موسكو وكابل.. فصل جديد من الاعتراف الدبلوماسي في أفغانستان
في مشهد تاريخي يعكس تحولاً جذرياً في خارطة التحالفات الدولية بآسيا الوسطى، استقبل الكرملين أمس الخميس الموافق، أول سفير رسمي يمثل سلطات الأمر الواقع في أفغانستان.
تسلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوراق اعتماد السفير "مولوي كل حسن حسن" بصفته مبعوثاً فوق العادة للإمارة الإسلامية، لتدشن هذه الخطوة مرحلة غير مسبوقة من الشرعية الدبلوماسية التي تكتسبها حكومة كابل من قوة عظمى بحجم روسيا، مما يكسر طوق العزلة الدولية المفروض على البلاد منذ سنوات، ويؤكد رغبة موسكو في لعب دور المحور الاستراتيجي الضامن للاستقرار في المنطقة عبر مأسسة علاقاتها مع القوى الفاعلة على الأرض، في ظل واقع سياسي جديد يفرض نفسه على المجتمع الدولي وتوازناته المعقدة.
دلالات الاعتراف وتوقيت التحول الاستراتيجي
تأتي مراسم تسليم أوراق الاعتماد في قاعة ألكسندر التاريخية بقصر الكرملين الكبير لتتوج مساراً طويلاً من التقارب الذي بدأ فعلياً منذ عام 2024، عندما قررت روسيا رفع اسم حركة طالبان من قوائم الإرهاب والاعتراف بسلطتها كحكومة شرعية قادرة على إدارة شؤون أفغانستان، وتبرز أهمية هذا التوقيت في كونه يعكس ثقة موسكو في قدرة الإدارة الحالية في كابل على الوفاء بالتزاماتها الأمنية، خاصة فيما يتعلق بمكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود مثل "داعش خراسان"، وهو الملف الذي يشكل هاجساً أمنياً مشتركاً للبلدين، حيث ترى روسيا أن التعاون الدبلوماسي الكامل هو المدخل الوحيد والضروري لتأمين حدودها الجنوبية وضمان عدم تحول الأراضي الأفغانية إلى منطلق لتهديدات أمنية تستهدف حلفاءها في آسيا الوسطى.
آفاق التعاون الاقتصادي والمصرفي الواعد
على الصعيد الاقتصادي، يفتح هذا التمثيل الدبلوماسي الرفيع الأبواب أمام مشاريع استراتيجية ضخمة كانت معطلة بسبب غياب الإطار القانوني للعلاقات، إذ تشير التقارير إلى وجود مفاوضات متقدمة تهدف إلى ربط أفغانستان بالنظام المصرفي الروسي "مير" كبديل لأنظمة الدفع الدولية التي تخضع للعقوبات الغربية، مما سيسهل حركة التبادل التجاري التي تشمل واردات القمح والوقود والغاز الروسي بأسعار تفضيلية، كما تتطلع كابل إلى استثمارات روسية نوعية في قطاع التعدين الغني بالموارد الطبيعية غير المستغلة، وتعتبر هذه الشراكة بمثابة طوق نجاة للاقتصاد المحلي الذي يسعى لتجاوز تداعيات تجميد الأصول الدولية، عبر بناء جسور اقتصادية متينة مع القوى الإقليمية التي أبدت "شجاعة سياسية" في التعامل مع الواقع الجديد.
تأثير الخطوة الروسية على المشهد الدولي
لا شك أن اعتماد سفير تابع لحكومة طالبان في موسكو سيضع العواصم الغربية أمام تساؤلات صعبة حول جدوى الاستمرار في سياسة المقاطعة، خاصة وأن روسيا باتت تشكل نموذجاً لدول أخرى قد تحذو حذوها في ترقية تمثيلها الدبلوماسي مع أفغانستان إلى مستوى السفراء، فالمشهد في الكرملين لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل هو رسالة واضحة بأن سياسة "الأمر الواقع" قد نجحت في فرض نفسها على الأجندة الدولية، وأن موسكو اختارت أن تكون القائد لهذا التحول الذي يهدف إلى دمج كابل في المنظومة الإقليمية بدلاً من تركها للفراغ الأمني والاقتصادي، مما يمهد الطريق لنشوء نظام إقليمي جديد تكون فيه المصالح المتبادلة هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية.
التحديات الراهنة ومستقبل السيادة الوطنية
ورغم هذا الزخم الدبلوماسي الكبير، تظل هناك تحديات جسيمة تواجه مسار التطبيع الكامل، حيث تؤكد موسكو أن تعزيز العلاقات مع أفغانستان لا يعني غض الطرف عن ضرورة تشكيل حكومة شاملة تراعي حقوق كافة الأطياف والمكونات المجتمعية، إلا أن الاعتراف الروسي الأخير يمنح حكومة كابل ورقة ضغط قوية في مفاوضاتها الدولية، ويؤكد على سيادتها الوطنية في مواجهة التدخلات الخارجية، ومع استلام السفير مهامه رسمياً، يبدأ فصل جديد من التفاعل الدبلوماسي الذي قد يغير قواعد اللعبة السياسية في القارة الآسيوية، ويجعل من كابل شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية
تطبيق نبض

