عاجل
الأربعاء 15 أبريل 2026 الموافق 27 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

هدنة طهران تربك المشهد.. ترامب يتراجع والأرجنتين تتقدم في ذكرى تأسيس إسرائيل

ترامب
ترامب

​تتجه الأنظار العالمية نحو غياب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن المشاركة في احتفالات ذكرى تأسيس إسرائيل هذا العام، وهو الغياب الذي أثار تكهنات واسعة النطاق في الأوساط السياسية.

وتتداخل أسباب هذا القرار المعقدة مع الجدول الزمني الحرج المخصص لوقف إطلاق النار مع إيران، بينما يبرز في المشهد الموازي قدوم الرئيس الأرجنتيني لافتتاح سفارة بلاده كحدث دبلوماسي بديل ومثير للاهتمام بشكل لافت.

​حسب تقرير لـ صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، تم التأكيد بشكل قاطع على أن الرئيس الأميركي ترامب لن يشارك في الاحتفالات الرسمية إطلاقا، ولا حتى عبر توجيه خطاب مسجل بالفيديو. وقد أدى هذا القرار المفاجئ للقيادة الإسرائيلية إلى إحداث تغييرات جذرية في جدول الأعمال، شملت إلغاء وتأجيل فقرات فنية كانت معدة خصيصا لتكريمه، أبرزها عرض غنائي مخصص للفنانة الشهيرة نوعا كيريل بمشاركة حفيداته.

​وفي أروقة صنع القرار في مدينة تل أبيب، أصبح من الواضح للجميع أن فرصة وصوله تكاد تكون معدومة تماما في الوقت الراهن وتحت هذه الظروف. ويأتي هذا الغياب المحبط بالرغم من الآمال الكبيرة التي عقدها كبار المسؤولين الإسرائيليين على حضوره الفعلي لتسلم جائزة إسرائيل المرموقة شخصيا. وكان من المخطط بحماس أن يكون أول زعيم عالمي غير إسرائيلي يحظى بهذا التكريم الاستثنائي والرفيع جدا.

​بناء على هذه المعطيات، تقرر تأجيل منح الجائزة رسميا إلى حين ترتيب زيارة خاصة لاحقة، مع الاكتفاء بالإشارة إلى فوزه عبر عرض مقطع مرئي قصير خلال الفعالية. وتعد هذه الجائزة التي يتم تقديمها في الثاني والعشرين من شهر أبريل الحالي، أرفع وسام مدني وثقافي تمنحه الدولة العبرية، وتتزامن للأسف مع احتفالات يراها الشعب الفلسطيني ذكرى أليمة تمثل يوم النكبة التاريخي المستمر.

تكريم استثنائي وتاريخ من الدعم المطلق

​تعود جذور هذا التكريم البارز إلى شهر ديسمبر الماضي، عندما اتخذت اللجنة المسؤولة قرارا غير مسبوق بمنحه الجائزة في فئة الإسهام الفريد للشعب اليهودي. وجاء هذا الاعتراف الرسمي تتويجا لجهوده المستمرة في مكافحة ظاهرة معاداة السامية حول العالم، وتثمينا لدوره البارز في تعزيز المساعي الرامية إلى إعادة المختطفين، فضلا عن مواقفه السياسية التاريخية الداعمة بقوة لا تتزعزع لحكومة تل أبيب المتعاقبة.

​من أبرز المحطات التاريخية التي استندت إليها اللجنة الإسرائيلية، قراره الجريء بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل مقر السفارة الأميركية إليها. كما أشادت اللجنة بدعمه الثابت والمطلق لحق الدولة العبرية في الدفاع عن نفسها بشراسة أمام التحديات الأمنية الإقليمية المعقدة. وقد شكل التهديد النووي الإيراني المتصاعد أحد أهم الملفات التي حظيت بتنسيق مشترك ودعم أميركي غير محدود خلال فترة إدارته.

​سارع وزير التربية والتعليم الإسرائيلي يوآف كيش حينها بالاتصال هاتفيا ومباشرة لإبلاغه بقرار منحه الجائزة المرموقة تقديرا لجهوده الجبارة. وقد عبر ترامب خلال تلك المكالمة الودية عن شكره العميق، واعدا إياهم بأنه سيفكر جديا في ترتيب زيارة خاصة لحضور مراسم التسليم. وهو الوعد الرئاسي الذي اصطدم لاحقا بتعقيدات المشهد السياسي المتوتر والأمني المتسارع في عموم منطقة الشرق الأوسط المضطربة.

​دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضراوة عن كسر الأعراف التاريخية المتبعة في منح هذه الجائزة حصريا للمواطنين الإسرائيليين. وأكد أن هذه الخطوة الاستثنائية تعكس مدى التقدير والامتنان العميق لمساهماته الفعالة في تعزيز الأمن القومي والمكانة الدولية لدولة إسرائيل. واعتبر نتنياهو أن هذا التكريم غير المسبوق يمثل رسالة شكر واضحة على دوره في تعزيز هوية الشعب اليهودي في الساحة العالمية.

هواجس أمنية وحسابات السياسة الداخلية

​يبرز العامل الزمني الدقيق المرتبط بالهدنة مع إيران كسبب جوهري وأساسي وراء هذا الغياب المفاجئ عن المشهد الاحتفالي الرسمي. إذ يتزامن موعد الحفل المقرر إقامته في الثاني والعشرين من الشهر الجاري مع اليوم التالي لانتهاء فترة وقف إطلاق النار المحددة سلفا بأسبوعين. وهو ما يفرض بطبيعة الحال تحديات أمنية بالغة التعقيد ومخاطر حقيقية ملموسة لا يمكن لأي جهاز أمني استخباراتي تجاهلها.

​يعتقد المحلل السياسي البارز جوفمان أن هناك أسبابا أخرى أعمق تتعلق بتعقيدات المشهد الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية. فوفقا لتقديرات تم تسجيلها في الأوساط الإسرائيلية، توجد مخاوف جدية أثرت على قرار ترامب تتعلق بتصاعد موجة الانتقادات السياسية الداخلية في العاصمة واشنطن في حال إتمام هذه الزيارة المثيرة للجدل في هذا التوقيت الحساس. وهو ما يتطلب حسابات دقيقة لتجنب أي تداعيات سلبية.

​نظرا لهذه الظروف الأمنية الاستثنائية وغياب الضيف المحتفى به، اتجهت الجهات المنظمة بشكل عاجل نحو تسجيل فقرات الحفل الأساسية بشكل مسبق. ويهدف هذا الإجراء الاحترازي الصارم إلى ضمان إتمام المراسم البروتوكولية حتى في حال انهيار الهدنة الإيرانية واستئناف العمليات العسكرية بشكل مفاجئ وواسع. وهو التطور الذي قد يمنع إقامة أي تجمعات جماهيرية واسعة أو بث فعاليات حية على الهواء مباشرة.

​من المتوقع أن يقتصر الحضور الرسمي في هذه المراسم المسجلة على شخصيات سيادية محددة مثل رئيس الدولة إسحاق هيرتسوغ ورئيس الكنيست أمير أوحانا. في حين سينفرد الوزير كيش بإلقاء الخطاب الرسمي الوحيد خلال الحدث المسجل. وتتوقع المصادر الموثوقة أن يغيب رئيس الوزراء نتنياهو تماما عن المشاركة في هذا الحفل، في تكرار لسيناريو مقاطعته للحدث ذاته العام الماضي لأسباب سياسية وشخصية.

ميلي يخطف الأضواء الدبلوماسية في القدس

​في ظل غياب أقطاب الإدارة الأميركية، ستتجه جميع عدسات الكاميرات نحو الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي سيحضر كضيف شرف دولي بارز. وقد تم اختياره بعناية فائقة من قبل وزيرة المواصلات ميري ريغيف للمشاركة الفاعلة في مراسم إيقاد الشعلة التقليدية السنوية. وتكتسب هذه الزيارة الاستثنائية أهمية رمزية كبرى كونها تمثل أبرز حدث دبلوماسي دولي يرافق احتفالات الاستقلال الثامنة والسبعين للدولة العبرية.

​جرى التنسيق الأمني والدبلوماسي الدقيق لضمان وصول الرئيس الأرجنتيني بأمان إلى مدينة تل أبيب في الثامن عشر من شهر أبريل، أي قبل انتهاء مدة وقف إطلاق النار مع طهران. ومن المقرر أن تهبط طائرته الرئاسية خلال يوم السبت، في تحد بروتوكولي ديني محسوب بدقة. ليصبح بذلك أرفع مسؤول دولي يشارك فعليا في إحياء هذه المناسبة وسط ظروف إقليمية ودولية متوترة.

​يحمل ميلي في حقيبته الدبلوماسية هدية سياسية ثمينة جدا لتل أبيب تتمثل في الافتتاح الرسمي لسفارة بلاده في مدينة القدس المتنازع عليها. وهي خطوة تاريخية كان قد وعد بها وأعلن عنها صراحة وتكرارا خلال العام الماضي، لتنضم الأرجنتين بذلك إلى قائمة محدودة من الدول التي اتخذت هذا المسار. وتعتبر إسرائيل هذا القرار السيادي انتصارا كبيرا لجهودها الدبلوماسية الحثيثة في أميركا اللاتينية.

أزمة التنقيب وتجاوز العقبات الدبلوماسية

​لم يكن طريق نقل مقر السفارة الأرجنتينية مفروشا بالورود على الإطلاق، بل شهد عقبات ضخمة كادت أن تعصف بالمشروع برمته في بدايات هذا العام. فقد كشفت تقارير إعلامية عبرية عن قيام الحكومة الأرجنتينية بتجميد هذه الخطوة الداعمة بشكل مؤقت ومفاجئ. وجاء ذلك الإجراء الدبلوماسي الصارم كرد فعل غاضب ومباشر على تفاقم أزمة دبلوماسية صامتة بين البلدين أثرت على مسار العلاقات بقوة.

​تعود جذور هذا الخلاف السياسي الحاد إلى أنشطة استكشاف تجارية أثارت حفيظة صناع القرار في العاصمة بوينس آيرس. حيث قامت إحدى الشركات الإسرائيلية بعمليات تنقيب واسعة النطاق عن النفط الخام في منطقة بحرية حساسة تخضع للسيادة البريطانية وتطالب الأرجنتين بملكيتها المطلقة. وهي المنطقة الاستراتيجية المعروفة بأرخبيل جزر فوكلاند، والتي شكلت دائما نقطة توتر إقليمية ودولية لا تقبل المساومة أو التفريط.

​اعتبرت الحكومة الأرجنتينية هذه الأنشطة التجارية مساسا مباشرا وصارخا بسيادتها الوطنية وحقوقها التاريخية غير القابلة للتصرف، مما دفعها بقوة لاستخدام ورقة نقل السفارة للضغط الفعال على إسرائيل. ولكن يبدو أن قنوات الاتصال الدبلوماسية الخلفية والوساطات قد نجحت أخيرا في احتواء هذا التوتر الاستراتيجي. ومهدت هذه التسويات العملية الطريق مجددا أمام إتمام زيارة ميلي التاريخية واستئناف مسار التقارب الثنائي في هذا التوقيت.

​وهكذا، يعكس هذا المشهد الدبلوماسي المعقد تداخل المصالح الدولية المتشابكة مع الحسابات الإقليمية الضيقة في منطقة لا تتوقف فيها الأزمات المشتعلة. فبينما يفضل ترامب الابتعاد مؤقتا لتفادي عواصف السياسة الأميركية وتداعيات الهدنة الهشة مع الإيرانيين، يتقدم ميلي بخطى واثقة وثابتة لترسيخ تحالفه اليميني الجديد. وتبقى الأيام القادمة حبلى بالتطورات السريعة في ظل واقع جيوسياسي مفتوح دائما على كافة الاحتمالات والتغيرات غير المتوقعة.

تابع موقع تحيا مصر علي