تنظيم سوق المحمول في مصر.. صناعة محلية بدل الاستيراد و75% من المستهلكين في الفئة الاقتصادية
في وقت تحوّل فيه الهاتف المحمول من مجرد وسيلة اتصال إلى شريان يومي للحياة، تعيد الدولة المصرية رسم خريطة هذا السوق الحيوي. قرارات تبدو للبعض مفاجئة، لكنها في الحقيقة جزء من مسار أطول يستهدف نقل مصر من خانة الاستهلاك إلى بوابة التصنيع والتصدير، مع الحفاظ على قدرة المواطن الشرائية.
حوكمة الهواتف.. قرار محسوب وليس مفاجئًا
أكد المهندس محمد إبراهيم، المتحدث باسم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أن إلغاء الإعفاءات الجمركية على الهواتف المحمولة الواردة من الخارج جاء ضمن خطة واضحة بدأت منذ العام الماضي مع تطبيق منظومة حوكمة الهاتف المحمول. وأوضح أن القرار لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة دراسة مستفيضة لأوضاع السوق المحلي وحجمه المتنامي، خاصة في ظل الاستهلاك السنوي الكبير للأجهزة.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة لا يتعلق بزيادة الأعباء أو تحصيل الضرائب، وإنما بتنظيم السوق ومنع التشوهات التي كانت تؤثر سلبًا على الصناعة المحلية، فضلًا عن ضبط عمليات الاستيراد غير الرسمية التي كلفت الدولة مليارات الدولارات سنويًا.
من الاستهلاك إلى التصنيع.. فلسفة الدولة الجديدة
أوضح المتحدث الرسمي أن السوق المصري يستهلك نحو 20 مليون هاتف سنويًا، كانت تُستورد في السابق من الخارج بتكلفة تقارب 2 مليار دولار. هذا الواقع دفع الدولة إلى تبني استراتيجية واضحة تهدف إلى توطين صناعة الهواتف المحمولة ونقل التكنولوجيا العالمية إلى الداخل.
وأضاف أن مصر باتت تمتلك اليوم بنية تعليمية قوية، تشمل مدارس وجامعات تكنولوجية، إلى جانب كوادر شبابية مؤهلة قادرة على استيعاب هذه الصناعة المتقدمة. وفي هذا السياق، طلبت الشركات العالمية العاملة في مجال تصنيع الهواتف توفير ما يعرف بـ«فترة الحماية» في بداية التصنيع، وهو إجراء معمول به عالميًا، يتيح للمصانع الجديدة الوصول إلى حجم إنتاج كبير يمكنها من المنافسة داخليًا وخارجيًا.
أرقام السوق.. 15 علامة تجارية و10 ملايين جهاز محلي
كشف إبراهيم عن وجود 15 علامة تجارية عالمية بدأت بالفعل التصنيع داخل مصر، وتغطي حاليًا نحو 92% من حجم استهلاك السوق المحلي. وخلال العام الماضي وحده، تم إنتاج أكثر من 10 ملايين جهاز «صنع في مصر» وطرحها للبيع داخل السوق، في خطوة تعكس تطور القدرات الإنتاجية الوطنية.
وأكد أن الطاقة الإنتاجية الحالية للمصانع المصرية قادرة على تلبية احتياجات السوق بالكامل، بل والاتجاه نحو التصدير خلال الفترات المقبلة.
وشدد على أن أكثر من 75% من المصريين يستهلكون هواتف تقل أسعارها عن 10 آلاف جنيه، ما يعني أن الفئة الاقتصادية هي المحرك الأساسي للسوق. ولو كان الهدف تحصيل أموال فقط، بحسب تعبيره، لما تم الاستثمار في إنشاء المصانع، وكان من الأسهل الاعتماد على الجمارك والضرائب.
واختتم المتحدث تصريحاته بالتأكيد على أن الهاتف المُصنّع محليًا لا يختلف في الجودة أو التكنولوجيا عن نظيره المستورد، فهو من نفس الشركات العالمية، لكن بفارق أنه يُنتج داخل مصر، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل ويعزز مكانة البلاد الصناعية.