عاجل
الأربعاء 15 أبريل 2026 الموافق 27 شوال 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

الاستدامة الكبرى.. صندوق الاستثمارات العامة يرسم خريطة الهيمنة الاقتصادية السعودية حتى 2030

محمد بن سلمان
محمد بن سلمان

تشهد المملكة العربية السعودية اليوم منعطفاً تاريخياً وجوهرياً يعيد صياغة ملامح المستقبل المالي العالمي عبر إقرار استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للأعوام 2026 - 2030، حيث أعلن مجلس إدارة الصندوق برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عن خطة طموحة تهدف إلى الانتقال من مرحلة النمو المتسارع إلى مرحلة تحقيق القيمة المستدامة، مما يعزز دور المملكة كقوة استثمارية ضاربة قادرة على تشكيل اقتصاد المستقبل ومواجهة التحديات الدولية.

وحسب تقرير لـ صندوق الاستثمارات العامة، فإن المؤسسة السيادية نجحت خلال العقد الماضي في تحقيق قفزة ائتمانية هائلة، حيث تضاعفت الأصول تحت الإدارة لتتجاوز حاجز 3.4 تريليون ريال سعودي، وهو ما يعادل نحو 906.6 مليار دولار، لتثبت الاستراتيجية الجديدة أن الرياض لا تستهدف فقط حشد رؤوس الأموال، بل تسعى جاهدة لتطوير هيكل مؤسسي يتسم بأعلى معايير الحوكمة والشفافية التامة لضمان كفاءة الإنفاق الاستثماري في كافة المسارات.

هيكلة المحافظ الاستثمارية الجديدة

تنبثق الرؤية الجديدة من تقسيم الاستثمارات إلى ثلاث محافظ رئيسية يقودها صندوق الاستثمارات العامة، وأولها "محفظة الرؤية" التي تهدف إلى بناء تكامل عميق بين القطاعات الاستراتيجية ذات الأولوية الوطنية السعودية، وتعمل هذه المحفظة على تطوير ست منظومات اقتصادية متكاملة تشمل السياحة والسفر والصناعات المتقدمة والبنية التحتية للطاقة النظيفة، مما يفتح آفاقاً رحبة أمام القطاع الخاص المحلي ليصبح شريكاً فاعلاً ومورداً أساسياً في هذه المشروعات العملاقة العابرة للحدود.

وتمتد أذرع المحفظة الأولى لتشمل قطاعات الترفيه والتطوير العمراني الشامل ومدينة "نيوم" التي تمثل أيقونة الابتكار العالمي في القرن الحادي والعشرين، ويسعى الصندوق من خلالها إلى رفع تنافسية الاقتصاد المحلي وجذب كبار المستثمرين الدوليين الباحثين عن فرص نوعية، وتستهدف الاستراتيجية تحويل هذه المنظومات إلى محركات نمو ذاتية قادرة على توليد الوظائف ودعم الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة، بما يتماشى مع طموحات رؤية المملكة 2030.

أما المحفظة الثانية فهي "محفظة الاستثمارات الاستراتيجية" التي تركز بشكل مباشر على إدارة وتعظيم عوائد الأصول السيادية القائمة، وتهدف هذه الخطوة إلى تمكين شركات الصندوق من التحول إلى كيانات عالمية رائدة تنافس في الأسواق الدولية، حيث سيعمل صندوق الاستثمارات العامة على توفير الدعم اللازم لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوطين التقنيات الحديثة، مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية المتسارعة والتحولات الجيوسياسية التي تؤثر على تدفقات التجارة والاستثمار في العالم.

تعظيم العوائد وتنمية الثروة الوطنية

وتأتي "محفظة الاستثمارات المالية" كثالث الركائز لتشكل صمام الأمان المالي للأجيال المقبلة عبر التركيز على العوائد المستدامة في الأسواق العالمية، حيث يستهدف صندوق الاستثمارات العامة تنويع محفظته الدولية وتعزيز مرونتها من خلال استثمارات مباشرة وغير مباشرة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهذا التوجه يضمن استمرارية نمو الثروة الوطنية السعودية وتوفير سيولة استراتيجية تدعم المركز المالي للمملكة أمام أي تقلبات في أسواق الطاقة التقليدية بمرور السنوات.

وأكد محافظ الصندوق ياسر الرميان أن هذه الاستراتيجية تمثل تقدماً طبيعياً لمسيرة الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الخمس الماضية، مشيراً إلى أن الصندوق تمكن من مضاعفة أصوله ستة أضعاف في وقت قياسي بفضل الاستثمارات النوعية في الألعاب الإلكترونية والطاقة المتجددة، وسيركز صندوق الاستثمارات العامة في المرحلة المقبلة على تسخير البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لضمان التحسين المستمر في الأداء المؤسسي وتحقيق عوائد مالية مجزية للمساهمين والمواطنين على حد سواء.

الريادة الدولية والتحول الاقتصادي الشامل

وتسعى الاستراتيجية الخمسية الجديدة إلى ترسيخ مكانة الصندوق كشريك استراتيجي موثوق للاقتصاد العالمي عبر عقد تحالفات دولية واسعة النطاق، حيث يهدف صندوق الاستثمارات العامة إلى الاستفادة من الفرص الناشئة في قارات آسيا وأوروبا وأمريكا من خلال مكاتبه الدولية المنتشرة في المراكز المالية الكبرى، ويساهم هذا الحضور العالمي في تعميق ارتباط الاقتصاد السعودي بالأسواق الدولية ذات الأولوية، مما يسهل عملية نقل المعرفة وتوطين الصناعات المتطورة داخل أراضي المملكة العربية السعودية.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الصندوق ساهم تراكمياً بنحو 910 مليارات ريال في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي خلال السنوات الأربع الماضية، وهو رقم يعكس الدور الجوهري الذي يلعبه في عملية التحول الاقتصادي الشامل، حيث بلغت مساهمته في الناتج غير النفطي نحو 10 في المائة بحلول عام 2024، ويخطط الصندوق لمواصلة هذا الزخم عبر ضخ مئات المليارات في المشاريع المحلية الجديدة التي تخدم المحتوى المحلي وتدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

الحوكمة والكفاءة المؤسسية المتقدمة

وتركز استراتيجية 2026 - 2030 على رفع كفاءة الاستثمارات عبر تطبيق أعلى معايير الحوكمة والنزاهة، مما ساعد الصندوق في الحصول على تصنيفات ائتمانية مرتفعة من وكالات التصنيف العالمية مثل "موديز" و"فيتش"، ويعكس تصنيف "إيه إيه 3" مع نظرة مستقرة الثقة الكبيرة التي يوليها المجتمع المالي الدولي لخطوات المملكة، حيث يطمح الصندوق للوصول إلى مراتب عليا تضمن له سهولة الولوج إلى أسواق الدين العالمية لتمويل مشاريعه التنموية الضخمة بتكاليف منخفضة.

إن التزام الصندوق بالابتكار والتحول الرقمي يجعله نموذجاً فريداً بين الصناديق السيادية العالمية، حيث لا يكتفي بجني الأرباح بل يقود تغييراً هيكلياً في بيئة الأعمال، ومن خلال استراتيجية السنوات الخمس المقبلة، سيواصل الصندوق الاستثمار بمرونة فائقة للاستفادة من تقلبات السوق وتحويلها إلى مكاسب طويلة الأمد، وهو ما يضمن استدامة الازدهار الاقتصادي للمملكة العربية السعودية ويؤمن مستقبلاً زاخراً بالفرص للأجيال الشابة التي تشكل القوة الضاربة في رؤية 2030.

بناء اقتصاد المعرفة والصناعات المستقبلية

وفي ختام هذه الرؤية المتكاملة، يبرز دور الصندوق كمحرك رئيسي لبناء اقتصاد المعرفة عبر دعم الابتكار في مجالات تحلية المياه والطاقة الخضراء، حيث تهدف المنظومات الاقتصادية الست إلى جعل المملكة مركزاً لوجستياً وصناعياً عالمياً يربط بين القارات الثلاث، وسيعمل الصندوق على تعزيز تنافسية الشركات الوطنية لتصبح عمالقة عالميين، مما يساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد على النفط، ليصبح الصندوق حجر الزاوية في بناء دولة حديثة ومتطورة.

تابع موقع تحيا مصر علي