السودان يتهم وإثيوبيا تنفي.. اتهامات متبادلة وتلويح بخيارات الرد العسكري
السودان يجد نفسه اليوم أمام منعطف تاريخي خطير بعد أن تعرضت سيادته لانتهاك صارخ تمثل في ضربات جوية غادرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي وقاعدة وادي سيدنا العسكرية مما أشعل فتيل أزمة دبلوماسية حادة بين الخرطوم وأديس أبابا وأدى إلى استدعاء السفير السوداني للتشاور في خطوة تعكس حجم الغضب الرسمي والشعبي تجاه هذا التصعيد العسكري الذي يهدد استقرار المنطقة الجغرافية المشتعلة أصلاً بالنزاعات.
وحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية فقد أفادت مصادر عسكرية سودانية ميدانية بأن طائرات مسيرة مجهولة الهوية ولكنها انطلقت من اتجاهات محددة قامت باستهداف منشآت حيوية في العاصمة يوم الاثنين مما تسبب في حالة من الرعب بين المدنيين حيث سقطت إحدى القذائف في منطقة سكنية مكتظة قريبة من حرم المطار متسببة في أضرار مادية دون الكشف الدقيق عن الحصيلة النهائية للإصابات البشرية في تلك اللحظة.
وتشير التفاصيل الميدانية إلى أن الهجوم لم يقتصر على مطار العاصمة بل امتد ليشمل قاعدة وادي سيدنا الجوية في مدينة أم درمان التي تعتبر معقلاً استراتيجياً للجيش السوداني في مواجهته المستمرة ضد قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في منتصف شهر أبريل من العام الماضي حيث تزامنت هذه الضربات مع تصاعد العمليات القتالية في عدة محاور حيوية تربط بين مدن العاصمة الثلاث التي دمرتها الحرب.
ويعكس هذا التطور الأخير اتساع رقعة الصراع السوداني ليتجاوز الحدود المحلية ويدخل في طور التدويل الإقليمي خاصة وأن الاتهامات السودانية لإثيوبيا لم تأتِ من فراغ بل استندت إلى رصد دقيق لتحركات الطيران المسير الذي بات يشكل السلاح الأبرز في هذه الحرب الاستنزافية التي أهلكت الحرث والنسل وتسببت في نزوح الملايين من منازلهم بحثاً عن الأمان في الولايات البعيدة أو دول الجوار المجاورة.
كواليس الهجمات الجوية وتصاعد الغضب الدبلوماسي
وخرج المتحدث باسم الجيش السوداني العميد عاصم عوض عبد الوهاب في تصريح رسمي صباح يوم الثلاثاء ليؤكد امتلاك القوات المسلحة لأدلة دامغة وحاسمة تثبت أن الطائرات المسيرة التي هاجمت الخرطوم قد انطلقت فعلياً من مطار بحر دار الواقع في إقليم أمهرة الإثيوبي وهو ما يمثل دليلاً مادياً لا يقبل الشك على تورط أطراف خارجية في دعم العمليات العسكرية ضد مؤسسات الدولة السودانية الرسمية.
ولم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها بل سبقتها هجمات مشابهة في شهر مارس الماضي استهدفت ولايات استراتيجية مثل شمال وجنوب كردفان وإقليم النيل الأزرق الحدودي مما يشير إلى وجود نمط متكرر من الاعتداءات الجوية التي تهدف إلى إضعاف القدرات الدفاعية للجيش وتشتيت جهوده في تأمين المناطق الحيوية والطرق الاستراتيجية التي تربط بين أقاليم البلاد المترامية الأطراف في هذه الظروف الحرجة.
وأعلن وزير الخارجية السوداني المكلف محي الدين سالم في مؤتمر صحافي عاجل عن قرار الحكومة باستدعاء سفير السودان لدى إثيوبيا بشكل فوري للتشاور ملوحاً بأن الخرطوم تمتلك كامل الحق القانوني والأخلاقي في الرد على هذا العدوان الإثيوبي بالكيفية والطريقة والزمان الذي تحدده القيادة السياسية والعسكرية للدفاع عن كرامة البلاد وحماية مواطنيها من الضربات الجوية العشوائية التي تستهدف الأعيان المدنية والعسكرية.
وفي ولاية النيل الأبيض الواقعة إلى الجنوب من العاصمة الخرطوم أفادت تقارير حكومية محلية بأن طائرات مسيرة استهدفت يوم الاثنين مصنعاً لإنتاج الإيثانول في مدينة كنانة الصناعية مما أدى إلى وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية للمصنع الذي يعد أحد الركائز الاقتصادية الهامة في المنطقة وهو ما يؤكد تعمد الجهات المهاجمة ضرب المراكز الإنتاجية والخدمية لزيادة معاناة الشعب السوداني المنهك اقتصادياً.
الاتهامات الإثيوبية المضادة وتاريخ الصراع الحدودي
وفي المقابل سارعت وزارة الخارجية الإثيوبية إلى إصدار بيان رسمي عبر منصة أكس نفت فيه جملة وتفصيلاً كافة الاتهامات الصادرة من الخرطوم ووصفتها بأنها اتهامات لا أساس لها من الصحة وتهدف إلى تصدير الأزمات الداخلية السودانية نحو الجوار الإقليمي مشددة على التزام أديس أبابا بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى رغم التوترات الحدودية القائمة بين البلدين.
ولم تكتفِ إثيوبيا بالنفي بل وجهت اتهامات مضادة للجيش السوداني بالضلوع في تقديم الدعم العسكري واللوجستي والتمويل المالي لمقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي الذين خاضوا حرباً دموية طاحنة ضد الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا بين عامي ألفين وعشرين وألفين واثنين وعشرين مما أسفر عن سقوط مئات الآلاف من القتلى وحدوث أزمة إنسانية كبرى في إقليم التيغراي بالشمال الإثيوبي.
وزعمت الخارجية الإثيوبية في بيانها أن القوات المسلحة السودانية سهلت توغلات المسلحين الذين وصفتهم بالمرتزقة على طول الحدود الغربية لإثيوبيا وزودتهم بالأسلحة والعتاد مما يهدد الأمن القومي الإثيوبي بشكل مباشر ويعيد للأذهان مرارات الحرب التي استمرت عامين كاملين وانتهت باتفاق سلام هش لا يزال يواجه الكثير من التحديات على أرض الواقع في ظل التجاذبات السياسية المعقدة بالقرن الأفريقي.
ويشهد السودان حالياً صراعاً مريراً حول السيادة والنفوذ حيث يرى مراقبون أن هذه الاتهامات المتبادلة تعكس عمق الفجوة بين القيادتين في الخرطوم وأديس أبابا خاصة مع وجود ملفات شائكة قديمة مثل نزاع منطقة الفشقة الحدودية الزراعية الخصبة وأزمة سد النهضة التي لا تزال تراوح مكانها دون حل قانوني ملزم يرضي جميع الأطراف المعنية بقطاع المياه والأمن المائي الإقليمي.
تقارير استخباراتية تكشف دور القواعد الحدودية
واستندت الحكومة السودانية في اتهاماتها الأخيرة إلى تقارير بحثية دولية من بينها تقرير صدر عن جامعة يال الأمريكية في شهر أبريل الماضي كشف عن وجود نشاط عسكري مريب في قاعدة جوية إثيوبية قريبة من الحدود المشتركة حيث أظهرت صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة بين نهاية عام ألفين وخمسة وعشرين ومطلع عام ألفين وستة وعشرين وجود طائرات مسيرة ودعم لوجستي يقدم لقوات الدعم السريع.
ورغم النفي الإثيوبي المتكرر لاستضافة معسكرات تابعة لقوات الدعم السريع إلا أن التحليلات الاستخباراتية تشير إلى أن تكنولوجيا المسيرات قد غيرت موازين القوى في الحرب السودانية حيث يعتمد الطرفان المتحاربان بشكل مكثف على هذه الطائرات لشن هجمات دقيقة خلف خطوط العدو مما أدى إلى مقتل أكثر من سبعمئة شخص منذ بداية العام الجاري وحده وفقاً لتقديرات رسمية صادرة عن مسؤولين أمميين.
وتصاعدت وتيرة الحرب الجوية في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ حيث يسعى الجيش السوداني لاستعادة السيطرة الكاملة على العاصمة الخرطوم وتأمين الطرق الاستراتيجية المؤدية إلى ولايات دارفور في الغرب وكردفان في الجنوب بينما تحاول قوات الدعم السريع الحفاظ على مكاسبها الميدانية التي حققتها في نهاية العام الماضي عندما أحكمت قبضتها على أجزاء واسعة من إقليم دارفور المضطرب منذ عقود طويلة.
ويرى الخبراء أن استخدام المسيرات في قصف مطار الخرطوم يهدف بالأساس إلى شل الحركة الجوية ومنع عودة الحياة الطبيعية للعاصمة التي بدأت تشهد رجوعاً تدريجياً لآلاف النازحين واستئنافاً لبعض الرحلات الداخلية والأنشطة التجارية في المناطق التي استعاد الجيش السيطرة عليها في شهر مارس من عام ألفين وخمسة وعشرين بعد معارك ضارية استمرت لعدة أشهر في أحياء أم درمان القديمة.
الواقع الميداني الكارثي وآفاق الأزمة الإنسانية
وفي ظل هذه التطورات العسكرية المتلاحقة يظل السودان يعاني من أسوأ كارثة إنسانية في العالم بحسب تصنيفات الأمم المتحدة حيث خلفت الحرب المستمرة منذ أربعة عشر عاماً عشرات الآلاف من القتلى وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى تجاوز حصيلة الضحايا مئتي ألف شخص فضلاً عن تشريد الملايين داخل البلاد وخارجها في ظروف معيشية قاسية تفتقر لأدنى مقومات الحياة والخدمات الصحية الأساسية.
وبالرغم من تعرض مطار الخرطوم لهذا القصف المباغت إلا أن وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة أكدت في بيان رسمي عزمها على استئناف العمل الفوري في المطار فور الانتهاء من الإجراءات الفنية والروتينية اللازمة لضمان سلامة الملاحة الجوية والركاب معتبرة أن هذه المحاولات التخريبية لن تثني الدولة عن القيام بواجباتها في تقديم الخدمات للمواطنين وتسهيل حركة التنقل الضرورية بين الولايات السودانية المختلفة.
ويستمر الجيش في تعزيز مواقعه الدفاعية والهجومية في مناطق كردفان والنيل الأزرق لمنع تمدد قوات الدعم السريع نحو الطريق الاستراتيجي الذي يربط شرق البلاد بغربها وهو الشريان الحيوي المتبقي لنقل البضائع والاحتياجات الضرورية لاسيما في ظل سيطرة المتمردين على أجزاء واسعة من الطرق البرية الرئيسية مما يجعل الاعتماد على النقل الجوي والمسيرات أمراً حيوياً في إدارة المعركة العسكرية واللوجستية الراهنة.
وتبقى العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا مرشحة لمزيد من التصعيد في الأيام المقبلة إذا لم تتدخل القوى الإقليمية والدولية لنزع فتيل الأزمة ومنع تحول الصراع السوداني الداخلي إلى حرب إقليمية شاملة قد تحرق الأخضر واليابس في منطقة القرن الأفريقي التي لا تتحمل مزيداً من الاضطرابات في ظل التحديات المناخية والاقتصادية والسياسية الصعبة التي تواجه شعوب هذه المنطقة المنكوبة بالحروب المتكررة.
تطبيق نبض
