اقتصاد الدولة المستثمرة.. دول الخليج تقود سباق الذكاء الاصطناعي لتقليل الارتهان بالنفط
سباق الذكاء الاصطناعي هو ما تشهده منطقة الشرق الأوسط بعد تحول هيكلي عميق يتجاوز مجرد تنويع مصادر الدخل التقليدية ليدخل في صلب الثورة الصناعية الرابعة حيث برز مفهوم اقتصاد الدولة المستثمرة كنموذج رائد تسعى من خلاله القوى الإقليمية الكبرى إلى صياغة مستقبلها بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة التقليدية.
ومن هنا نجد أن السعودية والإمارات وقطر قد انخرطت بكل قوتها في سباق الذكاء الاصطناعي الذي بات يمثل حجر الزاوية في استراتيجياتها الوطنية الطموحة لضمان السيادة التكنولوجية والنمو المستدام في القرن الحادي والعشرين.
ولا يقتصر هذا التوجه على مجرد اقتناء الأدوات البرمجية الحديثة بل يمتد ليشمل بناء بنية تحتية عملاقة وتطوير نماذج لغوية كبرى واستقطاب العقول العالمية من أجل تحويل المنطقة إلى مركز عصبي عالمي للابتكار الرقمي والتقنيات الفائقة وهو ما يؤكد أن رهان الدول الخليجية اليوم لم يعد ينصب على ما تحت الأرض من موارد طبيعية بقدر ما يركز على ما يمكن إنتاجه من خلال المعالجات الدقيقة والبيانات الضخمة والخوارزميات المتقدمة لتقليل الارتهان بالنفط بشكل نهائي.
الرؤية السعودية والسيادة الرقمية في الرياض
تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد العالمي من خلال رؤية ألفين وثلاثين التي جعلت من التقنيات المتقدمة ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي حيث تشير تقارير الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي سدايا إلى أن المملكة تهدف إلى جذب استثمارات تقدر بنحو عشرين مليار دولار في هذا القطاع بحلول عام ألفين وثلاثين.
ووفقاً لتصريحات رسمية من قيادات الهيئة فإن السعودية تسعى لتكون ضمن أفضل خمس عشرة دولة في العالم في هذا المجال من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل تدريب الكوادر الوطنية وإطلاق مبادرات ضخمة مثل مشروع آلات الذي أطلقه صندوق الاستثمارات العامة بهدف جعل المملكة مركزاً عالمياً للصناعات التقنية المتقدمة.
كما يؤكد خبراء في منتدى دافوس العالمي أن السعودية تمتلك ميزة تنافسية بفضل وفرة الطاقة الرخيصة والمساحات الشاسعة اللازمة لمراكز البيانات العملاقة مما يجعلها لاعباً لا يستهان به في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. وتؤكد دراسات صادرة عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم بنسبة تزيد عن اثني عشر بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بنهاية العقد الحالي وهو ما يمثل قفزة نوعية في مسار فك الارتباط التاريخي بأسعار الخام وتحويل الاقتصاد إلى منظومة معرفية رقمية بالكامل.
الريادة الإماراتية والتحول إلى عاصمة عالمية للابتكار
في الجانب الآخر من الخليج تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كأول دولة في العالم تعين وزيراً للذكاء الاصطناعي مما يعكس التزاماً سياسياً مبكراً واستراتيجياً بهذه التكنولوجيا حيث نجحت في إطلاق نموذج فالكون الذي طوره معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي والذي صنف كأحد أقوى النماذج اللغوية مفتوحة المصدر عالمياً. ووفقاً لموقع مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في أبوظبي فإن الإمارات لا تكتفي بالاستهلاك التكنولوجي بل تسعى لتصدير الحلول الذكية للعالم عبر استثمارات ضخمة تقودها شركة جي أربعين واثنان التي وقعت شراكات استراتيجية مع مايكروسوفت بمليارات الدولارات لتعزيز البنية التحتية السحابية.
ويشير تقرير لمؤسسة الاستشارات العالمية غارتنر إلى أن الإمارات تمكنت من بناء بيئة تشريعية مرنة جذبت كبرى شركات التكنولوجيا مما جعلها تحتل مراكز متقدمة في مؤشرات الجاهزية الحكومية للذكاء الاصطناعي. إن هذا التفوق الإماراتي في سباق الذكاء الاصطناعي يرتكز على رؤية تهدف إلى جعل الدولة مختبراً عالمياً مفتوحاً للتقنيات الناشئة بما يضمن استمرارية التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة وتوسيع قاعدة الاقتصاد غير النفطي ليشمل الصناعات الجوية والدفاعية والطبية القائمة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
الاستراتيجية القطرية وتوظيف التكنولوجيا في التنمية المستدامة
لا تبتعد قطر عن هذا المسار حيث تركز الدوحة على دمج التقنيات المتقدمة في قطاعات حيوية مثل الرياضة والتعليم والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية وذلك تماشياً مع رؤية قطر الوطنية ألفين وثلاثين. وبحسب تصريحات لمسؤولين في معهد قطر لبحوث الحوسبة فإن الدولة تستثمر بقوة في تطوير خوارزميات مخصصة لمعالجة اللغة العربية والتحليلات البيانية الضخمة التي تخدم قطاع الغاز الطبيعي المسال لزيادة كفاءة الإنتاج وتقليل الانبعاثات الكربونية.
وتوضح التحليلات الصادرة عن صندوق قطر للسيادة أن الاستثمارات القطرية في شركات التكنولوجيا العالمية الناشئة تهدف إلى نقل المعرفة وتوطين الخبرات الفنية داخل الدولة لضمان استدامة النمو. كما يرى خبراء اقتصاديون أن قطر تستغل نجاحها في تنظيم الفعاليات الكبرى لتعزيز مكانتها كوجهة رقمية آمنة ومتقدمة من خلال الاستثمار في الأمن السيبراني والأنظمة الذكية لإدارة المدن.
إن الانخراط القطري في سباق الذكاء الاصطناعي يمثل محاولة جادة لتنويع المحفظة الاستثمارية للدولة وضمان تفوقها التقني في منطقة تتنافس فيها القوى الاقتصادية على جذب رؤوس الأموال الذكية والشركات الناشئة المليارية.
التحديات الجيوسياسية وفرص التكامل الإقليمي
رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها دول الخليج إلا أن الطريق لا يخلو من تحديات تتعلق بالتنافس الدولي المحموم بين الولايات المتحدة والصين وتأثير ذلك على سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية والتقنيات الحساسة. وتؤكد تقارير من وكالة بلومبرغ أن دول الخليج تتبع سياسة توازن دقيقة لضمان الحصول على أفضل التقنيات من الشرق والغرب مع الحفاظ على مصالحها الوطنية وتحقيق الاستقلال التكنولوجي المنشود. ويشير محللون في معهد الشرق الأوسط بواشنطن إلى أن القدرة المالية الهائلة لصناديق الثروة السيادية الخليجية تمنح هذه الدول قدرة تفاوضية عالية في سباق الذكاء الاصطناعي مما يمكنها من فرض شروط تتعلق بنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية بدلاً من مجرد شراء المنتجات الجاهزة.
كما أن هناك فرصاً كبيرة للتكامل بين السعودية والإمارات وقطر في مجالات الربط الرقمي وتبادل البيانات الضخمة وتوحيد المعايير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي مما قد يخلق كتلة اقتصادية تكنولوجية قادرة على منافسة الأقطاب العالمية التقليدية وتقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية الناضبة من خلال خلق وظائف عالية القيمة في قطاعات البرمجية والابتكار.
مستقبل الرخاء في ظل اقتصاد الذكاء الاصطناعي
إن التحول نحو اقتصاد الدولة المستثمرة يعني أننا نشهد نهاية الحقبة التي كان فيها النفط هو المحرك الوحيد والأساسي للقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة حيث باتت البيانات هي النفط الجديد الذي تسعى دول الخليج لاستخراجه ومعالجته. وتؤكد الدراسات المستقبلية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الدول التي تنجح في السيطرة على أدوات الذكاء الاصطناعي ستكون هي القائدة للنظام العالمي الجديد في العقود القادمة. وفي هذا السياق يظهر بوضوح أن السعودية والإمارات وقطر قد اتخذت قراراً لا رجعة فيه بالمنافسة الشرسة في سباق الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة لتحسين الكفاءة الحكومية بل كاستراتيجية وجودية تضمن لها البقاء في طليعة الدول المتقدمة. إن الاستثمارات المليارية في مراكز البحوث والجامعات التقنية وشراكات التصنيع تؤكد أن الخليج يتطلع ليكون المبتكر والمصنع وليس فقط المستهلك وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى صياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد يعتمد على الإبداع البشري والقدرة التقنية كركائز أساسية للرخاء الوطني المستقبلي وتجاوز مفهوم الدولة الريعية نحو آفاق الدولة المبتكرة والمستثمرة في العقل البشري.
تطبيق نبض

