواجهة القادمة مع طهران
تشهد العواصم العالمية حالة من الاستنفار القصوى مع اقتراب ساعة الصفر التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إنذاره الأخير الموجه للقيادة الإيرانية. يتأرجح المشهد الراهن بين خياري الدبلوماسية القسرية والمواجهة العسكرية المفتوحة التي قد تغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. تراقب القوى الإقليمية والدولية بدقة متناهية تحركات الأساطيل الأميركية، بينما تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان هذا التصعيد مجرد أداة تفاوضية خشنة أم بداية لفصل دموي جديد.
حسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات الأنباء الدولية، فإن بنك الأهداف الذي وضعه ترامب يتجاوز المواقع العسكرية التقليدية ليشمل عصب الدولة الإيرانية. هدد الرئيس صراحة باستهداف الجسور الحيوية ومحطات الطاقة والموانئ الاستراتيجية التي تشكل شريان الحياة للاقتصاد المنهك أصلاً بفعل العقوبات.
هذا التحول في الخطاب يعكس رغبة واشنطن في شل قدرة طهران على الاستمرار في تمويل أذرعها الإقليمية أو المضي قدماً في طموحاتها النووية المثيرة للجدل.
تعتمد الاستراتيجية الأميركية الحالية على ما يسمى بالردع المركب الذي يمزج بين التهديد الوجودي والضغط الاقتصادي الخانق لإجبار طهران على الخضوع.
يرى المخططون في البنتاغون أن توجيه ضربات دقيقة وموجعة للبنية التحتية قد يحقق نتائج تفوق ما تحققه الحروب البرية التقليدية الطويلة. يراهن ترامب على أن خسارة طهران لمنشآتها الحيوية ستدفع القيادة هناك لإعادة حساباتها وتجنب مواجهة مباشرة لا تمتلك أدوات الانتصار فيها تقنياً.
أكد الخبير الأمني سيث جونز أن السيناريو المتوقع يتجاوز مجرد المناوشات الحدودية ليصل إلى تدمير منهجي لشبكات الكهرباء ومنشآت تحلية المياه والموانئ. تهدف هذه العمليات الجوية المركزة إلى تقليص سيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد الوطني ومنعها من تقديم الدعم اللوجستي للحرس الثوري.
وتمتلك الولايات المتحدة تفوقاً جوياً كاسحاً يتيح لها تنفيذ هذه الأهداف بدقة متناهية ودون الحاجة لنشر قوات برية واسعة النطاق في العمق الإيراني.
سيناريوهات الردع واستهداف شريان الحياة
يرى مايكل أوهانلون من مؤسسة بروكينغز أن استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية يمثل سلاحاً ذو حدين قد يقلب الطاولة على الجميع. فبينما يهدف الضغط العسكري إلى شل قدرات الخصم، فإنه قد يدفع طهران للرد عبر هجمات سيبرانية أو تفعيل ميليشياتها في المنطقة. تظل مخاطر التصعيد الإقليمي الواسع قائمة بقوة، خاصة مع تلويح طهران باستهداف القواعد الأميركية في الدول المجاورة رداً على أي اعتداء يطال سيادتها الوطنية.
تتجلى خطورة الموقف في إصرار الإدارة الأميركية على ربط ملف الملاحة في مضيق هرمز بملف التهديد العسكري المباشر للمنشآت الحيوية والداخلية. استخدم ترامب لغة حادة وغير مسبوقة عندما طالب بفتح المضيق بشكل كامل وضمان حرية الملاحة تحت طائلة تحويل حياة الإيرانيين إلى جحيم. يعكس هذا الربط إدراك واشنطن لمدى حساسية هذا الممر المائي للأمن القومي الأميركي واستقرار أسواق الطاقة العالمية التي لا تتحمل هزة جديدة.
تحاول واشنطن من خلال هذا التصعيد تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية متقاطعة تبدأ بتقويض البرنامج النووي وتنتهي بضمان أمن الخليج العربي وتدفق النفط. لم يعد الأمر يقتصر على مجرد عقوبات اقتصادية، بل انتقل إلى مرحلة التهديد بتدمير القدرات اللوجستية التي تدعم الوجود الإيراني في الإقليم. يسعى البيت الأبيض لرسم معادلة جديدة تضع طهران أمام خيارين أحلاهما مر، إما التنازل الكامل أو مواجهة دمار شامل للبنية الأساسية.
تتجه الأنظار الآن إلى منشآت نطنز وفوردو التي تعتبر العمود الفقري للطموح النووي الإيراني والتي قد تكون في طليعة الأهداف الأميركية. يرى مسؤولون عسكريون أن توجيه ضربات لهذه المراكز المحصنة قد يؤدي إلى تراجع البرنامج النووي لسنوات طويلة، وربما لعقدين من الزمن. يعتقد ترامب أن القوة العسكرية هي اللغة الوحيدة التي قد تمنع طهران من حيازة السلاح النووي، وهو ما يفسر حدة التهديدات الأخيرة الصادرة عنه.
معركة الشرعية الدولية والمحاذير القانونية
أثار التوجه الأميركي نحو استهداف الأهداف المدنية موجة واسعة من الانتقادات والتحذيرات القانونية من قبل خبراء القانون الدولي في كبريات الجامعات. وقع أكثر من مائة أكاديمي خطاباً مفتوحاً يحذرون فيه من أن ضرب محطات الكهرباء والجسور قد يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان. يشدد هؤلاء على ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية المشروعة والمنشآت الحيوية التي يعتمد عليها ملايين المدنيين في حياتهم اليومية والأساسية.
أوضحت أستاذة القانون في جامعة ييل أونا هاثاواي أن القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على استهداف البنية التحتية التي تخدم السكان. يتطلب الهجوم العسكري إثباتاً قاطعاً بأن هذه المنشآت تُستخدم بشكل مباشر في العمليات الحربية، وإلا اعتبر خرقاً صريحاً لاتفاقيات جنيف الدولية. يحذر الخبراء من أن التوسع في تعريف الأهداف العسكرية قد يفتح الباب أمام كوارث إنسانية لا يمكن التنبؤ بتبعاتها على المدى الطويل.
من جانبه، أشار كينيث روث المدير السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى مبدأ التناسب الذي يجب أن يحكم أي عمل عسكري تقوم به واشنطن. لا يمكن تبرير تدمير محطات تحلية مياه أو شبكات كهرباء مدنية مقابل فوائد عسكرية محدودة أو غير مؤكدة النتائج على الأرض. يرى الحقوقيون أن التصعيد الحالي قد يؤدي إلى معاناة إنسانية هائلة تطال الفئات الضعيفة في المجتمع الإيراني وتزيد من تعقيد المشهد المعقد سلفاً.
ورغم هذه التحذيرات، يبدو أن البنتاغون يمتلك وجهة نظر مغايرة تستند إلى فكرة "الاستخدام المزدوج" للمنشآت الحيوية من قبل الحرس الثوري الإيراني. يدعي المسؤولون الأميركيون أن الطرق والجسور والموانئ هي شرايين لوجستية تنقل السلاح والعتاد للميليشيات، مما يجعلها أهدافاً عسكرية مشروعة في نظرهم. هذا الانقسام القانوني يضع الإدارة الأميركية في مواجهة مع المجتمع الدولي الذي يخشى من تداعيات غياب القواعد القانونية المنظمة للصراع.
استراتيجية الأرض المحروقة اقتصادياً
يرتكز النهج الذي يتبعه ترامب على محاولة إحداث شلل تام في مفاصل الدولة الإيرانية عبر ضرب مراكز الثقل الاقتصادي والصناعي بدقة متناهية. استهداف قطاع البتروكيماويات ومصافي النفط وموانئ التصدير يهدف إلى تجفيف منابع التمويل وتصعيد الضغوط الشعبية الداخلية ضد النظام الحاكم في طهران. يعتقد المخططون أن انهيار الخدمات الأساسية سيضع القيادة الإيرانية في مواجهة مباشرة مع شعبها، مما قد يضطرها لتقديم تنازلات مؤلمة.
تتطابق هذه الاستراتيجية مع الدروس المستفادة من صراعات سابقة، حيث اعتمدت الولايات المتحدة على التفوق التكنولوجي لتدمير قدرة الخصم على المقاومة. يرى المحللون أن الرسائل التي يبعثها البيت الأبيض تهدف إلى إشاعة حالة من الرعب الاستراتيجي داخل أروقة الحكم في طهران قبل تنفيذ الهجوم.
تدرك طهران تماماً أن قدراتها الدفاعية الجوية قد لا تصمد طويلاً أمام كثافة النيران الأميركية المنسقة والمدعومة بمعلومات استخباراتية دقيقة.
في المقابل، تحاول القيادة الإيرانية إظهار التماسك والصلابة عبر جولات تفقدية للمسؤولين في المواقع التي تعرضت لضربات سابقة أو تهديدات محتملة.
يصر القادة في طهران على أن السياسة الأميركية القائمة على التهديد لن تحقق أهدافها بل ستزيد من إصرار الشعب على المقاومة. يحذر المسؤولون الإيرانيون من أن الرد سيكون مزلجلاً وسيشمل كافة المصالح الأميركية في المنطقة، مما يعني الدخول في نفق مظلم من الردود المتبادلة.
تتزايد المخاوف من أن يؤدي استهداف منشآت النفط والغاز إلى قفزة جنونية في أسعار الطاقة العالمية، مما قد يضر بالاقتصاد العالمي المتعثر أساساً.
يرى خبراء الاقتصاد أن أي تعطيل للملاحة في مضيق هرمز سيتسبب في أزمة طاقة لا يمكن السيطرة عليها في المدى القريب. هذه المخاوف تجعل بعض حلفاء واشنطن يترددون في تقديم دعم مطلق لخطة التصعيد العسكري التي يتبناها البيت الأبيض في الوقت الحالي.
التفاوض تحت النار وضغط الشارع
بالتزامن مع الحشود العسكرية، تبقي إدارة ترامب باب الدبلوماسية موارباً، ولكن بشروط قاسية تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد تماماً في المنطقة. تسعى واشنطن للوصول إلى اتفاق شامل يتجاوز الملف النووي ليشمل البرنامج الصاروخي والسياسات الإقليمية لإيران بشكل جذري.
يرى الرئيس الأميركي أن القوة العسكرية هي المحرك الأساسي لأي تقدم دبلوماسي حقيقي ومستدام مع نظام لا يحترم سوى لغة القوة.
داخلياً، يواجه البيت الأبيض ضغوطاً متزايدة من أعضاء الكونغرس الذين يطالبون بضرورة الحصول على تفويض قانوني قبل الانخراط في أي عمل عسكري واسع. تتخوف الدوائر السياسية في واشنطن من الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة لا تخدم المصالح القومية الأميركية وتستنزف موارد الدولة في صراع إقليمي. شهدت بعض المدن الأميركية احتجاجات تطالب بضبط النفس وتجنب تكرار أخطاء الماضي في التدخلات العسكرية الخارجية غير المحسوبة النتائج.
من جهة أخرى، يرى مؤيدو التوجه الحازم أن التراجع الآن سيُفهم على أنه ضعف، مما قد يشجع طهران على المضي قدماً في سياساتها المزعزعة للاستقرار. يعتقد هؤلاء أن توجيه ضربة محدودة ومدروسة هو السبيل الوحيد لمنع وقوع حرب كبرى في المستقبل عبر استعادة قوة الردع الأميركية. يظل الرهان على قدرة الإدارة على إدارة هذا التصعيد بدقة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة تخرج عن نطاق السيطرة العسكرية.
تراقب العواصم العربية والأوروبية المشهد بحذر شديد، حيث تحاول بعض الأطراف التوسط لخفض التصعيد ومنع الانفجار الكبير الذي يهدد أمن الجميع. يبقى السؤال القائم مع اقتراب نهاية المهلة: هل ستنجح الدبلوماسية في اللحظة الأخيرة، أم أن صقور الإدارة الأميركية قد اتخذوا قرارهم بالفعل؟ الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير المنطقة، وسط ترقب عالمي لم تشهده الساحة الدولية منذ عقود طويلة من الزمن.
مستقبل التوازن الإقليمي في ظل المواجهة
إن أي عمل عسكري يستهدف البنية التحتية الإيرانية سيؤدي حتماً إلى إعادة رسم موازين القوى في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل دراماتيكي. إذا نجحت الولايات المتحدة في تحييد القدرات الاستراتيجية لطهران، فإن ذلك سيعزز من نفوذ واشنطن وحلفائها ويحد من التمدد الإيراني الإقليمي. لكن الفشل في تحقيق أهداف حاسمة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، حيث قد تخرج طهران أكثر قوة وتحدياً للمجتمع الدولي.
يرى الخبراء العسكريون أن السيناريو الأكثر خطورة هو قيام إيران بتفعيل "خيار الانتحار الاستراتيجي" عبر إغلاق مضيق هرمز بالكامل باستخدام الألغام البحرية والزوارق الانتحارية. هذا التصرف سيجبر العالم على التدخل العسكري المباشر لتأمين ممرات التجارة، مما يعني تحويل الصراع الثنائي إلى حرب دولية كبرى. يدرك الطرفان أن تكلفة المواجهة الشاملة ستكون باهظة جداً على كافة المستويات البشرية والاقتصادية والسياسية في هذا الصراع المحتدم.
تظل الخيارات المتاحة أمام القيادة الإيرانية محدودة جداً في ظل التهديد المباشر الذي يمثله ترامب وحكومته التي تبدو مصممة على تغيير قواعد اللعبة.
فإما القبول بشروط التفاوض الأميركية المذلة في نظرهم، أو المراهنة على قدرتهم على تحمل الضربات العسكرية وامتصاص الصدمة الأولى. هذا الصراع النفسي والاستراتيجي يعكس مدى تعقيد العلاقة بين البلدين والتي وصلت إلى نقطة اللاعودة في ظل غياب قنوات الحوار المباشرة والفاعلة.
العالم يعيش الآن واحدة من أخطر لحظات التاريخ الحديث، حيث يقف الجميع على حافة الهاوية بانتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة.
هل سيكون تهديد ترامب هو المفتاح لحل المعضلة الإيرانية المزمنة، أم سيكون الشرارة التي ستشعل حريقاً كبيراً في قلب العالم؟ الحقيقة الوحيدة الماثلة الآن هي أن قواعد الاشتباك القديمة قد سقطت، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الغموض الاستراتيجي الذي لا يمكن التنبؤ بنهايته.
تطبيق نبض
