سد النهضة.. لماذا تلتزم أديس أبابا "الصمت الحذر" تجاه مبادرة ترامب؟
يثير الصمت الرسمي الإثيوبي حيال عرض الوساطة الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف سد النهضة، تساؤلات عديدة حول طبيعة الرد المرتقب من أديس أبابا.
وبينما سارعت القاهرة والخرطوم لإعلان ترحيبهما بالمبادرة، تبدو إثيوبيا في حالة "ارتباك دبلوماسي" ناتجة عن لغة الخطاب الأمريكي الجديدة التي أنهت حقبة الحياد بشأن أزمة سد النهضة، متبنيةً الرؤية المصرية القائمة على رفض السيطرة الأحادية على مياه النيل.
ويرى مراقبون أن أديس أبابا تجد نفسها اليوم أمام قواعد لعبة جيوسياسية متغيرة، وفي السطور التالية نستعرض أبعاد الموقف الإثيوبي والسيناريوهات المحتملة:
1. صدمة "تبني الرؤية المصرية"
جاءت رسالة ترامب محملة بمصطلحات وصفتها دوائر إثيوبية بأنها "انحياز صريح"، لا سيما تأكيده على ضرورة عدم انفراد أي دولة بالسيطرة على موارد النيل. وبحسب تقديرات الموقف، فإن إثيوبيا التي طالما تمسكت بمبدأ "السيادة المطلقة" لتبرير خطواتها الأحادية، تجد في المبادرة الأمريكية الجديدة "نسفاً" لهذا المبدأ، مما يجعل الرد الفوري بالقبول بمثابة "تنازل سيادي"، والرد بالرفض بمثابة "صدام مباشر" مع إدارة ترامب الصارمة.
2. معضلة "آلية الرصد والمراقبة"
وثمة من يرى أن العقبة الكبرى أمام القبول الإثيوبي تتمثل في اقتراح واشنطن وجود "دور أمريكي قوي في الرصد والتنسيق". وفي هذا السياق، يذهب محللون إلى أن أديس أبابا تخشى تحويل سد النهضة إلى "منشأة تحت الوصاية الدولية"، وهو ما قد يغل يدها عن اتخاذ قرارات مستقبلية تتعلق بسنوات الجفاف.
ويشكل هذا البند تحديداً مأزقاً للنخبة السياسية الإثيوبية التي روجت للسد كرمز للسيادة الوطنية الكاملة.
3. ضغوط الحلفاء والاستثمارات الإقليمية
وعلى صعيد متصل، تبرز دلالة إرسال ترامب نسخاً من رسالته إلى الرياض وأبوظبي؛ حيث تدرك أديس أبابا أن استمرار تدفق الاستثمارات والودائع الخليجية الحيوية لاقتصادها المنهك بات مرتبطاً بمدى تجاوبها مع مساعي السلام الإقليمية.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن إثيوبيا تجري الآن مشاورات "خلف الكواليس" لجس نبض حلفائها الإقليميين قبل المغامرة برفض العرض الأمريكي، خشية الوقوع في فخ "العزلة الدبلوماسية".
4. السيناريوهات المستقبلية: المناورة أم الحسم؟
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبرز أمام الحكومة الإثيوبية ثلاث مسارات محتملة:
السيناريو الأول: الترحيب "المشروط" بالوساطة، مع الإصرار على بقاء مظلة الاتحاد الإفريقي كمرجعية أساسية لإفراغ الدور الأمريكي من صبغته "التقريرية".
السيناريو الثاني: الاستمرار في سياسة "شراء الوقت" والمماطلة عبر طلب توضيحات فنية وتقنية حول "آلية الرصد" المقترحة.
السيناريو الثالث: الرضوخ للضغوط الدولية في حال لوحت واشنطن بعقوبات اقتصادية مماثلة لتلك التي شهدها عام 2020، والقبول باتفاق إطاري يضمن الحد الأدنى من مطالب دول المصب.
يبقى التساؤل المطروح هو مدى قدرة أديس أبابا على الصمود أمام "زخم 2026" الذي يجمع بين الحزم الأمريكي والاصطفاف العربي والريادة المصرية.
وتؤكد شواهد الموقف أن الصمت الإثيوبي الحالي ليس سوى "هدوء ما قبل العاصفة" الدبلوماسية، حيث لم يعد خيار "الأمر الواقع" كافياً لمواجهة إرادة دولية تسعى لفرض "العدالة المائية" في حوض النيل.
تطبيق نبض