عاجل
الخميس 14 مايو 2026 الموافق 27 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

السودان يحشد قواته على الحدود الشرقية وسط بوادر مواجهة مع إثيوبيا

البرهان وأبي أحمد
البرهان وأبي أحمد

تعيش منطقة القرن الأفريقي حالة من الترقب المشوب بالحذر الشديد مع بلوغ التوترات بين السودان وإثيوبيا ذروة غير مسبوقة في ظل تبادل اتهامات خطيرة شملت دعم الحركات المسلحة وشن غارات جوية باستخدام الطائرات المسيرة، وهو ما ينذر بتحول الصراع من أزمة دبلوماسية مكتومة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تهدد استقرار المنطقة المنهكة أصلًا بالحروب الداخلية والنزاعات الحدودية المتراكمة عبر العقود الماضية.

وحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات دولية فإن المشهد المتفجر الحالي يأتي مدفوعًا بتسريبات استخباراتية وتحركات عسكرية مكثفة على الحدود المشتركة، حيث يتهم الجيش في السودان الجانب الإثيوبي بتقديم تسهيلات لوجستية وقواعد انطلاق لطائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع، وهو الأمر الذي يضع الدولة السودانية أمام تحدي الصمود في جبهتين مشتعلتين في آن واحد وسط ظروف إنسانية واقتصادية بالغة التعقيد والخطورة.

نذر الصدام العسكري والتحركات الميدانية على الحدود

تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن السودان بدأ بالفعل في حشد تعزيزات عسكرية ضخمة باتجاه المناطق الحدودية الشرقية كرد فعل على ما وصفه بالعدوان الإثيوبي المستمر، خاصة بعد رصد انطلاق طائرات مسيرة من مطار بحر دار استهدفت مواقع استراتيجية داخل الأراضي السودانية، مما دفع الدبلوماسيين لمناقشة احتمالات قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل بين الخرطوم وأديس أبابا في القريب العاجل.

ويؤكد الخبراء أن الوضع الراهن في السودان يفرض على القيادة العسكرية التعامل بحذر مع الاستفزازات الخارجية، حيث أن الانخراط في حرب نظامية مع الجارة إثيوبيا قد يؤدي إلى استنزاف ما تبقى من قدرات دفاعية، ومع ذلك فإن تزايد التقارير حول وجود معسكرات سرية لتدريب عناصر الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية يجعل الصمت السوداني خيارًا صعبًا ويهدد السيادة الوطنية بشكل مباشر.

اتهامات متبادلة وتورط أطراف إقليمية في الأزمة

تصاعدت حدة الخطاب السياسي بعدما نشر الدبلوماسي الأمريكي السابق كاميرون هدسون تدوينات تشير إلى أن السودان اتخذ خطوات فعلية لإنهاء الوجود الدبلوماسي الإثيوبي، وهو ما يعكس وصول التفاهمات السياسية إلى طريق مسدود بين البلدين الجارين، خاصة مع إصرار الخرطوم على أن أديس أبابا لم تعد طرفًا محايدًا بل أصبحت شريكًا في العمليات العسكرية التي تستهدف تقويض مؤسسات الدولة السودانية الشرعية.

وفي المقابل ترفض إثيوبيا هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً وتدعي أن السودان يقوم بدوره بدعم عناصر متمردة من إقليم التيغراي، محذرة من أن التدخل في شؤونها الداخلية سيواجه برد حازم، وهو ما يعيد للأذهان الصراعات التاريخية التي شهدتها المنطقة في التسعينيات، حيث كانت الحدود المشتركة ممرًا للأسلحة والمقاتلين الذين ساهموا في تغيير أنظمة الحكم في كلا البلدين عبر تحالفات سرية ومعلنة.

ملف الفشقة وسد النهضة كوقود للصراع المتجدد

لا يمكن فصل التصعيد الحالي عما يجري في السودان من صراع داخلي عن الأزمات التاريخية العالقة مثل النزاع على أراضي الفشقة الزراعية، حيث استغل الجيش السوداني انشغال إثيوبيا بحرب التيغراي في عام ألفين وعشرين لاستعادة السيطرة عليها، وهو ما تعتبره أديس أبابا طعنة في الظهر، مما جعلها تتحين الفرص للرد عبر دعم القوى المناهضة للجيش في الخرطوم خلال الأزمة الراهنة.

ويبرز سد النهضة كعامل ضغط إضافي يزيد من تعقيد المشهد الأمني بين السودان وإثيوبيا، فبينما تعاني الخرطوم من ويلات الحرب الأهلية، تستمر أديس أبابا في عمليات الملء الأحادي مما يثير مخاوف السودانيين من تأثر أمنهم المائي، وهذا التداخل بين الملفات السياسية والمائية والعسكرية يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية شاملة دون تدخل دولي حازم يمنع الانزلاق نحو الهاوية.

سيناريوهات المستقبل وفرص النجاة من الحرب الشاملة

يرى مراقبون أن الدولة في السودان تحاول جاهدة موازنة الرد العسكري بضبط النفس الدبلوماسي لتجنب حرب إقليمية قد لا تبقي ولا تذر، إلا أن استمرار الدعم اللوجستي الإثيوبي لخصوم الجيش قد يجبر القيادة السودانية على تنفيذ ضربات استباقية أو تعزيز التحالفات مع قوى إقليمية أخرى موازية، مما يحول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية الكبرى على حساب دماء الشعوب.

وعلى الرغم من سوداوية المشهد فإن هناك بصيص أمل يتمثل في المبادرات الأفريقية التي تحاول تهدئة روع الطرفين، لكن الفجوة العميقة في الثقة بين البرهان وآبي أحمد تجعل من الصعب الجلوس على طاولة مفاوضات واحدة، خاصة بعد استضافة إثيوبيا لقادة قوات الدعم السريع واستقبالهم ببروتوكولات رسمية، مما اعتبره السودان إهانة لسيادته واعترافًا ضمنيًا بقوى متمردة تخوض حربًا ضد الدولة.

تداعيات الانهيار الأمني على الاستقرار الإقليمي

إن حدوث أي صدام مسلح مباشر بين السودان وجارته الشرقية سيعني بالضرورة انهيار منظومة الأمن في شرق أفريقيا بالكامل، مما سيفتح الباب أمام تدفق موجات جديدة من اللاجئين وتوسع نشاط الجماعات الإرهابية التي تستغل غياب السلطة المركزية، وهو السيناريو الذي تخشاه القوى الدولية وتسعى لمنعه عبر الضغط على أديس أبابا للتوقف عن التدخل في الشأن السوداني الداخلي وضبط حدودها بشكل أكثر صرامة.

ويبقى التساؤل القائم حول مدى قدرة السودان على تحمل كلفة هذا التصعيد في وقت يحتاج فيه كل جندي وكل رصاصة لتأمين مدنه الداخلية، ومع ذلك فإن كرامة الدولة وسيادة أراضيها تظل الخط الأحمر الذي قد يدفع بالمنطقة بأسرها نحو حريق شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته، مما يتطلب تحركًا عاجلاً من مجلس الأمن الدولي لنزع فتيل الأزمة قبل فوات الأوان وضياع فرص السلام.

تابع موقع تحيا مصر علي