عاجل
الخميس 07 مايو 2026 الموافق 20 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

وسام قائد.. رحلة الوفاء التي انتهت برصاص الغدر في عدن

تحيا مصر

بينما كانت شمس مدينة عدن تنسحب نحو الأفق في مساء الأحد الدامي، غابت معها شمس حياة الخبير التنموي وسام قائد في مشهد يجسد ذروة الألم الذي تعيشه البلاد.

 لم يكن وسام قائد مجرد موظف في منظمة دولية، بل كان تجسيداً لروح العودة نحو الجذور في أصعب الظروف الإنسانية والسياسية، حيث تعرض هذا الرجل لعملية اغتيال غادرة أمام منزله في مدينة إنماء بعد يوم عمل شاق من أجل الفقراء.

بحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن كاميرات المراقبة وثقت تلك اللحظات المروعة التي أظهرت ترصد المجرمين لسيارة وسام قائد بدقة متناهية خلف زوايا الشوارع المظلمة. 

وما إن أوقف محرك سيارته حتى انقض عليه ثلاثة مسلحين ملثمين، واقتادوه مقيداً تحت تهديد السلاح إلى مصيره المجهول الذي انتهى برصاصات داخل سيارته. لقد كان وسام قائد يظن أن عمله التنموي وسعيه لإحياء آمال الناس سيشكل درعاً يحميه من وحوش الغدر والظلام.

وسام قائد.. حكاية حفيد هاجر ليعود بمشاريع الأمل

بدأت رحلة الوفاء من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة، حيث نال وسام قائد درجة الماجستير في تخصصات الصراع والأمن والتنمية ليعود بها إلى أرض أجداده. وعلى رغم استقرار عائلته في بريطانيا لنحو سبعين عاماً، إلا أن وسام قائد قرر أن يضع خبراته في خدمة المزارعين والحرفيين في القرى اليمنية المنسية. كان يؤمن أن التنمية الحقيقية لا تأتي عبر المساعدات الإغاثية المؤقتة بل من خلال تمكين الفئات الأكثر احتياجاً بكرامة.

في عام ألفين وخمسة، وضع الحجر الأساس لوكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر التي أصبحت لاحقاً علامة فارقة في الاقتصاد المحلي بفضل رؤية وسام قائد. 

كافح الراحل لإقناع الجهات الرسمية بأن الابتكار والشباب هما المحرك الحقيقي للمستقبل بعيداً عن الاعتماد الكلي على موارد النفط والغاز الناضبة. وبفضل إصراره، فتحت أبواب الصندوق الاجتماعي للتنمية أمام أفكاره الإبداعية التي لامست حياة آلاف الأسر المحتاجة في كل مكان.

استطاع وسام قائد أن يحول قطاع البن اليمني من مجرد زراعة تقليدية إلى أسطورة عالمية ت غزو الأسواق في اليابان وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. كان يحلم بأن يستفيد مئة ألف مواطن من سلاسل القيمة في قطاع القهوة، ونجح فعلياً في خلق آلاف فرص العمل المستدامة. 

لم يتوقف طموحه عند الأرض، بل امتد لدعم الصيادات في لحج وتدريب نساء تهامة على صناعة الحقائب وتصديرها للخارج.

التحديات الكبرى وقرار البقاء في مواجهة الموت

حين اندلعت الحرب وغادر الجميع، كتب وسام قائد بكلمات مؤثرة عن سبب بقائه في اليمن، مؤكداً أن ابتسامة امرأة نالت رزقها تكفي لاتخاذ القرار. لم تكن الرفاهية في بريطانيا تغريه أمام حاجة الناس، فبقي وحيداً بعيداً عن أطفاله وأسرته ليواصل مسيرة البناء تحت وابل من التهديدات.

 كان وسام قائد يرى في كل مشروع صغير قصة نجاح وطن يحاول النهوض من تحت ركام الحروب والدمار الشامل.

انتقل وسام قائد إلى عدن في عام ألفين وأربعة وعشرين بعد نجاته من محاولات اعتقال وتضييق ممنهج طاولت عمله التنموي في المناطق الخاضعة للحوثيين. وفي عدن، تولى قيادة الصندوق الاجتماعي للتنمية، محاولاً النأي بهذه المؤسسة العريقة عن صراعات السياسة المقيتة التي دمرت كل جميل في البلاد.

 ركز جهوده على اللامركزية في اتخاذ القرارات لضمان وصول التمويلات الشحيحة إلى المديريات الأكثر فقراً واحتياجاً في الجمهورية.

كان الراحل يتساءل بمرارة عن كيفية توزيع موازنة تراجعت من مئتين وأربعين مليون دولار إلى خمسين مليوناً فقط في ظل الاحتياجات المتزايدة للناس. 

ومع ذلك، لم يتوقف وسام قائد عن العمل بصمت، محاولاً ابتكار حلول تمويلية تدعم المصانع الصغيرة المهددة بالإغلاق وتعيد تشغيل عجلة الإنتاج. كان يمثل جسراً إنسانياً يربط بين اليمن والعالم الخارجي، مستخدماً لغته الدبلوماسية وثقافته الواسعة للترويج للهوية اليمنية الأصيلة.

صدمة الاغتيال ووداع يليق برجل التنمية الأول

هز خبر رحيل وسام قائد الأوساط المحلية والدولية، حيث أدانت منظمة اليونسكو والبعثات الدبلوماسية هذه الجريمة التي استهدفت رمزاً من رموز البناء والسلام. وفي العالم الافتراضي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى خيمة عزاء كبيرة تفيض بكلمات الرثاء والصور التي تخلد ذكرى رجل لم يعرف الكلل أو الملل. أما في الواقع، فقد كان تشييع جثمانه صامتاً وحزيناً، يعكس حالة الخوف التي خيمت على مدينة عدن.

يقول رفاقه إن وسام قائد كان يمتلك عاطفة فطرية تجاه وطنه، ظهرت منذ شبابه حين دافع عن هوية المنتجات اليمنية في أسواق لندن بغيره كبيرة. 

إن غيابه اليوم يترك فراغاً كبيراً في قطاع التنمية، حيث كان مدرسة في الإدارة الحديثة والتعامل الإنساني الراقي مع جميع الموظفين والشركاء. ستظل قصص النجاح التي سطرها في القرى والجبال شاهدة على عبقرية رجل آمن باليمن حتى النفس الأخير من حياته.

تطالب المنظمات الحقوقية والمدنية بتحقيق شفاف وسريع لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاء ما اقترفته أيديهم بحق وسام قائد وبحق الوطن اليمني. إن هذه الجريمة ليست مجرد اغتيال لشخص، بل هي محاولة لاغتيال الأمل والابتكار وكل مساعي التنمية التي يقودها المخلصون في هذا البلد الجريح. وسيبقى اسم وسام قائد محفوراً في ذاكرة كل مزارع وصياد وامرأة منتجة مد لهم يد العون يوماً ما.

 

تابع موقع تحيا مصر علي