استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية.. تكلفة حرب إيران تقفز إلى 29 مليار دولار
تتصدر حرب إيران عناوين الصحف العالمية، وسط تصاعد التوترات العسكرية والسياسية، التي أدت إلى اضطراب كبير في الأسواق الدولية، حيث يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لفرض واقع جديد يضمن مصالح بلاده، بينما يواجه الكونجرس الأمريكي أزمة حقيقية، تتعلق بكيفية توفير التمويل اللازم، لدعم العمليات القتالية المستمرة، في منطقة الشرق الأوسط، التي تعاني من عدم الاستقرار، منذ بداية النزاع المسلح المباشر والخطير.
حسب تقرير لموقع قناة القاهرة الإخبارية، فإن الإدارة الأمريكية تواجه انتقادات حادة، بسبب الارتفاع الجنوني في كلفة العمليات العسكرية، حيث كشف البنتاجون عن وصول الفاتورة الإجمالية، إلى نحو تسعة وعشرين مليار دولار، بزيادة قدرها أربعة مليارات دولار، خلال فترة زمنية وجيزة لا تتعدى الأسبوعين، مما يعكس حجم الاستنزاف المالي الهائل، الذي تتعرض له الخزانة العامة، في ظل استمرار المواجهات المسلحة والضربات الجوية المكثفة.
أوضح القائم بأعمال المراقب المالي للوزارة، جاي هيرست، في شهادته أمام المشرعين، أن التقديرات المالية الجديدة، تشمل تكاليف الإصلاح الفوري للمعدات المتضررة، واستبدال الأسلحة والذخائر التي استهلكت، إضافة إلى النفقات التشغيلية الضخمة، المخصصة لإبقاء القوات الأمريكية في حالة تأهب قصوى، داخل مناطق النزاع المشتعلة، التي تتطلب تدفقات مالية مستمرة، لتأمين الاحتياجات اللوجستية والفنية المعقدة، للقوات المنتشرة في البر والبحر والجو حالياً.
أكد هيرست خلال جلسة الاستماع البرلمانية، أن الوزارة باتت تعتقد أن الكلفة الفعلية، أصبحت قريبة جداً من حاجز الثلاثين مليار دولار، وسط مطالبات برلمانية متزايدة بالحصول على إيضاحات شفافة، حول مبررات هذا الإنفاق الضخم، وتداعياته على الموازنة العامة للدولة، خاصة في ظل العجز المالي المتزايد، وحاجة القطاعات المدنية الأخرى للدعم المالي، الذي يتم توجيهه الآن، لتمويل العمليات القتالية المستمرة في جبهات القتال.
أزمة الذخائر وتآكل القدرات العسكرية الإستراتيجية
كشفت تقارير عسكرية مسربة عن وجود قلق عميق، داخل أروقة البنتاجون والبيت الأبيض، بسبب تآكل مخزونات الذخائر الحيوية، حيث استنفد الجيش الأمريكي ما يعادل سنوات، من إنتاجه الحربي من الصواريخ والقذائف الموجهة، خلال أسابيع قليلة من القصف المتواصل، مما يضع القدرات الدفاعية في وضع حرج، يتطلب سنوات طويلة من العمل التصنيعي المكثف، لتعويض النقص الحاصل في الترسانة الإستراتيجية للدولة بشكل فعال.
أشار عضو الكونجرس الجمهوري كين كالفيرت، الذي يرأس لجنة الإنفاق الدفاعي، إلى أن الحصول على تمويل تكميلي عاجل، أصبح ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل، لضمان استمرار الجاهزية القتالية للقوات المسلحة، وتأمين تدفق الأسلحة اللازمة للميدان، في ظل التصعيد العسكري المستمر، الذي يفرضه واقع حرب إيران الحالي، والذي يتطلب موارد تصنيعية وبشرية هائلة، لا تستطيع الموازنة العادية الحالية تغطيتها، دون تدخل تشريعي سريع واستثنائي.
رفض وزير الدفاع بيت هيجسيث، خلال جلسات الاستماع العلنية في الكابيتول، الخوض في تفاصيل النقص في الترسانة العسكرية، معتبراً أن الحديث عن أزمة ذخائر، هو أمر تم تضخيمه بشكل غير مسؤول، ولا يخدم المصلحة الوطنية العليا، مؤكداً أن القيادة العسكرية تمتلك رؤية كاملة، حول حجم الأسلحة المتاحة وقدرتها على الاستجابة، للتهديدات الأمنية المختلفة التي تواجهها المصالح الأمريكية، في مختلف المسارح والعمليات الدولية المفتوحة.
أعرب هيجسيث عن اعتراضه الشديد، على وصف ما يحدث بأنه نفاد للذخائر، في منتدى عام وأمام وسائل الإعلام، محاولاً احتواء المخاوف المتعلقة بقدرات الجيش الأمريكي، على الصمود في مواجهة عسكرية طويلة الأمد، إلا أن المشرعين واصلوا الضغط للحصول على أرقام دقيقة، حول ميزانية السنة المالية القادمة، التي بلغت تريليون ونصف التريليون دولار، دون أن تشمل التكاليف الإضافية الناتجة عن الصراع المسلح المباشر في المنطقة.
التحركات الدبلوماسية والضغوط الصينية في الأزمة
يستعد الرئيس دونالد ترامب للقيام بزيارة رسمية، إلى العاصمة الصينية بكين لعقد قمة مرتقبة، مع الرئيس شي جين بينج لبحث سبل إنهاء النزاع، حيث يدرك البيت الأبيض أن الصين، تمتلك نفوذاً اقتصادياً كبيراً على طهران، من خلال شرائها كميات ضخمة من النفط الإيراني، مما يجعلها لاعباً محورياً في أي اتفاق مستقبلي، يهدف لتهدئة الأوضاع العسكرية المشتعلة، وضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية المتضررة بشدة.
أعلن ترامب قبيل مغادرته واشنطن، استعداده التام لاستئناف العمليات العسكرية الشاملة، في حال فشل الجهود الدبلوماسية الحالية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستنتصر بطريقة أو بأخرى، سواء عبر صفقة جيدة تضمن الأمن والسلام، أو من خلال القوة العسكرية الغاشمة، واصفاً وقف إطلاق النار الحالي، بأنه وضع هش وغير مستقر تماماً، ويحتاج إلى قرارات حاسمة لإنهاء حالة الجمود، التي تضر بالمصالح الإستراتيجية الأمريكية في العالم.
أقر وزير الدفاع الأمريكي بوجود نفوذ صيني هائل، يمكن استخدامه للضغط على النظام الإيراني، خاصة وأن بكين تعتبر المشتري الرئيسي للنفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد في طهران، مما يمنحها القدرة على التأثير في مسار القرار السياسي، بينما دعا السيناتور ليندسي جراهام، الرئيس ترامب لاتخاذ موقف أكثر صرامة، مع الرئيس الصيني خلال القمة، للتأكيد على ضرورة وقف الدعم المقدم للقوى التي تهدد الاستقرار الإقليمي.
شدد جراهام على ضرورة إدراك أن الصين، تدعم أطرافاً دولية تعارض المصالح الأمريكية المباشرة، مما يتطلب إستراتيجية دبلوماسية واضحة وحازمة، للتعامل مع هذا الملف المعقد وتداعياته على الأمن القومي، في حين تواصل واشنطن مراقبة التحركات العسكرية والسياسية، التي تقوم بها القوى الكبرى في المنطقة، لضمان عدم خروج الأوضاع عن السيطرة، في ظل استمرار حرب إيران التي باتت تهدد السلم والأمن الدوليين بشكل مباشر.
الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة في أمريكا
أظهرت البيانات الاقتصادية الرسمية الصادرة مؤخراً، تأثراً كبيراً للاقتصاد الأمريكي بتبعات المواجهات العسكرية، حيث ارتفع معدل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة بسبب القفزة الهائلة، في أسعار الوقود والطاقة العالمية الناتجة عن تعطل الملاحة، في الممرات البحرية الحيوية التي تسيطر عليها طهران، مما أدى إلى زيادة الأعباء المالية على المواطنين، وتراجع القدرة الشرائية للعائلات الأمريكية بشكل ملحوظ وخطير.
أدى الارتفاع المستمر في معدلات التضخم، إلى تراجع شعبية الرئيس ترامب في استطلاعات الرأي، حيث أظهرت نتائج بحث ميداني حديث، أن أكثر من نصف الناخبين الأمريكيين، يعبرون عن عدم رضاهم التام عن السياسات الاقتصادية، التي تنتهجها الإدارة الحالية في ظل الأزمة القائمة، معتبرين أن الانخراط في نزاعات عسكرية مكلفة، أدى إلى تدهور مستوى المعيشة وزيادة الفقر، في العديد من الولايات الأمريكية التي تعاني اقتصادياً.
أشارت عضوة الكونجرس الديمقراطية بيتي ماكولوم، إلى أن تكلفة العمليات العسكرية ارتفعت أيضاً، بسبب زيادة سعر الوقود القياسي المخصص للجيش الأمريكي، والذي قفز من مئة وأربعة وخمسين دولاراً، إلى مئة وخمسة وتسعين دولاراً للبرميل الواحد، مما ساهم في رفع إجمالي فاتورة الحرب، بصورة إضافية وأثقل كاهل دافعي الضرائب، الذين باتوا يتساءلون عن الجدوى الاقتصادية، من الاستمرار في هذا الصراع العسكري المفتوح والمكلف جداً.
أوضحت ماكولوم خلال جلسة استماع بمجلس النواب، أن الارتفاع في أسعار الطاقة لا يؤثر فقط، على ميزانية الدفاع بل يمتد ليشمل كافة القطاعات الصناعية، والخدمية في الولايات المتحدة الأمريكية مما يهدد بدخول البلاد، في حالة من الركود الاقتصادي الطويل إذا لم يتم، إيجاد حل سريع وشامل لإنهاء الأزمة، وفتح الممرات الملاحية الدولية التي تم إغلاقها، مما تسبب في شلل جزئي في حركة التجارة العالمية والتموين.
مستقبل الصراع ومصير الممرات الملاحية الدولية
فشلت الجهود الأمريكية والدولية الرامية لإنهاء الحرب، في إعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره، نحو خمس إمدادات النفط العالمية في الوقت الحالي، بعد أن قامت إيران بإغلاقه بشكل شبه كامل، رداً على اندلاع المواجهات العسكرية مع واشنطن وتل أبيب، في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، مما أدى لتعطل سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين البحري، على السفن والناقلات النفطية العملاقة.
يبقى مصير المنطقة معلقاً بمدى قدرة الأطراف، على التوصل لاتفاق سياسي شامل ينهي النزاع المسلح، في ظل إصرار البيت الأبيض على شروط صارمة، ترفضها طهران التي تستخدم ورقة الطاقة للضغط، مما يجعل احتمالات التصعيد العسكري واردة في أي لحظة، خاصة مع استمرار استنزاف الموارد في حرب إيران المنهكة، التي باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على كاهل الاقتصاد العالمي، وتهدد باندلاع صراع دولي أوسع نطاقاً وأكثر تدميراً.
تتجه الأنظار نحو القمة المرتقبة في بكين، كفرصة أخيرة لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة ومدمرة، حيث يرى الخبراء أن التوصل لتفاهمات صينية أمريكية، هو المفتاح الوحيد لكسر الجمود الحالي في الأزمة، وضمان عودة تدفق النفط عبر مضيق هرمز الحيوي، في حين يواصل المشرعون في واشنطن الضغط، لتقليص الإنفاق العسكري وتوجيه الموارد، لحماية الاقتصاد الوطني الذي بدأ يعاني من تصدعات عميقة ومقلقة للجميع.
يظل التحدي الأكبر أمام إدارة ترامب حالياً، هو كيفية الموازنة بين الأهداف السياسية والعسكرية الطموحة، وبين الحقائق الاقتصادية المرة التي تفرضها تكاليف الحرب، في ظل تآكل المخزونات العسكرية وارتفاع الديون العامة، مما يجعل البحث عن مخرج دبلومسي مشرف، أمراً لا مفر منه لتجنب كارثة اقتصادية، قد تعصف بمستقبل الإدارة الحالية في الانتخابات القادمة، وتترك أثراً سلبياً طويل الأمد على مكانة الولايات المتحدة.
تعكس التطورات الأخيرة في مسار حرب إيران الحالية، مدى تعقد المصالح الدولية وتداخل الملفات السياسية بالاقتصادية، حيث لم يعد النصر العسكري هو الهدف الوحيد، بل أصبح الحفاظ على الاستقرار المالي والتمويني، هو الهاجس الأكبر للقوى العظمى التي تجد نفسها، عالقة في دوامة من الإنفاق العسكري غير المسبوق، والضغوط الشعبية المتصاعدة للمطالبة بوقف نزيف الأموال والدماء، وتغليب لغة الحوار والمصالح المشتركة على لغة السلاح.
تطبيق نبض
