عاجل
الأربعاء 14 يناير 2026 الموافق 25 رجب 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

إيران عند مفترق طرق: من الصلابة المفقودة إلى الفوضى المحتملة

تحيا مصر

تتجه أنظار العالم إلى إيران بوصفها واحدة من أخطر التحديات في معادلة الشرق الأوسط المضطرب، إذ تواجه البلاد لحظة اختبار تاريخية تتقاطع فيها أزمات الشرعية، وسخط الداخل، وضغوط الخارج. والسؤال لم يعد ما إذا كان النظام الإيراني يواجه أزمة، بل إلى أي مدى بات قادرًا على إدارتها قبل أن تتحول هذه الأزمات إلى تهديد وجودي لبنيته الأساسية وما إذا كان سيُحدث انهيار النظام فجوة لا يمكن تداركها على مستوى الاستقرار الإقليمي

فإيران اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم، فالنظام فقد جزءًا كبيرًا من الصلابة التي كانت تمكنه من فرض السيطرة الداخلية وإعادة إنتاج سلطته بلا صدام، والمنطقة، التي اعتادت التعامل مع إيران كمصدر قلق مزمن، قد تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا إذا ما انهار هذا النظام دون وجود بديل واضح قادر على ملء الفراغ ، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في نهاية النظام، بل في الطريقة التي ستحدث بها هذه النهاية، وما ستتركه من آثار عميقة على توازنات إقليم هش لا يحتمل فوضى جديدة، ويحتاج إلى إعادة ترتيب عقلانية لقواعد الصراع والنفوذ.

فسقوط النظام لا يعني بالضرورة تحولًا نحو الاستقرار أو الديمقراطية، فغياب قيادة بديلة قوية قد يفتح الباب لفوضى ممتدة، تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة بأكملها، فإيران ليست دولة هامشية يمكن أن يمر تحولها دون ارتدادات عميقة؛ فأي انهيار غير منظم للسلطة المركزية يحمل في طياته مخاطر انفجار تناقضات إثنية، خصوصًا بين الأقليات الإيرانية مثل الأكراد والأذريين والبلوش والعرب بالإضافة إلى أقليات دينية مثل المسيحيين، الزرادشتيين، والبهائيين، مع تهديد لهوياتهم الثقافية وحقوقهم اللغوية، إضافة إلى صراعات محتملة بين مراكز القوة المسلحة، بما قد يحول إيران من دولة إقليمية محورية إلى بؤرة فوضى ممتدة تتجاوز حدودها الجغرافية.

ففي حال انهيار النظام، ستتأثر بعض دول المنطقه، خاصه العراق ولبنان وحتي اليمن، بما قد يفتح المجال لصراعات محلية على النفوذ، إذ قد تنشط الميليشيات والمجموعات المسلحة التابعة لإيران لمحاولة تثبيت مواقعها، ما قد يضاعف الفوضى ويزيد احتمالات المواجهات الداخلية، كما ستتأثر أسواق الطاقة العالمية بشكل مباشر، نظرًا لأهمية إيران كمصدر رئيسي للنفط والغاز، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط الاقتصادية على المنطقة والعالم.

ومن المهم أيضًا إدراك أن أي تدخل خارجي، سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل، قد يحمل نتائج عكسية؛ إذ يمكن للنظام أن يستثمر هذا التدخل لتعزيز موقفه داخليًا، وتصوير نفسه كضحية للضغوط الأجنبية، ما يزيد من تماسك أذرعه الأمنية ويعيد إنتاج شرعية قائمة على مقاومة “التهديد الخارجي”، بدل أن يؤدي إلى انهياره.

ومع ذلك، فإن المعارضة الإيرانية في الخارج، رغم نشاطها السياسي والدعائي، تعاني من عدم التجانس واختلاف الأهداف والأيديولوجيات، ما يجعل الاعتماد عليها وحدها لحل الأزمة محفوفًا بالمخاطر، لذلك، لا يكفي انتظار التحولات الداخلية أو الاعتماد على المعارضة الخارجية، بل يتطلب الأمر تبني سياسات منظمة وحكيمة تعتمد على دعم قيادة واعية ضمن النخبة الحاكمة من داخل النظام نفسه، فقد تكون هي وحدها القادرة على ضبط التوازنات الداخلية، وإشراك جميع المكونات الإثنية في عملية صنع القرار، مع حماية حقوقهم الثقافية ولغاتهم، وتقليل حدة التوترات الداخلية.

فهذه النخبة من الداخل قد تكون القادره علي توجيه البلاد بعيدًا عن الانزلاق نحو فوضى ممتدة، وتحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة بطريقة أكثر استدامة واستقرارًا، فدعم هذا النهج المنظم لا يضمن فقط تفادي الفوضى، بل يضع الأساس لإيران أكثر توازنًا، قادرًا على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية دون انهيار كارثي، ويحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة بطريقة أكثر استدامة واستقرارًا.

 

السفير عمرو حلمي

تابع موقع تحيا مصر علي