عاجل
الإثنين 06 أبريل 2026 الموافق 18 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

خسائر المليارات بصواريخ الألف دولار.. دول الخليج وتحدي النجاة من حرب «الوكالة والأصالة»

مبنى في البحرين استهدفته
مبنى في البحرين استهدفته إيران

لطالما رسمت دول الخليج صورة ذهنية براقة كواحات غناء للاستقرار والنمو في إقليم مضطرب، حيث تحولت مدنها إلى مراكز مالية وسياحية عالمية تستقطب الاستثمارات الضخمة والعمالة الماهرة من شتى بقاع الأرض. إلا أن الحرب الراهنة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بدأت تخدش هذا المشهد المثالي، بعدما طالت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية منشآت حيوية ومدنية، مما فرض واقعاً جديداً يتسم بالهشاشة الأمنية العابرة للحدود.

وحسب تقرير لـ بي بي سي يستند إلى آراء  خبراء ومسؤولين سابقين، فإن الهجمات الإيرانية المتكررة التي تستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة قد أصابت في مقتلها البنية التحتية لقطاع الطاقة والخدمات اللوجستية. 

وترى مراكز الأبحاث أن دول الخليج وجدت نفسها في خط المواجهة الأول لحرب لم تكن يوماً طرفاً في إشعال فتيلها، لكنها باتت تتحمل اليوم الفاتورة الاقتصادية والأمنية الباهظة لهذا الصراع الإقليمي المتشابك الذي يهدد استقلالها الاستراتيجي المعهود.

يؤكد أليكس فاتانكا، الخبير في معهد الشرق الأوسط، يقول إن الجغرافيا تلعب دوراً حاسماً في تعقيد المشهد الدفاعي، إذ يصعب كلياً وقف الهجمات نظراً لقرب المسافة بين شواطئ النزاع. وتواجه دول الخليج معضلة عسكرية تتمثل في استهداف استثماراتها التي تقدر بمليارات الدولارات عبر طائرات مسيّرة رخيصة التكلفة، مما خلق خللاً بنيوياً في معادلة الردع التقليدية وأجبر الحكومات على إعادة توجيه مواردها المالية نحو الأنظمة الدفاعية المتقدمة.

ويرى فاتانكا أن استمرار هذا التهديد يلقي بظلاله القاتمة على بيئة الأعمال الدولية، حيث بدأت الشركات الكبرى في إعادة تقييم مستوى انكشافها للمخاطر في المنطقة. إن ارتفاع تكاليف التأمين البحري والجوي وتعقيد سلاسل الإمداد اللوجستية يضعان ضغوطاً إضافية على طموحات دول الخليج في التحول إلى مراكز تجارية عالمية، مما قد يدفع الاستثمارات الأجنبية للبحث عن ملاذات أكثر أماناً بعيداً عن مسرح العمليات العسكرية المباشرة.

إعادة الاصطفاف الأمني والمناورات البراجماتية 

تشير رئيسة مركز الإمارات للسياسات، ابتسام الكتبي، إلى أن أحد النتائج المباشرة لهذا التوتر هو دفع دول الخليج نحو إعادة اصطفاف أمني أوثق مع واشنطن وتعاون وظيفي هادئ مع إسرائيل. وتوضح أن هذا التقارب تفرضه الاعتبارات الأمنية الملحة والبحث عن مظلة حماية فعالة ضد التهديدات الإيرانية، رغم أن هذا التعاون يظل ذا طابع براغماتي بحت بعيداً عن أي أبعاد أيديولوجية قد تستفز الشارع العربي أو القوى الإقليمية.

وتحذر الكتبي من أن دول الخليج تحرص بشدة على عدم الانجرار إلى عمق الصراع المسلح، خوفاً من تحويل مدنها إلى أهداف رئيسية في حرب شاملة مدمرة. إن الحفاظ على التوازن بين الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وبين تجنب استفزاز الجار الإيراني يمثل التحدي الأكبر لصناع القرار، الذين يسعون جاهدين لحماية سيادتهم الوطنية وتجنب الانخراط العلني في أي عمليات عسكرية هجومية قد تقوض أمنهم القومي المستقبلي.

ويعتقد الخبراء أن هناك حدوداً واضحة لمدى استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها الإقليميين، وهو ما يثير شعوراً بالإحباط لدى العواصم الخليجية التي حذرت سابقاً من مغبة التصعيد. ويرى فاتانكا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومنها إدارة ترامب، قد تمنح الأولوية المطلقة لأمن إسرائيل على حساب دول الخليج، مما يعزز القناعة بأن الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية قد لا يكون كافياً لضمان الاستقرار المستدام في ظل تقلبات السياسة الداخلية الأمريكية.

وتلعب السياسة الداخلية في الولايات المتحدة دوراً مقيداً، حيث يتساءل الرأي العام الأمريكي عن جدوى تعزيز الوجود العسكري في منطقة تستنزف الموارد الوطنية دون عائد مباشر. إن شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" يتعارض جوهرياً مع التدخلات الخارجية الطويلة، مما يترك دول الخليج أمام تساؤلات وجودية حول مدى جدية الالتزام الأمريكي الدفاعي في حال اندلاع نزاع شامل يستهدف المنشآت الحيوية والمدنية على نطاق واسع في المنطقة.

الضغوط الإيرانية وخيار الحياد الصعب

 تتزايد الضغوط الإيرانية على دول المنطقة لاتخاذ موقف الحياد المطلق والنأي بنفسها عن النزاع القائم بين طهران ومحور واشنطن-تل أبيب بشكل واضح وصريح. وقد أعرب وزير الخارجية الإيراني عن استيائه من عدم إدانة أي من دول الخليج للهجمات التي استهدفت بلاده، مرسلاً رسائل تحذيرية مفادها أن الاستقرار الإقليمي مرتبط بمدى ابتعاد هذه الدول عن توفير التسهيلات العسكرية للقوات الأجنبية التي تهاجم الأراضي الإيرانية من القواعد القريبة.

ورغم الغضب المكتوم تجاه السياسات الإيرانية، تسعى حكومات المنطقة لتجنب الصدام المباشر الذي قد يؤدي لتدمير منشآت حيوية مثل محطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء. ويرى مراقبون أن إيران تمتلك القدرة على تعقيد سبل الحياة اليومية في دول الخليج بشكل حرفي، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لأجيال قادمة، وهو ما يدفع العواصم الخليجية لتبني استراتيجية الردع الدفاعي المتزامن مع القنوات الدبلوماسية الخلفية لتهدئة التوتر ومنع الانفجار الكبير.

ويطرح الأكاديمي والمسؤول السابق بدر موسى السيف رؤية مغايرة تعتمد على المسار الدبلوماسي كحل وحيد وبعيد المدى لإنهاء حالة الترقب والقلق الأمني الراهن. ويؤكد السيف على ضرورة التوصل إلى تفاهمات مباشرة مع الجانب الإيراني وصياغة رؤية إقليمية مشتركة تقوم على مبدأ التعايش وتقاسم المصالح، بدلاً من الارتهان للتحالفات العسكرية الدولية التي قد تتبدل مصالحها وفقاً لنتائج الانتخابات وتغير الإدارات في الدول الكبرى البعيدة.

إن فتح قنوات حوار صريحة مع طهران يتطلب شجاعة سياسية ورؤية استراتيجية تتجاوز الخلافات التاريخية والمذهبية العميقة التي عصفت بالمنطقة لسنوات طويلة من الصراع المرير. ويرى السيف أن استقرار دول الخليج يعتمد في المقام الأول على قدرتها على صياغة نظام أمني إقليمي يشمل جميع الأطراف، ويضمن عدم استخدام الأراضي الخليجية كمنصة لانطلاق أي عدوان، مما يسحب الذرائع من يد الأطراف التي تسعى لزعزعة الأمن القومي الخليجي.

تداعيات الحرب على طموحات التحول الوطني

 أحدثت الهجمات العسكرية هزة في خطط التحول الاقتصادي الطموحة التي تهدف لنقل المنطقة من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد الخدمات والتكنولوجيا والابتكار العالمي. ومع أن المسار العام لم يتغير بشكل دراماتيكي، إلا أن الحرب كشفت عن نقاط هشاشة في البنية التحتية الاقتصادية التي تتطلب حماية فائقة التكلفة، مما قد يبطئ من وتيرة تنفيذ المشاريع العملاقة التي تمثل جوهر رؤى التطوير الوطنية في أغلب العواصم.

وتؤكد الدكتورة الكتبي أن دول الخليج ستحافظ على مكانتها كمركز جذب عالمي، لكن بشروط تشغيلية أكثر صرامة وتكاليف تأمين مرتفعة تؤثر على هوامش الربح. إن إدراك المخاطر المتزايد سيجعل الشركات الخاصة أكثر حذراً، مما يلقي بعبء التنمية على عاتق الحكومات بشكل أكبر، ويدفع المؤسسات الدولية لتوزيع عملياتها عبر مراكز متعددة لتجنب التوقف الكامل في حال تعرضت إحدى المنشآت الحيوية لضربة عسكرية مفاجئة أو تخريبية.

وعلى المدى الطويل، يتوقع الخبراء أن تتجه المنطقة نحو تنويع شراكاتها الدولية، لا سيما مع القوى الآسيوية الصاعدة مثل الصين، لتقليل الاعتماد المفرط على الغرب. هذا التحول الاستراتيجي يسعى لخلق توازن في العلاقات الدولية يمنح دول الخليج مرونة أكبر في المناورة السياسية والاقتصادية، ويحمي مصالحها القومية من التقلبات الحادة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ويضمن تدفق الاستثمارات من أسواق عالمية متنوعة لا ترهن اقتصادها بالصراعات العسكرية.

ويشير بدر السيف إلى أن القوة المالية والاحتياطيات النقدية الضخمة ستعمل كمصدات قوية تخفف من حدة الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الهجمات العسكرية المباشرة على المنشآت. ومع ذلك، فإن إصلاح الأضرار في منشآت الغاز أو النفط الحيوية قد يستغرق سنوات ويكلف مليارات الدولارات من الخسائر السنوية، مما قد يستلزم إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وتقليص الإنفاق على بعض المشاريع غير العاجلة لصالح تعزيز الأمن القومي والتعافي السريع.

مرونة الصمود وتاريخ من تجاوز الأزمات 

تمتلك المنطقة تاريخاً طويلاً من الصمود أمام الأزمات الوجودية، بدءاً من غزو الكويت وصولاً إلى موجات الإرهاب والاحتجاجات السياسية التي عصفت بدول الجوار خلال العقد الماضي. ويرى السيف أن البنية السياسية القوية والنفوذ المالي ووفرة رؤوس الأموال تمنح دول الخليج قدرة فائقة على تجاوز المحن الحالية، مؤكداً أن فرص الاستثمار ستظل قائمة وواسعة النطاق بفضل الرؤية الواضحة والأهداف المحددة بدقة من قبل القيادات السياسية في هذه الدول.

إن القدرة على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات إلى فرص للتطوير هو ما ميز التجربة الخليجية الحديثة وجعلها نموذجاً فريداً في التنمية المتسارعة وسط إقليم ملتهب. ورغم التهديدات الراهنة، تظل الطموحات الوطنية أكبر من أن توقفها طائرة مسيّرة أو صاروخ عابر، حيث تستمر عمليات البناء والتطوير في المدن الكبرى بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية والعسكرية الرامية لتأمين المكتسبات الحضارية التي تحققت على مدار العقود الماضية بجهد وطني مخلص.

وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعوب وقدرة القيادات في دول الخليج على الموازنة الدقيقة بين مقتضيات الدفاع وبين استمرارية الرخاء الاقتصادي والاجتماعي. إن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تلاحماً داخلياً وسياسة خارجية مرنة قادرة على تحييد المخاطر واستثمار العلاقات الدولية لصالح الاستقرار، لضمان بقاء هذه الدول منارات للطموح والتقدم في قلب الشرق الأوسط، مهما بلغت حدة العواصف السياسية والعسكرية المحيطة بها من كل جانب.

وسوف تظل الرحلة نحو المستقبل في هذه المنطقة محفوفة بالمخاطر لكنها مدفوعة بإرادة صلبة لتحقيق التحول الوطني الشامل الذي لا يقبل التراجع أو الانكسار أمام التهديدات. إن دول الخليج اليوم تعيد صياغة مفهوم الأمن القومي ليشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية كأدوات ردع لا تقل أهمية عن الصواريخ، مؤكدة أن الاستقرار ليس مجرد غياب للحرب، بل هو القدرة على الاستمرار في البناء والازدهار حتى في أصعب الظروف الإقليمية والدولية.

تابع موقع تحيا مصر علي