خسارة ألمانيا في مجلس الأمن: حدود النفوذ الألماني وتحولات النظام الدولي
تمثل خسارة ألمانيا في انتخابات العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن للفترة 2027-2028 انتكاسة دبلوماسية كبرى لحكومة المستشار فريدريش ميرتس، ليس فقط لأنها أخفقت في الحصول على مقعد كانت تعتبره شبه مضمون، وإنما لأنها كشفت أيضاً عن تراجع قدرة ألمانيا على تحويل ثقلها الاقتصادي والمالي إلى نفوذ سياسي مؤثر داخل الأمم المتحدة. وتكتسب هذه النتيجة دلالة خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن ألمانيا تعد ثاني أكبر مساهم مالي في المنظمة الدولية بعد الولايات المتحدة، وأنها لطالما قدمت نفسها باعتبارها أحد أبرز المدافعين عن الدبلوماسية متعددة الأطراف والنظام الدولي القائم على القواعد، فضلاً عن نجاحها في جميع محاولاتها السابقة للحصول على مقعد غير دائم في المجلس.
ولا تقتصر أهمية هذه الخسارة على بعدها الانتخابي المباشر، بل تتجاوز ذلك لتسلط الضوء على التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. فالعالم لم يعد يُدار وفق المعادلات التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية، حين كان النفوذ الاقتصادي للدول الغربية كفيلاً بضمان حضورها وتأثيرها داخل المؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات وتحليلات عديدة إلى أن الموقف الألماني من الحرب في غزة كان من بين العوامل التي أضعفت فرص برلين في الانتخابات. فقد تعرضت ألمانيا لانتقادات واسعة بسبب استمرار دعمها السياسي غير المشروط لإسرائيل، وتأخرها في مراجعة أو تقييد صادراتها العسكرية إليها رغم تصاعد الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية والمجازر التي اقترفها الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين في القطاع. كما أثارت الإجراءات الأمنية القمعيه التي اتخذتها السلطات الألمانية تجاه التظاهرات المناهضة للحرب في غزة انتقادات واسعة، إضافة إلى موقف برلين المعارض إزاء الدعوات الأوروبية لمراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. وقد أسهمت هذه السياسات في إضعاف صورة ألمانيا لدى قطاعات مؤثرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، في ظل تصاعد المطالب الدولية بوقف الحرب وتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين.
كما أن الموقف الألماني من الحرب في أوكرانيا ربما أسهم هو الآخر في تقليص هامش التأييد الذي كانت برلين تتوقع الحصول عليه داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة. فمنذ اندلاع الحرب، تبنت ألمانيا سياسة داعمة بقوة لأوكرانيا سياسياً وعسكرياً ومالياً، واصطفت بشكل واضح ضمن الجهد الغربي الرامي إلى عزل روسيا وفرض عقوبات واسعة عليها. وبينما عزز هذا الموقف مكانة ألمانيا داخل المعسكر الغربي، فإنه لم يحظ بالقدر نفسه من التأييد لدى عدد كبير من الدول التي فضلت الحفاظ على مسافة من الصراع أو تبنت مقاربة أكثر توازناً تجاهه.
ومن ثم، لا يمكن النظر إلى خسارة ألمانيا باعتبارها مجرد نتيجة انتخابية عابرة، بل باعتبارها رسالة سياسية تعكس التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي. فهي تشير إلى تراجع قدرة القوى الغربية التقليدية على ضمان التأييد التلقائي داخل المؤسسات متعددة الأطراف، كما تؤكد أن قضايا مثل الحرب في غزة والحرب في أوكرانيا أصبحت عوامل مؤثرة في تشكيل التحالفات الدولية وفي إعادة تقييم أدوار القوى الكبرى. وفي هذا المعنى، فإن ما خسرته ألمانيا لا يقتصر على مقعد في مجلس الأمن، بل يمتد إلى اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع عالم يتجه بصورة متسارعة نحو تعددية أكبر في مراكز القوة والنفوذ والتأثير.
ولعل الدرس الأهم الذي تكشفه هذه النتيجة هو أن شرعية الدور الدولي لم تعد تُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو مقدار المساهمات المالية أو المكانة التاريخية للدول، وإنما بالقدرة على بناء الثقة والحفاظ على الاتساق بين المبادئ التي تعلنها والسياسات التي تنتهجها. فالإخفاق في الحصول علي مقعد مجلس الأمن يعد تعبيراً عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي تتراجع فيها فاعلية أدوات النفوذ التقليدية لصالح اعتبارات جديدة تتعلق بالمصداقية السياسية فالمكانة والنفوذ لم تعد تمنح بحكم القوة الاقتصادية وحدها، بل يُكتسب من خلال الشرعية السياسية والاخلاقيه والقدرة على تمثيل المصالح والتطلعات الأوسع للغالبية العظمي من اعضاء المجتمع الدولي.
السفير عمرو حلمي
تطبيق نبض