أمريكا وإيران.. سبعة عقود من الشد والجذب بين رقصة الدبلوماسية وطبول الحرب
تعد العلاقة بين أمريكا وإيران حالة فريدة في تاريخ العلاقات الدولية، حيث لم تشهد أي دولتين هذا المزيج المتناقض من التحالف العضوي والعداء الشرس على مدار سبعة عقود دون توقف.
فبينما كانت طهران يوماً ما "شرطي الخليج" المدلل لدى واشنطن، تحولت بعد عام 1979 إلى الخصم اللدود الذي تخصص له الإدارات الأمريكية آلاف الصفحات من خطط العقوبات والمواجهة، في مسار متعرج لم يعرف يوماً الخطوط المستقيمة أو الهدوء الدائم.
وحسب تقرير لمكتب المؤرخ التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بدأت بذور هذا الارتباط الوثيق قبل الحرب العالمية الثانية، حينما بحثت إيران عن قوة ثالثة توازن بها الأطماع البريطانية والروسية.
رضا شاه، الذي أسس الدولة البهلوية عام 1925، وضع حجر الأساس لدولة تطمح للحداثة والسيادة، لكن رياح الحرب العالمية العاتية أدت لغزو بلاده ونفيه، ليتولى ابنه محمد رضا بهلوي الحكم، وتبدأ معه قصة "الزواج الاستراتيجي" الذي سيحكم ملامح القرن العشرين في المنطقة.
الممر الفارسي وإرث روزفلت وترومان
تعتبر حقبة الرئيس فرانكلين روزفلت هي "شهر العسل" الأول، حيث كانت إيران هي "الممر الفارسي" الحيوي الذي أنقذ الاتحاد السوفيتي من السقوط عبر إمدادات الحلفاء.
وفي مؤتمر طهران التاريخي عام 1943، تم تثبيت مكانة إيران كحليف استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه. ومع قدوم هاري ترومان، تعمقت هذه العلاقة أكثر، حيث مارست واشنطن ضغوطاً هائلة على السوفيت للانسحاب من شمال إيران عام 1946، معتبرة السيادة الإيرانية حجر زاوية في عقيدة احتواء الشيوعية العالمية.
أيزنهاور وزلزال إطاحة محمد مصدق 1953
شهدت علاقة أمريكا وإيران تحولاً محورياً في عهد دوايت أيزنهاور، حينما قررت واشنطن التدخل المباشر لحماية مصالح النفط وعرش الشاه. الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس الوزراء الوطني محمد مصدق عام 1953 لم يكن مجرد عملية استخباراتية، بل كان صياغة جديدة للهوية السياسية الإيرانية. كشفت وثائق السي آي أي المنشورة عام 2013 أن العملية "أجاكس" كانت بقرار من أعلى المستويات الأمريكية، وهي اللحظة التي يراها المؤرخون بداية بذور العداء الشعبي تجاه التدخل الأمريكي.
ومن المفارقات المذهلة أن إدارة أيزنهاور هي من قدمت لإيران مفاتيح التكنولوجيا النووية التي تثير الرعب اليوم. فمن خلال مبادرة "الذرة من أجل السلام"، زودت واشنطن طهران بمفاعلات ووقود يورانيوم مخصب، ودربت علماءها الأوائل. استمر هذا التعاون النووي الوثيق كجزء من استراتيجية بناء حليف متطور تقنياً وعسكرياً، لدرجة أن واشنطن كانت ترى في إيران "النموذج" الذي يجب أن تحتذي به الدول النامية في التحالف مع الغرب.
جون كنيدي ومعادلة "الثورة البيضاء"
جاء جون كنيدي ببرامج تحديثية وضغوط على الشاه لإجراء إصلاحات ديمقراطية تمنع انفجار الشارع. كان كنيدي يخشى أن تؤدي "ديكتاتورية الشاه" إلى ارتماء إيران في أحضان الشيوعية. هذه الضغوط الأمريكية هي التي دفعت الشاه لإطلاق "الثورة البيضاء" عام 1963، والتي شملت إصلاحات زراعية ومنح المرأة حقوقاً سياسية. وعلى الرغم من النجاح الظاهري، إلا أن هذه الإصلاحات فاقمت غضب رجال الدين، وعلى رأسهم الخميني، الذي رأى في هذه التوجهات "تغريباً" للمجتمع الإيراني.
نجح الشاه في استغلال فوبيا الشيوعية لدى إدارة كنيدي للحصول على ترسانة عسكرية ضخمة، محولاً إيران إلى "قلعة صلبة" في وجه السوفيت. وعلى الرغم من أن إيران لم تكن أولوية كنيدي الأولى مقارنة بمصر أو إسرائيل، إلا أنه ثبت ركائز التحالف التي جعلت من طهران الشريك الأمني الأول لواشنطن في الخليج. وبدأت في هذه الحقبة تظهر الهوة السحيقة بين قصور الحكم وحواري طهران، وهو ما تجاهلته الإدارات الأمريكية المتعاقبة طويلاً.
جونسون ونيكسون.. عصر الشيكات على بياض
في عهد ليندون جونسون، أصبحت المبيعات العسكرية الإيرانية تمر دون قيود أو شروط تتعلق بحقوق الإنسان. واعتبر جونسون الشاه ركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط. ثم جاء ريتشارد نيكسون ليمنح الشاه "شيكاً على بياض" لشراء أي سلاح أمريكي تقليدي، مستفيداً من استقرار تدفق النفط الإيراني. أصبحت العلاقة بين أمريكا وإيران في السبعينيات تدار كشراكة بين ندين عسكريين، حيث اعتمدت واشنطن كلياً على طهران لتأمين طرق الملاحة في مضيق هرمز ومواجهة النفوذ العراقي والسوفيتي.
وبرز تفرد هذا التحالف خلال حرب أكتوبر 1973، حينما رفضت إيران الانضمام للحظر النفطي العربي، بل وزادت من إنتاجها لدعم أسواق الغرب. نيكسون رأى في الشاه "شرطي الخليج" الذي يوفر على أمريكا كلفة التدخل المباشر. واستمر هذا النهج في عهد جيرالد فورد، رغم التوترات الطفيفة حول أسعار النفط، حيث ظلت واشنطن تغدق بالأسلحة والتكنولوجيا النووية على طهران، معتبرة أن نظام الشاه باقٍ إلى الأبد كحائط صد منيع.
جيمي كارتر وانهيار "جزيرة الاستقرار"
دخل جيمي كارتر البيت الأبيض وهو ينادي بحقوق الإنسان، مما أربك حسابات الشاه. وفي لحظة دراماتيكية عام 1977، وصف كارتر إيران بأنها "جزيرة استقرار"، وهي العبارة التي سخر منها التاريخ لاحقاً حين اندلعت الثورة بعد أشهر. تردد كارتر بين دعم الشاه عسكرياً وبين الضغط عليه للإصلاح، مما شل قدرة واشنطن على التصرف بفعالية مع تدهور الأوضاع عام 1978.
سقوط الشاه كان بمثابة "نكسة جيوسياسية" كبرى غيرت مجرى التاريخ الأمريكي.
وبعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت العلاقة من التحالف الاستراتيجي إلى العداء الصريح. أدى سماح كارتر للشاه بدخول أمريكا للعلاج إلى اقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز 52 رهينة لمدة 444 يوماً.
هذه الأزمة كانت المسمار الأخير في نعش رئاسة كارتر، خاصة بعد فشل عملية "مخلب النسر" العسكرية لتحريرهم. ومن هنا، بدأ فصل جديد تماماً في علاقة أمريكا وإيران، حيث حلت العقوبات والقطيعة محل الصفقات والتعاون العسكري.
رونالد ريغان وفضيحة "إيران - كونترا"
جاء رونالد ريغان إلى السلطة مع الإفراج عن الرهائن، ليتبنى سياسة متشددة علانية ضد نظام الخميني. ومع ذلك، كشفت فضيحة "إيران - كونترا" أن المصالح الأمنية قد تدفع الخصوم للتعامل سراً. سمحت إدارة ريغان ببيع أسلحة لإيران في عز حربها مع العراق، مقابل إطلاق سراح رهائن أمريكيين في لبنان وتمويل ثوار الكونترا.
هذه الفضيحة هزت البيت الأبيض وكشفت أن العلاقة بين واشنطن وطهران تظل دائماً معقدة وتجري في قنوات سرية موازية للخطاب المعلن.
خلال الثمانينيات، تكرس العداء الشعبي الأمريكي تجاه إيران، وترسخت صورة "الشيطان الأكبر" في الأدبيات الثورية الإيرانية. ومع نهاية عهد ريغان وبداية عهد جورج بوش الأب، الذي كان يمتلك خلفية استخباراتية واسعة وعلاقات قديمة مع الجهاز الأمني الإيراني في عهد الشاه، كانت العلاقة قد وصلت إلى طريق مسدود. بوش الأب حاول إدارة الأزمات الناتجة عن الحرب العراقية الإيرانية وتداعيات غزو الكويت، مع الحفاظ على سياسة احتواء صارمة تجاه طهران.
خاتمة: إرث السبعة عقود والمستقبل المجهول
إن تاريخ علاقة أمريكا وإيران هو قصة صعود وسقوط دراماتيكية؛ من مفاعلات نووية أهدتها واشنطن للشاه كعربون صداقة، إلى نفس تلك المفاعلات التي أصبحت اليوم مركز الصراع والتهديد بانتشار السلاح النووي. سبعة عقود أثبتت أن الجغرافيا والسياسة تربط الدولتين برباط لا ينفك، سواء كان رباط تحالف أو رباط صراع. ويظل فهم هذه الرحلة التاريخية هو المفتاح الوحيد لفك شفرة الأزمات التي تشتعل اليوم في مياه الخليج وممرات السياسة الدولية.
تطبيق نبض
