د.ثروت إمبابي يكتب: حماية صناعة الدواجن والبيض.. من إدارة الأزمة إلى صناعة الثقة
لا يمكن النظر إلى صناعة الدواجن وإنتاج البيض في مصر باعتبارها مجرد نشاط اقتصادي أو قطاع إنتاجي تقليدي، فهي إحدى الدعائم الرئيسية للأمن الغذائي الوطني، والمصدر الأكثر قدرة على توفير البروتين الحيواني لشرائح واسعة من المواطنين بأسعار تنافسية مقارنة بغيرها من المصادر الغذائية. ولذلك فإن أي تراجع في معدلات استهلاك الدواجن أو البيض لا يمثل مشكلة تخص المنتجين وحدهم، بل قضية تمس الاقتصاد والغذاء والاستقرار الاجتماعي في آن واحد.
وخلال الفترة الأخيرة ظهرت مؤشرات على عزوف بعض المستهلكين عن شراء الدواجن أو تقليل استهلاكها نتيجة الشائعات المتكررة حول الأمراض الوبائية، أو بسبب تداول معلومات غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أدى إلى حالة من القلق انعكست على السوق بشكل مباشر. والمشكلة الحقيقية هنا ليست في وجود المرض أو عدمه، وإنما في سرعة انتشار الخوف مقارنة بسرعة وصول المعلومة العلمية الصحيحة إلى المواطن.
لقد اعتادت القطاعات الإنتاجية مواجهة مثل هذه الأزمات من خلال خفض الأسعار أو تقديم حملات دعائية تقليدية، لكن الواقع يؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب حلولاً أكثر جرأة وابتكاراً. فالمستهلك المعاصر لا يبحث فقط عن المنتج الجيد، بل يريد أن يعرف قصته كاملة. من أين جاء؟ وكيف تمت تربيته؟ وما الإجراءات الصحية التي مر بها قبل وصوله إلى مائدته؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء منظومة رقمية تمنح كل عبوة دواجن أو بيض هوية إلكترونية خاصة بها، بحيث يستطيع المستهلك عبر هاتفه المحمول الاطلاع على بيانات الإنتاج والفحوصات البيطرية ومصدر المنتج. إن تحويل الشفافية إلى جزء من المنتج نفسه سيكون خطوة فارقة في استعادة الثقة.
كما أن الوقت قد حان للانتقال من مفهوم الرقابة التقليدية إلى مفهوم “الثقة القابلة للقياس”، من خلال إطلاق مؤشر وطني معلن لتقييم المزارع ومنشآت الإنتاج وفق معايير الجودة والأمان الحيوي والاستدامة. وعندما يصبح لكل مزرعة أو شركة تصنيف واضح ومعلن، فإن المستهلك سيشعر بأنه يشتري منتجاً يحمل شهادة ثقة وليس مجرد سلعة غذائية.
ومن الأفكار التي يمكن أن تغير شكل الصناعة بالكامل إنشاء منصة ذكية لرصد الشائعات الغذائية لحظة ظهورها، تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل المحتوى الرقمي، بحيث يتم اكتشاف المعلومات المضللة والرد عليها فوراً من خلال خبراء الجامعات والهيئات البيطرية والجهات الرقابية. فالعديد من الأزمات التي تعرضت لها الصناعة خلال السنوات الماضية لم تكن نتيجة مشكلات إنتاجية حقيقية بقدر ما كانت نتيجة فجوة معلوماتية استغلتها الشائعات.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إعادة تقديم الدواجن والبيض للمستهلك باعتبارهما منتجات صحية متكاملة وليسا مجرد بدائل منخفضة التكلفة للحوم الحمراء. فالعالم يتجه اليوم نحو الأغذية الوظيفية ذات القيمة الصحية المرتفعة، ويمكن لمصر أن تكون من أوائل الدول التي تتوسع في إنتاج الدواجن المدعمة بالعناصر الغذائية المفيدة أو البيض الغني بالأوميجا 3 والفيتامينات والعناصر الدقيقة. وبدلاً من المنافسة على السعر فقط، تصبح المنافسة على القيمة الغذائية وجودة الحياة.
أما في أوقات انخفاض الطلب، فلا ينبغي أن يتحول الفائض الإنتاجي إلى خسائر يتحملها المربون. ويمكن هنا التفكير في إنشاء ما يشبه “بنك البروتين الوطني”، وهو كيان يتولى شراء الفائض من الدواجن والبيض وتحويله إلى مخزون استراتيجي أو منتجات مصنعة ذات عمر تخزيني طويل، مثل مسحوق البيض والمنتجات الجاهزة والمجمدة، ليعاد ضخها في الأسواق أو استخدامها في برامج التغذية المجتمعية عند الحاجة. هذه الفكرة لا تحمي المنتجين فقط، بل تساهم أيضاً في استقرار الأسعار وتقليل التقلبات السوقية.
ومن الحلول غير التقليدية أيضاً ربط صناعة الدواجن والبيض بالمدارس والجامعات والمستشفيات وبرامج الحماية الاجتماعية، بحيث تصبح هذه المنتجات جزءاً أساسياً من خطط التغذية الوطنية. فكل بيضة تصل إلى طفل في مدرسة أو مريض في مستشفى ليست مجرد وجبة غذائية، بل استثمار مباشر في صحة الإنسان ومستقبل المجتمع.
كما يمكن استغلال التطور التكنولوجي في إنشاء تطبيق وطني يربط المنتج بالمستهلك مباشرة، يتيح تقييم المنتجات والإبلاغ عن المخالفات ومعرفة مصادر الإنتاج والحصول على استشارات غذائية وصحية. وعندما يشعر المواطن بأنه شريك في منظومة الرقابة وليس مجرد مستهلك، تزداد ثقته في المنتج الوطني بشكل كبير.
ولا ينبغي أن يقتصر التفكير على السوق المحلية فقط، فمصر تمتلك مقومات تؤهلها لأن تصبح مركزاً إقليمياً لإنتاج وتصدير الدواجن والبيض ومنتجاتهما. ولذلك فإن فتح أسواق جديدة في إفريقيا والدول العربية يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية طويلة المدى، خاصة مع ما تمتلكه الدولة من خبرات وإمكانات إنتاجية متطورة.
ومن وجهة نظري، فإن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بقطاع الدواجن والبيض، بل تعكس حاجة ملحة إلى بناء جسر من الثقة بين المنتج والمستهلك يعتمد على العلم والشفافية والمعلومات الدقيقة. وأرى أن مستقبل هذه الصناعة لن يتحدد بحجم الإنتاج أو عدد المزارع فقط، وإنما بقدرتها على مواكبة التحول الرقمي وتطوير أدوات التواصل مع المجتمع. كما أؤمن بأن الجامعات ومراكز البحوث يجب أن تلعب دوراً أكبر في تقديم حلول تطبيقية للمشكلات التي تواجه المربين، وأن تتحول نتائج الأبحاث العلمية إلى مشروعات وبرامج تنفيذية تدعم الصناعة على أرض الواقع.
وفي تقديري، فإن مصر تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواجن والبيض، بل للتحول إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصنيع والتصدير، شريطة أن ننتقل من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة استباق الأزمات وبناء الثقة قبل حدوثها.
وفي النهاية، تبقى صناعة الدواجن وإنتاج البيض واحدة من أهم ركائز الأمن الغذائي المصري، وحمايتها ليست مسؤولية المنتجين وحدهم، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات والإعلام والمستهلك نفسه. فكلما نجحنا في نشر الوعي العلمي وتعزيز الشفافية وتشجيع الابتكار، أصبح هذا القطاع أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو والتنمية. إن الاستثمار في هذه الصناعة ليس استثماراً في منتج غذائي فحسب، بل استثمار في صحة المواطن واستقرار المجتمع ومستقبل الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
تطبيق نبض