عاجل
الثلاثاء 27 يناير 2026 الموافق 08 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

جمهورية بورتسودان.. تحديات بناء «الدولة البديلة» وسط حصار اقتصادي خانق

الحكومة السودانية
الحكومة السودانية

 

تعتبر مدينة بورتسودان اليوم المركز السياسي والإداري الأكثر حيوية في السودان، حيث تحولت بفعل التطورات الميدانية الأخيرة إلى عاصمة فعلية تستضيف ثقل مؤسسات الدولة ومجلس السيادة والبعثات الدبلوماسية، مما يجعلها نقطة الارتكاز الأولى في محاولات استعادة هيكل الدولة السودانية من قلب الساحل الشرقي. 
ومع دخول عام 2026، يواجه مشروع بناء "الدولة البديلة" في هذه المدينة الساحلية حزمة من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة، فبينما تحاول الحكومة تعزيز شرعيتها عبر إدارة الملفات السيادية من ولاية البحر الأحمر، يصطدم هذا الطموح بواقع اقتصادي مرير يتسم بانهيار العملة الوطنية، وتوقف سلاسل الإمداد، وتزايد الضغوط الدولية على الموارد المالية العامة. إن التحول التاريخي لمدينة بورتسودان من ميناء تجاري إلى مقر للحكم يعكس طبيعة الأزمة السودانية الراهنة، حيث تسعى السلطات الانتقالية لترسيخ نموذج إداري صامد قادر على مواجهة الحصار الاقتصادي الخانق، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات لملايين النازحين الذين اتخذوا من شرق البلاد ملاذاً آمناً، في ظل تقارير دولية تشير إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي وصعوبات بالغة في الوصول إلى التمويل الخارجي الضروري لإعادة الإعمار.

التحول السيادي والرمزية السياسية للعاصمة البديلة

يمثل انتقال ثقل الدولة إلى بورتسودان لحظة فارقة في التاريخ السياسي الحديث للسودان، حيث لم يعد الوجود الحكومي هناك مجرد إجراء أمني مؤقت، بل تحول إلى استراتيجية شاملة لإدارة البلاد بعيداً عن بؤر الصراع المباشر في العاصمة التقليدية. ووفقاً لتقارير إخبارية وتصريحات لمسؤولين في مجلس السيادة، فإن إدارة الملفات الخارجية واللقاءات الدبلوماسية مع المبعوثين الدوليين تجري بانتظام في المدينة، مما منحها اعترافاً دولياً كمركز للقرار الوطني. هذا التحول وضع على عاتق الإدارة المحلية والمركزية مهاماً جسيمة تتعلق بتحديث البنية التحتية لتستوعب هذا التضخم المفاجئ في المهام والموظفين، إلا أن الفجوة بين الطموح السياسي والقدرة اللوجستية لا تزال تشكل عائقاً كبيراً أمام بناء مؤسسات دولة مستدامة وقادرة على بسط سلطتها الإدارية بشكل فعال.

الحصار الاقتصادي وتحديات التمويل في ظل الحرب

تواجه مدينة بورتسودان ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة ناتجة عن تعطل الصادرات والواردات عبر المسارات البرية التقليدية، مما جعل الميناء الرئيسي هو الرئة الوحيدة التي يتنفس منها الاقتصاد السوداني المتهالك. وتشير بيانات رسمية صادرة عن وزارة المالية السودانية لعام 2025 و2026 إلى أن الموازنة العامة تعاني من عجز هائل، حيث انخفضت الإيرادات الضريبية والجمركية بنسب حادة، في وقت تزايدت فيه بنود الإنفاق العسكري والإنساني. 

إن الحصار الاقتصادي الذي يعاني منه السودان ليس نتاج عقوبات دولية مباشرة فحسب، بل هو حصار "واقعي" فرضته ظروف الحرب وتدمير المنشآت الصناعية في الخرطوم وولاية الجزيرة، مما جعل الحكومة في بورتسودان تعتمد بشكل شبه كامل على ما يوفره الميناء من رسوم وإيرادات، وهي موارد لا تكفي لسد حاجة الدولة المتزايدة للعملة الصعبة والسلع الأساسية.

الضغوط الديموجرافية وأزمة الخدمات في مدينة الميناء

لم تكن البنية التحتية في بورتسودان مهيأة لاستقبال مئات الآلاف من النازحين والآلاف من موظفي الدولة والبعثات الدولية، مما أدى إلى أزمة حادة في السكن والكهرباء والمياه. وتؤكد تقارير منظمات دولية أن المدينة شهدت ارتفاعاً جنونياً في تكاليف المعيشة وإيجارات العقارات، ما خلق توترات اجتماعية مكتومة وتحديات أمنية إضافية. 

إن محاولة بناء "دولة بديلة" تتطلب أكثر من مجرد نقل المكاتب والوزارات، فهي تحتاج إلى إصلاحات جذرية في قطاع الخدمات لضمان استقرار السكان الجدد والقدامى. وبالرغم من الجهود الحكومية لتفعيل المؤسسات الخدمية، إلا أن النقص الحاد في التمويل يحول دون تنفيذ مشاريع تنموية كبرى، مما يجعل من الاستقرار الاجتماعي في الولاية رهناً بقدرة السلطة على تحقيق توازن اقتصادي مفقود حتى الآن.

آفاق الملاحة الدولية ودور الميناء في السيادة الوطنية

يعد ميناء بورتسودان حجر الزاوية في أي محاولة لاستعادة عافية الدولة السودانية، حيث يمثل نقطة التقاطع بين الاقتصاد المحلي والتجارة العالمية. وفي ظل التنافس الإقليمي على موانئ البحر الأحمر، تسعى الحكومة السودانية للحفاظ على سيادتها الكاملة على هذا المرفق الحيوي ورفض أي أشكال من الوصاية الخارجية عليه. 

وتؤكد التحليلات السياسية المستندة إلى وكالات أنباء عالمية أن مستقبل السودان مرتبط بقدرة السلطة الحاكمة في المدينة على جذب استثمارات ذكية في الميناء وتطوير كفاءته التشغيلية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني. إن أي تهديد لأمن الميناء أو سلامة الطرق المؤدية إليه يعني الانهيار الكامل لما تبقى من هيكل الدولة، وهو ما يفسر التواجد العسكري والأمني المكثف في ولاية البحر الأحمر لحماية هذا الشريان الوجودي.

استراتيجيات التعافي ومستقبل السودان من المنظور الساحلي

تظل فرص نجاح نموذج "جمهورية بورتسودان" مرهونة بمدى قدرة القيادة السياسية على صياغة رؤية اقتصادية تتجاوز مرحلة إدارة الأزمات اليومية إلى مرحلة التأسيس لتعافي وطني شامل. إن الاعتماد على الموارد المحلية المحدودة في ظل غياب الدعم المالي الدولي الواسع يتطلب شفافية عالية في إدارة الموارد ومكافحة الفساد الإداري.
وبينما يراقب المجتمع الدولي التحولات الجارية في شرق السودان، يبقى الرهان على قدرة الشعب السوداني ومؤسساته على الصمود في وجه العواصف الاقتصادية والسياسية.

 إن بورتسودان ليست مجرد ملجأ مؤقت، بل أصبحت في الوعي السياسي الراهن مختبراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة السودانية على إعادة بناء نفسها من الصفر، متسلحة بموقعها الاستراتيجي وإرادة البقاء رغم كل المعوقات التي تفرضها الحرب والحصار.

تابع موقع تحيا مصر علي