عاجل
الإثنين 20 أبريل 2026 الموافق 03 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

سلاح رخيص أبهر العالم.. رحلة الطائرات المسيرة الإيرانية من مختبرات أصفهان إلى سماء أوكرانيا

مسيرة إيرانية تضرب
مسيرة إيرانية تضرب منزلا في إسرائيل

​في خضم التوترات العالمية المتصاعدة التي يشهدها كوكبنا، تبرز قصة الطائرات المسيرة الإيرانية كواحدة من أكثر التحولات إثارة في التاريخ العسكري الحديث. 

لم يكن صعود هذه التكنولوجيا وليد الصدفة المحضة، بل جاء نتيجة عقود طويلة من العزلة. اليوم، تقف هذه الأسلحة كعامل حاسم يعيد تشكيل موازين القوى في النزاعات، محولة الضعف إلى تفوق تكتيكي غير مسبوق أربك أعتى الجيوش.

​حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، وفي ضوء ما طرحه الخبير العسكري أكرم خريف في كتابه، تمكنت طهران من تحدي الحظر وتطوير ترسانتها. يستعرض الكتاب المعنون "في ظل شاهد" استراتيجية الصبر التي تبنتها القيادة. هذه الاستراتيجية اعتمدت على الثقة المطلقة في العقول المحلية، مما جعل البلاد فاعلا رئيسيا في الصناعة العسكرية العالمية رغم غياب الإمكانيات التقليدية تماما.

​عندما غادر الشاه محمد رضا بهلوي البلاد مطلع عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، ترك خلفه جيشا يصنف الخامس عالميا من حيث التجهيز. كانت القوات الجوية تعتمد كليا على طائرات أمريكية متطورة جدا. لكن هذه الترسانة الضخمة كانت مشروطة بوجود آلاف الفنيين والمهندسين الأمريكيين، فضلا عن استمرار تدفق قطع الغيار والصيانة مباشرة من الشركات المصنعة في الولايات المتحدة دون انقطاع.

​بعد سقوط النظام الملكي، انهارت هذه القوة الجوية سريعا وبشكل مأساوي. غادر الخبراء الأجانب، وقطعت الشركات الغربية علاقاتها بشكل كامل. تحولت المقاتلات الحربية التي اشترتها البلاد بمليارات الدولارات إلى مجرد هياكل معدنية عاجزة تماما عن التحليق. هذا الواقع فرض واقعا استراتيجيا معقدا، حيث وجدت القوات المسلحة نفسها مجردة من غطائها الجوي في وقت تصاعدت فيه التهديدات المحيطة بسرعة.

​جذور الصناعة العسكرية في زمن العزلة

​في خريف عام ألف وتسعمائة وثمانين، اندلعت حرب طاحنة مع العراق استمرت لثماني سنوات قاسية. سجلت القوات العراقية تفوقا كبيرا في البدايات بفضل سيطرتها الجوية المطلقة والمدعومة دوليا. كان الجيش العراقي يمتلك طائرات استطلاع حديثة، ويحصل على صور دقيقة تساعده في كشف التحركات. هذا التفوق المعلوماتي جعل الجانب الإيراني يخوض المعارك وكأنه يقاتل أشباحا وهو معصوب العينين تماما.

​أمام هذا التهديد الوجودي الخطير، كانت الحاجة الماسة إلى التكنولوجيا تفرض نفسها بقوة على أرض المعركة. منعت العقوبات الاقتصادية الصارمة أي محاولات لشراء المعدات الدفاعية الجاهزة من الخارج. هنا تبلورت فكرة بديلة ومبتكرة، تقوم على ابتكار أجهزة طيران صغيرة مسيرة عن بعد. كانت الفكرة تعتمد ببساطة على إرسال كاميرات محمولة جوا لجمع المعلومات الاستخباراتية بتكلفة زهيدة جدا وبدون خسائر.

​ولدت النواة الأولى لهذا المشروع الطموح داخل أروقة مختبرات جامعة أصفهان في عام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين. انخرط طلاب ومهندسون شباب في ورشة عمل متواضعة، مستخدمين أدوات بدائية وقطعا بسيطة من البلاستيك والألواح. كانوا مدفوعين بعقيدة وطنية قوية ومصطلحات تعبوية حماسية. عمل هؤلاء الشباب بإصرار عنيد على تصميم النماذج الأولية وتجريبها في الحقول الزراعية القريبة من خطوط النار والمواجهة.

​واجه الفريق تحديات تقنية هائلة وحملات من السخرية من بعض القادة العسكريين التقليديين. كان النموذج الأول يبدو كلعبة أطفال ساذجة، حيث استخدم كيس مصل طبي كخزان للوقود، ومروحة خشبية صنعت يدويا. لكن الإصرار أثمر في خريف عام ثلاثة وثمانين، عندما حلقت الطائرة اللعبة بنجاح فوق الخطوط المعادية. عادت الطائرة بصور واضحة ومفصلة، مما شكل نقطة تحول حاسمة وتاريخية.

​اختراق الحظر وبداية التوسع الاستراتيجي

​دفع هذا النجاح الباهر قيادة الحرس الثوري إلى تبني المشروع رسميا وبكل ثقلها. تم تأسيس كتيبة رعد المتخصصة حصريا في هذا المجال، وانتقل البرنامج من أيدي الطلاب إلى إشراف المؤسسة العسكرية الصارم. لتجاوز عقبات الحظر الدولي الخانق، كان لزاما عليهم إيجاد طرق مبتكرة للوصول إلى الأسواق العالمية. هنا بدأت رحلة تأسيس شبكات سرية معقدة من الشركات الوهمية والمتعاملين الخفيين.

​استخدمت هذه الشبكات السرية متعاملين في دبي وسنغافورة ومناطق أخرى لشراء التقنيات والمكونات الإلكترونية المتقدمة. كانت القطع المفككة تشحن بطرق ملتوية ومموهة إلى الداخل ليتم تجميعها هناك بسرية. هذا النهج المعقد والمدروس يفسر لاحقا اكتشاف شرائح إلكترونية ومكونات أمريكية وغربية الصنع داخل حطام الطائرات الحديثة التي أسقطت في ساحات قتال مختلفة، مما يؤكد الفعالية الكبيرة لاستراتيجية الالتفاف على العقوبات.

​بعد إثبات جدارتها العالية في المهام الاستطلاعية وجمع المعلومات، قرر المهندسون الانتقال بجرأة إلى مرحلة الهجوم الشامل. بدؤوا التفكير بجدية في تسليح هذه الأجسام الطائرة البسيطة لتحويلها إلى منصات قتالية قادرة على الإغارة وتدمير المواقع. تطلب هذا التحول إتقان تكنولوجيا توجيه وتحكم أكثر دقة وتعقيدا. هكذا ولدت الأجيال الأولى من الطائرات الهجومية التي عرفت لاحقا باسم سلسلة طائرات مهاجر.

​لم تكن طهران وحيدة في هذا المضمار التكنولوجي، فقد سبقتها إسرائيل في استخدام الأجسام الطائرة لأغراض تكتيكية وحربية. في حرب أكتوبر، استخدمت إسرائيل طائرات صغيرة ومسيرة لاستنزاف صواريخ الدفاع الجوي المصرية. لاحقا في عام اثنين وثمانين، استعملت الطرازين سكوت وماستيف لضرب بطاريات الصواريخ السورية في لبنان. كانت تلك التطبيقات الفعلية الأولى لهذه التكنولوجيا الناشئة في تاريخ النزاعات والحروب الحديثة.

​راقب الخبراء الإيرانيون تلك التطورات الميدانية عن كثب، مستفيدين من حلفائهم في لبنان لجمع حطام الطائرات الإسرائيلية الساقطة ودراستها بعناية فائقة. أدرك المهندسون في طهران أن هذه التقنيات ليست خارقة أو مستحيلة التقليد والمحاكاة. تشير العديد من التقارير الاستخباراتية إلى أن التصاميم المبكرة استلهمت الكثير من الخصائص الديناميكية والهندسية لتلك النماذج، مما وفر عليهم سنوات طويلة ومكلفة من الأبحاث.

​فلسفة الكلفة المنخفضة أمام التكنولوجيا المعقدة

​لعقود طويلة جدا، ساد اعتقاد راسخ في العقيدة العسكرية العالمية بأن السلاح الأفضل والأكثر فتكا هو الأغلى والأكثر تعقيدا. كان المنطق العسكري يقول إن صاروخا دقيقا يكلف الملايين قادر على حسم المعركة بضربة قاضية. شكلت التكنولوجيا الفائقة حجر الزاوية في جيوش الدول العظمى والمتقدمة. لكن القيادة العسكرية أدركت استحالة مجاراة هذا السباق المكلف بسبب الضعف الاقتصادي وتوالي العقوبات الغربية.

​أرست طهران مفهوما استراتيجيا مغايرا تماما للمألوف، يقوم على مبدأ الكمية الهائلة والتكلفة المنخفضة كبديل للتفوق التكنولوجي الباهظ. بنيت استراتيجيتهم على حقيقة أن الطائرة التي تكلف عشرين ألف دولار فقط لا تحتاج لمنافسة صاروخ كروز بدقته البالغة مليوني دولار. بدلا من ذلك، يمكن ببساطة إطلاق مئة طائرة رخيصة دفعة واحدة، مما يجبر الخصم على استهلاك مخزونه الاستراتيجي من الصواريخ.

​هذا الفارق الهائل في التكلفة المالية يغير جذريا وبشكل مرعب معادلات الربح والخسارة في الساحات. بعملية حسابية بسيطة جدا، نجد أن إطلاق سرب هجومي من مئة طائرة يكلف قرابة مليوني دولار فقط لا غير. في المقابل، يضطر المدافع لإنفاق مئات الملايين من الدولارات لإطلاق صواريخ اعتراضية متطورة كالتي تملكها الدول الغربية. هذا الاستنزاف يشكل كابوسا حقيقيا ومروعا للدول المستهدفة.

​إلى جانب تكلفتها الزهيدة جدا، تتمتع هذه الأسلحة المبتكرة بميزة تكتيكية فريدة تتمثل في صعوبة رصدها واكتشافها. تحلق هذه الطائرات بسرعات بطيئة نسبيا وعلى ارتفاعات منخفضة للغاية تلامس التضاريس، مما يجعلها قادرة على التخفي بسهولة عن أعين الرادارات التقليدية المصممة لاصطياد المقاتلات السريعة. كما أن تكتيك الأسراب، حيث تهاجم العشرات هدفا واحدا من مسارات معقدة، يربك خوارزميات وأنظمة الدفاع.

​في سبتمبر من عام ألفين واثنين وعشرين، تلقى العالم صدمة مدوية حقا عندما دخلت هذه الأسلحة الرخيصة والفعالة ساحة الحرب الروسية الأوكرانية بقوة. انتشرت صور حطام طائرات جيرانيوم اثنان، وهي النسخة الروسية من طراز شاهد الشهير، وهي تحوم بحرية في سماء العاصمة كييف. أثبتت دولة تخضع للحصار منذ عقود قدرتها الفعلية على تصدير تكنولوجيا حديثة قلبت موازين أكبر صراع.

​التأثير الإقليمي وتغيير قواعد الاشتباك

​لم يقتصر الأمر على الساحة الأوروبية فحسب، بل ظهرت البصمة الإيرانية بوضوح وجلاء في صراعات الشرق الأوسط المختلفة. ربط خبراء تحليل الحطام والأمم المتحدة بشكل وثيق بين الطائرات التي يستخدمها المتمردون الحوثيون في اليمن وبين التصنيع الإيراني المباشر. تمكنت هذه الجماعة من توجيه ضربات دقيقة وموجعة للمنشآت الحيوية المجاورة، مما أثبت مجددا نجاح استراتيجية تصدير التكنولوجيا منخفضة التكلفة للوكلاء.

​من أبرز الأمثلة التاريخية الساطعة على هذا التحول الخطير، هجوم سبتمبر عام ألفين وتسعة عشر على منشآت أرامكو النفطية في السعودية. يذكر أن التاريخ الفعلي للحادثة كان في ألفين وتسعة عشر، لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول توقيت الهجوم. في ذلك الحدث المفصلي، فشلت أحدث أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية والغربية في التقاط أو اعتراض الأسراب المهاجمة بفعالية تذكر، مما صدم العالم.

​تسببت تلك الضربات الدقيقة في خسائر اقتصادية فادحة جدا قدرت بعشرات المليارات من الدولارات، وأوقفت جزءا كبيرا وحيويا من إمدادات الطاقة العالمية مؤقتا. بالمقابل، لم تتجاوز التكلفة الإجمالية للأسلحة المهاجمة المستخدمة بضعة ملايين من الدولارات. هذا التباين الصارخ بين تكلفة الهجوم وحجم الضرر المادي والنفسي الذي أحدثه، يمثل الجوهر الحقيقي لانتصار عقيدة الحروب غير المتكافئة التي طورتها العقول الهندسية.

​بحلول عام ألفين وستة وعشرين، وصلت هذه التكنولوجيا المخيفة إلى مستويات غير مسبوقة من النضج التكتيكي والعملياتي. تمكنت الأسلحة الإيرانية من اختراق الأجواء الإقليمية لعدة دول متجاوزة أنظمة الرصد المتقدمة والطبقات الدفاعية لتصل إلى أهدافها في إسرائيل بانطلاق مباشر وحي. هذا التطور الميداني الخطير ألغى تماما مفهوم العمق الاستراتيجي الآمن، وجعل كل نقطة في المنطقة معرضة لتهديد مباشر.

​مستقبل الحروب في ظل الأسراب الانتحارية

​أمام هذا التحدي المتصاعد بقوة، تتسابق الجيوش الغربية المتقدمة لتطوير حلول دفاعية اقتصادية وفعالة. على سبيل المثال، تعمل الولايات المتحدة بجد على ابتكار طائرات اعتراضية رخيصة مثل نظام لوكاس المتطور وطائرات ميروبس، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها حوالي خمسة عشر ألف دولار تقريبا. يهدف هذا التحرك السريع إلى إعادة التوازن لمعادلة التكلفة المفقودة، وتجنب استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الاستراتيجية.

​في النهاية والمحصلة، أثبتت التجربة الإيرانية بوضوح أن الإرادة القوية والمثابرة قادرتان على ابتكار بدائل استراتيجية تكسر احتكار الدول الكبرى للقوة العسكرية المفرطة. ما بدأ كلعبة أطفال بسيطة في مختبرات جامعية متواضعة جدا، تحول اليوم لواقع وكابوس يؤرق المخططين العسكريين في أقوى جيوش العالم أجمع. لم تعد القوة الغاشمة تقاس فقط بالقدرة على التدمير الشامل، بل بالقدرة على الاستمرار.

​لقد غيرت الطائرات المسيرة وجه الحروب الحديثة والعقائد العسكرية إلى الأبد وبلا رجعة. لم يعد بالإمكان خوض أي نزاع مسلح دون وضع هذه الأسراب الانتحارية الصامتة في قلب التخطيط التكتيكي والعملياتي. بين الحصار المفروض والعقوبات القاسية، وُلدت استراتيجية عسكرية فرضت نفسها كواقع صلب لا يمكن تجاهله. المستقبل ينذر بمزيد من الأسراب الذكية التي ستواصل حتما تحدي أعقد الترسانات والدفاعات.

تابع موقع تحيا مصر علي