خبيرة لـ تحيا مصر: الرقمنة تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر
في مشهد اقتصادي يشهد تحولات جذرية، تدخل مصر اليوم عصر المنصات الذكية والتحول الرقمي، لتعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر، ولم تعد الحوافز المالية وحدها كافية لجذب الاستثمارات، بل أصبح السرعة، الوضوح، وكفاءة الإجراءات المؤسسية عوامل حاسمة تحدد نجاح أي مشروع.
تصبح الدولة شريكًا حقيقيًا للمستثمر
وتوضح الخبيرة المصرفية، الدكتورة شيماء وجيه، لـ تحيا مصر ، أن التحول الرقمي في منظومة الاستثمار لا يمثل مجرد أتمتة إجرائية، بل خطوة استراتيجية لإطلاق اقتصاد أكثر شفافية وتنافسية، حيث تصبح الدولة شريكًا حقيقيًا للمستثمر، وليس مجرد جهة رقابية.
تحسين مناخ الاستثمار في مصر لم يعد مرتبطًا بالحوافز المالية التقليدية فقط
قالت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن تحسين مناخ الاستثمار في مصر لم يعد مرتبطًا بالحوافز المالية التقليدية فقط، بل أصبح مرهونًا بشكل مباشر بكفاءة المنظومة المؤسسية وسرعة الإجراءات ووضوح رحلة المستثمر منذ لحظة اتخاذ القرار وحتى بدء التشغيل الفعلي.
التوسع في التحول الرقمي للخدمات الاستثمارية يمثل نقلة نوعية
وأوضحت أن التوسع في التحول الرقمي للخدمات الاستثمارية يمثل نقلة نوعية في فلسفة إدارة الاستثمار، تنقل الدولة من منطق تعدد الجهات إلى مفهوم “النافذة الواحدة الذكية”.
وأكدت وجيه أن إطلاق منصات رقمية تضم مئات التراخيص، إلى جانب تطوير منصة شاملة للكيانات الاقتصادية تغطي مختلف مراحل رحلة المستثمر، يعكس توجهاً استراتيجياً واضحاً يستهدف تقليل الاحتكاك البيروقراطي، وخفض تكلفة الوقت، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري في سباق جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
الرقمنة… إصلاح مؤسسي قبل أن تكون أداة تقنية
وأشارت الخبيرة المصرفية إلى أن التحول الرقمي الجاري لا يقتصر على أتمتة الإجراءات، بل يحمل بعدًا مؤسسيًا أعمق يتمثل في إعادة تشكيل العلاقة بين المستثمر والدولة. فالمنصات الرقمية، بحسب قولها، لا تختصر الزمن فحسب، بل تقلل من عدم اليقين، وتحد من التداخل بين الجهات، وتخلق بيئة أكثر شفافية في ما يتعلق بالحصول على التراخيص وسداد الرسوم.
وأضافت أن هذا التحول ينعكس اقتصاديًا في خفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتحسين ترتيب مصر في مؤشرات سهولة الاستثمار، وتقليل المخاطر غير المحسوبة التي غالبًا ما تنفر المستثمر طويل الأجل، لا سيما في القطاعات الإنتاجية والصناعية.
منصة التراخيص… من التعقيد إلى الوضوح
ولفتت الدكتورة شيماء وجيه إلى أن تجميع ما يقرب من 389 ترخيصًا في منصة رقمية واحدة يمثل خطوة جوهرية نحو تبسيط المشهد التنظيمي. فبدلًا من التعامل مع مسارات متشعبة ومعقدة، يحصل المستثمر على رؤية واضحة ومتكاملة لمسار مشروعه، الأمر الذي يسرّع قرارات الاستثمار، ويقلل الاعتماد على الوسطاء، ويدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تتأثر بشكل أكبر بتعقيد الإجراءات.
وأوضحت أن هذا التطور يكتسب أهمية خاصة في القطاعات الصناعية، حيث يشكل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في حسابات الجدوى الاقتصادية واتخاذ القرار الاستثماري.
رحلة المستثمر الكاملة… تحول في فلسفة الإدارة
وأكدت وجيه أن تطوير منصة الكيانات الاقتصادية لتغطي رحلة المستثمر من التأسيس وحتى سداد الرسوم يعكس انتقال الدولة من إدارة جزئية للإجراءات إلى إدارة متكاملة لدورة حياة الاستثمار. وبيّنت أن هذا النموذج، المطبق في الاقتصادات الأكثر جذبًا للاستثمار، يحقق توحيد البيانات، وتقليل ازدواجية الطلبات، ورفع كفاءة المتابعة والرقابة، والأهم أنه يخلق مناخًا يشعر فيه المستثمر بأن الدولة شريك في النجاح لا مجرد جهة رقابية.
العدالة الاستثمارية وتكافؤ الفرص
وشددت الخبيرة المصرفية على أن التأكيد على معاملة المستثمر المحلي بذات معايير الرعاية التي يحصل عليها المستثمر الأجنبي يحمل دلالة اقتصادية بالغة الأهمية، معتبرة أن الاستثمار المحلي يمثل العمود الفقري للاستدامة الاقتصادية، لارتباطه الوثيق بسلاسل التوريد والتشغيل، في حين يسهم الاستثمار الأجنبي في خلق بيئة متوازنة تتيح تكامل الطرفين داخل اقتصاد واحد.
توطين الخدمات وكسر مركزية الاستثمار
وأضافت وجيه أن توسيع نطاق الخدمات الاستثمارية خارج القاهرة، لا سيما في الصعيد وسيناء، يمثل تحولًا تنمويًا مهمًا، إذ كانت مركزية الخدمات أحد أكبر العوائق أمام جذب الاستثمارات للمناطق الحدودية وتعميق التنمية الإقليمية وتخفيف الضغط عن المدن الكبرى.
وأكدت أن التحول الرقمي أصبح أداة لتحقيق العدالة المكانية في الاستثمار، وليس مجرد رفاهية تقنية.
الرسوم وحماية الصناعة… معادلة دقيقة
وفيما يتعلق بالرسوم غير الضريبية، أوضحت الدكتورة شيماء وجيه أن إعادة تنظيمها ودمجها في منظومة رقمية موحدة يحد من الأعباء غير المرئية التي طالما اشتكى منها المستثمرون. وفي الوقت ذاته، فإن تشديد الرقابة على التهريب، واستخدام أدوات التجارة الدولية المتوافقة مع قواعد منظمة التجارة العالمية، يعزز حماية الصناعة المحلية دون الإضرار بالتنافسية.
واختتمت الخبيرة المصرفية حديثها بالتأكيد على أن ما تشهده منظومة الاستثمار في مصر اليوم ليس مجرد تحديث تقني، بل تحول هيكلي في طريقة إدارة الاقتصاد.
وأضافت أن الرقمنة، إذا اكتملت بصورة متكاملة، ستكون قادرة على تحويل مصر إلى سوق يعتمد بشكل أكبر على الكفاءة والسرعة والوضوح، مشددة على أن النجاح الحقيقي لهذه المنصات سيقاس بقدرتها على جذب استثمارات إنتاجية طويلة الأجل، ودعم التصنيع والتصدير، وتعزيز الثقة بين الدولة والمستثمر، لتصبح الرقمنة رافعة أساسية للنمو الاقتصادي المستدام.
تطبيق نبض
