عاجل
الخميس 23 أبريل 2026 الموافق 06 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

حسين طائب.. مهندس الظل وصانع العهود في دهاليز الاستخبارات الإيرانية

حسين طائب
حسين طائب

يعد حسين طائب واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الإيراني المعاصر، حيث يمثل العقل الأمني الذي يمزج بين الولاء المطلق للعائلة الحاكمة وبين القدرة الفائقة على إدارة الأزمات الكبرى من وراء الستار.

 منذ عقود، ارتبط اسم هذا الرجل بالملفات الأكثر حساسية، محولاً نفوذه داخل جهاز استخبارات الحرس الثوري إلى أداة لتمهيد الطريق أمام مستقبل سياسي محدد، وهو ما جعله اليوم محور التساؤلات العالمية.

وحسب تقرير لـ"اندبندنت" والعديد من الوكالات الإخبارية، فإن حسين طائب لا يزال يمسك بخيوط اللعبة السياسية في طهران، حيث تشير المصادر إلى أنه الشخص الذي يحافظ على قنوات اتصال حصرية ومباشرة مع مجتبى خامنئي في ظل الظروف الراهنة، فيما ترى هذه المصادر أن طائب لم يكتفِ بدور المستشار، بل تحول إلى القوة الدافعة التي وجهت أعضاء مجلس خبراء القيادة نحو خيارات معينة تحت ضغوط أمنية مكثفة ومنظمة.

إن التاريخ المهني لهذا الرجل الذي ولد باسم "حسن" وتسمى باسم شقيقه الراحل "حسين" يظهر تداخلاً فريداً بين العمل العسكري والأمني والاستخباري، حيث بدأ مسيرته في الحرس الثوري في سن مبكرة جداً. وخلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، استطاع حسين طائب بناء شبكة علاقات متينة داخل "كتيبة حبيب"، وهي المجموعة التي ضمت النواة الصلبة للمقربين من دوائر القرار العليا، مما منحه شرعية ثورية وأمنية لا تتزعزع بمرور الزمن.

وبالانتقال إلى مرحلة التسعينيات، دخل طائب إلى وزارة الاستخبارات تحت قيادة علي فلاحيان، لتبدأ أولى مواجهاته الكبرى مع مراكز القوى التقليدية في الدولة، حيث اصطدم مباشرة مع عائلة رفسنجاني عبر ملاحقة نجل الرئيس الأسبق.

 ورغم إبعاده المؤقت عن الجهاز بقرار رئاسي حينها، إلا أن علاقاته الشخصية المتينة ضمنت له العودة من بوابة الأجهزة الموازية التي صُممت خصيصاً لتكون العين الساهرة واليد الضاربة للمرشد بعيداً عن الرقابة الحكومية.

نشأة ميثم طائب وبناء الأجهزة الأمنية الموازية

ساهمت الطموحات الكبيرة في ولادة ما يعرف بالأجهزة الأمنية الموازية، وهو المشروع الذي كان حسين طائب أحد أبرز مهندسيه لمواجهة نفوذ التيارات الإصلاحية التي صعدت مع انتخاب محمد خاتمي في أواخر التسعينيات. 

نجح طائب في تحويل استخبارات الحرس الثوري من مجرد قسم داخلي إلى منظمة جبارة تنافس وزارة الاستخبارات الرسمية في الصلاحيات والتمويل والقدرة على التدخل في كافة شؤون الدولة الإيرانية ومؤسساتها التشريعية.

ويروي المقربون من دهاليز السلطة أن طائب، الذي عرف بلقبه الأمني "ميثم"، كان يتمتع بصلاحيات مطلقة تتجاوز القانون، وهو ما انتقده الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد في تصريحات لاذعة وصفت طائب بعدم التوازن.

 ومع ذلك، استمر نفوذه في النمو، حيث كان هو الذراع التنفيذية التي أدارت ملف انتخابات عام 2005، ثم انتقل لاحقاً لهندسة قمع احتجاجات عام 2009 التي كادت أن تهز أركان النظام الإيراني بشكل غير مسبوق.

لقد تجلى دور طائب في أبهى صوره القمعية خلال قيادته لقوات الباسيج، حيث اعتمد استراتيجية تجنيد العناصر الصعبة واستخدام العنف المفرط لإنهاء التظاهرات في شوارع طهران، وهو ما وثقته تقارير حقوقية دولية ومحلية عديدة. 

وبفضل هذا النجاح الأمني، تمت ترقية الجهاز الذي يقوده ليصبح "منظمة استخبارات الحرس الثوري"، وتولى رئاستها لسنوات طويلة، محولاً إياها إلى إمبراطورية أمنية واقتصادية تلاحق الخصوم في الداخل والخارج وتتحكم في مصائر الشخصيات السياسية.

إمبراطورية القمع وملفات الفساد والاختراقات الأمنية

خلال فترة رئاسته الطويلة لمنظمة استخبارات الحرس الثوري، وسع حسين طائب نطاق عملياته ليشمل ملاحقة مزدوجي الجنسية واستخدامهم كأوراق ضغط في المفاوضات الدولية، إلى جانب شن حملات اعتقال واسعة ضد النشطاء والصحفيين.

 وقد تميز عهده بنفوذ المحققين الأمنيين الذين باتوا يملكون سلطة تفوق سلطة القضاة، حيث كانت التقارير الاستخباراتية التي يرفعها جهازه هي الفيصل الوحيد في تحديد مصير المعتقلين وتوجيه التهم الجاهزة بالعمالة والتجسس للأعداء.

وعلى الرغم من التسريبات الصوتية التي كشفت في عام 2018 عن تورطه في ملفات فساد اقتصادي ضخمة مرتبطة ببلدية طهران وشخصيات قيادية أخرى، إلا أن حصانته السياسية منعت أي مساءلة قانونية بحقه. وبدلاً من إضعافه، قام المرشد بتجديد الثقة فيه، مما عزز القناعة لدى الأوساط الإيرانية بأن طائب هو "الرجل الذي لا يمكن المساس به"، كونه يحمل مفاتيح أسرار الدولة العميقة ويدير شبكة معقدة من المصالح المالية.

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن في عام 2022، عندما وقعت سلسلة من الاختراقات الأمنية والاغتيالات المنسوبة للموساد الإسرائيلي داخل قلب طهران، مما أدى في النهاية إلى إقالة طائب من منصبه الرسمي. ورغم هذا الابتعاد الظاهري عن الواجهة، انتقل طائب ليعمل مستشاراً للقائد العام للحرس الثوري، محتفظاً بنفوذه غير الرسمي ومستمراً في أداء مهمته الأساسية المتمثلة في حماية وترقية طموحات مجتبى خامنئي السياسية في ظل المتغيرات المتسارعة.

سيناريوهات الخلافة وهندسة مجلس خبراء القيادة

تشير المعطيات الحالية إلى أن المهمة التي كرس لها طائب حياته المهنية خلال العقدين الماضيين قد وصلت إلى لحظتها الحاسمة، خاصة بعد الأنباء التي تحدثت عن غياب المرشد علي خامنئي عن المشهد. فمنذ سنوات، كان طائب يعمل بصبر وهدوء على تهيئة المسرح السياسي لمجتبى، من خلال هندسة انتخابات مجلس الخبراء واستبعاد كل الأصوات المعارضة أو المنافسة عبر آليات مجلس صيانة الدستور التي يسيطر عليها الحرس الثوري.

وتذهب التقارير الاستخباراتية إلى أن اختيار مجتبى خامنئي كمرشد ثالث لم يكن عملية انتخابية طبيعية، بل جرى تحت إشراف وتوجيه مباشر من طائب ورفاقه في الجناح الأمني المتشدد داخل الحرس الثوري. وقد استغل هؤلاء حالة الغموض التي سادت البلاد بعد الهجمات الجوية الأخيرة لفرض واقع جديد، حيث تم التصويت بآلية غير مسبوقة تضمن التحكم الكامل في النتائج ومنع أي اعتراضات من أعضاء المجلس التقليديين أو المستقلين.

إن الدور الذي لعبه طائب في هذه المرحلة تجاوز مجرد التأمين الأمني، ليصل إلى إدارة التواصل الدولي والإقليمي، حيث يُنسب إليه اتخاذ قرارات سيادية مثل إفشال اتفاقيات ديبلوماسية عبر تحركات ميدانية مفاجئة. وهذا النفوذ الواسع يجعل منه الحاكم الفعلي في الظل، والقادر على إدارة شؤون البلاد حتى في حال غياب أو إصابة الشخصيات القيادية التي يتصدر أسماؤها الواجهة، مما يزيد من تعقيد المشهد الإيراني أمام المجتمع الدولي.

الغموض الذي يلف مصير مجتبى والوصية المغيبة

في الوقت الذي تتضارب فيه الأنباء حول الحالة الصحية لمجتبى خامنئي ومدى قدرته على ممارسة مهامه، يبرز طائب كحارس وحيد للحقيقة ومانع للوصول إلى الدائرة الضيقة التي تحيط بالقيادة الجديدة. فالتقارير التي تشير إلى إصابة مجتبى بجروح بالغة وتشويه ملامحه تضع طائب أمام تحدٍ وجودي، حيث يتعين عليه الحفاظ على صورة النظام وتماسكه بينما يدير الصراع مع القوى الرافضة للتوريث داخل المؤسسة الدينية في قم وطهران.

ويظل لغز "الوصية السياسية" لعلي خامنئي واحداً من أكبر الأدلة على الدور الذي يلعبه الجناح الأمني بقيادة طائب في تشكيل مستقبل إيران، حيث لم يتم الكشف عنها للعلن حتى الآن رغم مرور فترة طويلة. ويرى مراقبون أن إخفاء الوصية يهدف إلى إعطاء مساحة أكبر لمهندسي الخلافة لتنفيذ سيناريوهاتهم الخاصة دون التقيد بنصوص قد تعيق صعود مجتبى، أو قد تمنح شرعية لشخصيات أخرى يراها طائب وحلفاؤه خطراً على مصالحهم.

وهكذا، يظل طائب الشخصية المحورية التي تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل في بنية النظام الإيراني، فهو الذي بدأ كمقاتل في الخنادق وانتهى كصانع للملوك من خلف جدران الأجهزة الأمنية. وسواء نجح في تثبيت أركان حكم مجتبى أو اضطر للتعامل مع سيناريوهات بديلة، فإن اسمه سيبقى مقترناً بمرحلة التحول الكبرى في تاريخ إيران، وبصفته المهندس الذي لا ينام والسر الذي لا يُباح به في دهاليز السلطة.

تابع موقع تحيا مصر علي