تضارب التصريحات يشعل الأجواء قبل توقيع اتفاق إيران المرتقب مع الولايات المتحدة
تداخلت خيوط الدبلوماسية ولغة السلاح في الشرق الأوسط، لتضع اتفاق إيران المرتقب على صفيح ساخن من التصريحات المتناقضة والتهديدات المتبادلة، حيث تترقب العواصم العالمية ما ستسفر عنه الساعات المقبلة في دولة أوروبية حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإبرام التفاهم، وسط موجة من التفاؤل الحذر خيمت على الأجواء السياسية، بعد حديث واشنطن عن قرب انتهاء العمليات العسكرية وبدء مرحلة جديدة من التهدئة الأمنية.
وحسب تقرير لموقع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، فقد سارعت طهران إلى نشر مسودة تفاهم مكونة من 14 نقطة عبر وسائل إعلامها الرسمية، تتضمن تفاصيل حساسة تشمل رفع القيود المفروضة على قطاع النفط، وسحب القوات الأميركية المحاصرة للمياه الإقليمية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام الملاحة الدولية، بالإضافة إلى الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة لوقف التصعيد العسكري على جبهات المنطقة المختلفة بما فيها الساحة اللبنانية.
لكن الرد الأميركي جاء سريعاً ومربكاً للمشهد الدبلوماسي، عندما خرج الرئيس دونالد ترامب عبر منصته تروث سوشيال ليشكك في النوايا الإيرانية، واصفاً البنود المسربة بأنها لا تمت للحقيقة بصلة ولا تعكس ما تم الاتفاق عليه كتابة بين الطرفين، واتهم المسؤولين هناك بالافتقار إلى النزاهة والتعامل بسوء نية، مما أعاد المفاوضات إلى مربع التجاذب السياسي، ورفع منسوب الغموض حول الصيغة النهائية للاتفاق المنتظر.
وفي المقابل، حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تهدئة الأجواء عبر منصة إكس، مؤكداً أن التوصل إلى التفاهم بات أقرب من أي وقت مضى، داعياً وسائل الإعلام المحلية والدولية إلى التوقف عن التكهنات، بينما نقلت وكالات الأنباء عن مسؤولين في إدارة ترمب تأكيدات صارمة بأن طهران لن تحصل على أصولها المالية المجمدة إلا بعد الالتزام الكامل والدقيق بتنفيذ كافة التعهدات المطلوبة منها.
دخلت باكستان على خط الأزمة كواسطة دولية مكثفة لتقريب وجهات النظر، حيث أعلن رئيس وزرائها شهباز شريف التوصل إلى النص النهائي لاتفاق السلام، مشيراً إلى أن بلاده تعمل وثيقاً مع الطرفين لوضع اللمسات الأخيرة، ومحذراً في الوقت ذاته من حملات تضليل إعلامية تقودها أطراف تسعى لتخريب الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن فرصة تحقيق الاستقرار الإقليمي أصبحت اليوم في أعلى مستوياتها التاريخية.
كواليس المسودة ومستقبل مضيق هرمز
أكدت وسائل الإعلام الرسمية في العاصمة طهران أن القيادة السياسية لم تحسم موقفها النهائي بعد، رغم تفاؤل واشنطن بإمكانية التوقيع خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالية، وأوضحت وكالة الأنباء الإيرانية إرنا أن الخطوط العريضة للنص ما زالت قيد الصياغة الإجرائية، مشددة على أن البلاد لن تتخلى عن إدارة مضيق هرمز، ولن تقبل بالعودة إلى الأوضاع التي سبقت التصعيد العسكري الأخير.
وكشفت وكالة مهر الإيرانية عن تفاصيل إضافية في المسودة المسربة، تشمل وقفاً فورياً ودائماً للأعمال العدائية في جميع الجبهات المشتعلة، ومنح مهلة زمنية تمتد لستين يوماً للتفاوض حول الملف النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الإدارة الأميركية، وتحديد مبلغ 24 مليار دولار من الأصول المجمدة ليتم الإفراج عن نصفها خلال فترة التفاوض والنصف الآخر بعد التوقيع النهائي.
وتصر الوكالات الرسمية على أن بلادها ستتمسك بكامل حقوقها النووية في أي مفاوضات مستقبلية، وخاصة ما يتعلق بحق تخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بالمواد المخصبة داخل المنشآت الوطنية، واعتبرت هذه النقاط خطوطاً حمراء لا يمكن التنازل عنها، مما يبرز حجم الفجوة الكبيرة بين تطلعات طهران وشروط واشنطن التي ترغب في تفكيك كامل للبرنامج النووي كشرط أساسي لنجاح الاتفاق.
وفي المقابل، شدد المسؤولون الأميركيون على أن أي تفاهم سيكون مشروطاً بالأداء والالتزام الفعلي على الأرض، وأوضحوا لوسائل الإعلام أن الاتفاق يتضمن تدمير وإزالة المواد النووية وتفكيك البنية التحتية للمفاعلات، بالإضافة إلى ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً بالكامل أمام السفن التجارية، والتوقف التام عن تمويل الجماعات المسلحة في المنطقة، مؤكدين أن التمويل مرتبط بالامتثال الكامل.
ودعمت وكالة الصحافة الفرنسية هذه الرواية بنقلها عن مصدر أمريكي رفيع، أن حكومة إيران وافقت مبدئياً على التخلص من اليورانيوم المخصب وتفكيك برنامجها، بينما تصر المصادر المحلية في طهران على أن المذكرة تلزم واشنطن بسحب قواتها ورفع القيود النفطية، مع استبعاد ملف الصواريخ الباليستية تماماً من أي نقاش سياسي، مما يظهر التباين الشديد في تفسير بنود الاتفاق.
التصعيد الميداني وحرب المسيرات البحرية
ولم تمنع التحركات الدبلوماسية المكثفة من استمرار الاحتكاكات العسكرية على الأرض، حيث أعلن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية أن القوات البحرية أسقطت طائرتين مسيرتين أُطلقتا باتجاه سفن تجارية في مضيق هرمز، ورغم الحادثة أكدت القيادة العسكرية أن حركة الملاحة الدولية في الممر المائي الاستراتيجي استمرت بشكل طبيعي دون توقف، مما يعكس حالة التوتر الأمني السائدة في المنطقة.
وكان الرئيس الأميركي قد أعلن في وقت سابق إلغاء ضربات عسكرية جوية وصاروخية كانت مقررة ضد أهداف إيرانية، مبرراً القرار بموافقة طهران على أعلى مستوى على بنود تفاهم أولي حظي بدعم إقليمي واسع من دول بارزة تشمل السعودية والإمارات وقطر وتركيا والبحرين والكويت ومصر والأردن، مع إبقاء الحصار البحري قائماً حتى الاستكمال النهائي للاتفاق.
وجاء هذا الإعلان المفاجئ بعد ساعات قليلة من تصعيد كلامي حاد، هدد فيه ترمب بشن ضربات قوية جداً والسيطرة على جزيرة خرج التي تعد المركز الرئيسي لصادرات النفط، لكن وكالة فارس التابعة للحرس الثوري سارعت بنفي هذه الرواية، مؤكدة على لسان مصدر مفاوض أن البلاد لم توافق بعد على أي نص نهائي يتعلق بمذكرة التفاهم المشتركة.
وتعكس هذه التطورات الميدانية حجم الانقسام، خاصة بعد أن تبادل الطرفان الضربات العسكرية العنيفة، حيث استهدفت القوات الأميركية مواقع مراقبة واتصالات ودفاعات جوية، بينما رد الحرس الثوري بمهاجمة أهداف أميركية في عدة دول إقليمية، وسط تحذيرات من قائد العمليات علي عبد اللهي بأن أي هجوم جديد سيؤدي لتوسيع دائرة الحرب وتهديد أمن الطاقة العالمي.
وفي ذات السياق، حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف واشنطن من الانزلاق في مستنقع لا نهاية له، معتبراً أن التهديدات الأميركية لن تثني بلاده عن حماية سيادتها ومصالحها الاستراتيجية، ومؤكداً أن القوات المسلحة في حالة تأهب قصوى للرد على أي حماقة عسكرية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والدبلوماسي ويضع الاتفاق المحتمل في مهب الريح.
أبعاد الأزمة والوساطة الدولية الراهنة
وتعيد هذه الأحداث المتسارعة إلى الأذهان جذور الصراع الطويل بين الطرفين، والذي شهد في فترات سابقة اعتقال مذيعات وشخصيات إعلامية بارزة بتهم التجسس والتعاون مع جهات خارجية، حيث تستغل وسائل الإعلام هذه الخلفيات التاريخية لتسليط الضوء على أزمة الثقة العميقة المستمرة منذ عقود، والتي تحاول الوساطة الباكستانية الحالية تفكيكها عبر صياغة بنود مقبولة للطرفين.
وتبذل العاصمة إسلام آباد جهوداً مضنية لإقناع الإدارة الأميركية بتقديم تنازلات تتعلق بجدولة رفع العقوبات الاقتصادية، وتسهيل تدفق الأموال المجمدة إلى البنك المركزي، في مقابل الحصول على ضمانات أمنية مكتومة تتعلق بسلامة الملاحة في الخليج، ووقف الدعم العسكري لبعض الفصائل الإقليمية، وهي شروط تراها واشنطن أساسية لتحقيق أي سلام مستدام في منطقة الشرق الأوسط.
وتترقب الأوساط الاقتصادية العالمية نتائج هذه المفاوضات الشاقة بكثير من القلق، نظراً للتأثير المباشر لأسعار النفط وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث يؤدي استمرار التوتر إلى قفزات قياسية في أسعار الوقود، بينما يسهم الإعلان عن قرب توقيع الاتفاق في تهدئة الأسواق المالية وضمان استقرار خطوط الشحن البحري الدولية بين الشرق والغرب.
ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الدبلوماسية على الصمود أمام نار التصريحات المتبادلة والاشتباكات الميدانية المتقطعة، وفي ظل تمسك كل طرف بروايته الخاصة حول تفاصيل مسودة التفاهم، فإن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار المنطقة، إما نحو اتفاق سلام تاريخي ينهي عقوداً من العداء، أو نحو انفجار عسكري شامل لا يمكن التنبؤ بنتائجه.
تطبيق نبض
