انتهازية أديس أبابا.. خلفيات الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع في السودان
الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع، يظهر في عمق الأدغال الكثيفة لإقليم "بني شنقول" الإثيوبي، حيث تترصّد جدران سد النهضة الخرسانية مياه النيل الأزرق، وحيث لم تعد أصوات الآلات والمعدات هي الوحيدة التي تُسمع؛ بل باتت أصوات الرصاص والتدريبات العسكرية تطغى على المشهد.
هنا، في هذا الموقع الاستراتيجي الحساس، تكشفت ملامح ما يصفه مراقبون بـ الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع، في تحول دراماتيكي للسياسة الخارجية لأديس أبابا، التي انتقلت من دور "الوسيط" إلى "الطرف" الخفي في النزاع السوداني، محولةً الأراضي الحدودية إلى معسكرات خلفية لإعادة صياغة موازين القوى في الخرطوم.
معسكرات الظل.. كواليس التدريب في "بني شنقول"
تشير تقارير ميدانية استقصائية، استناداً إلى شهادات سكان محليين في المناطق الحدودية وصور أقمار صناعية حللها خبراء عسكريون، إلى وجود نشاط مكثف لوحدات تابعة لمليشيا الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية. المعلومات المؤكدة تشير إلى أن إقليم "بني شنقول-قمز" بات يحتضن مراكز تدريب لوجستي وقتالي، حيث يتم تقديم الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع عبر تزويدهم بخبرات في حرب العصابات واستخدام الطائرات المسيرة (Drones).
هذا النشاط لم يعد مجرد تكهنات؛ ففي تقارير نشرتها وكالات أنباء مهتمة بالشأن الأفريقي، تم رصد تحركات لعناصر بزي قوات الدعم السريع في مدن إثيوبية حدودية، وسط تسهيلات من السلطات المحلية التابعة لإقليم الأمهرة ومن ثم الفيدرالية. الهدف من هذه المعسكرات هو خلق "عمق استراتيجي" للمليشيا يضمن لها الاستمرار في استنزاف الجيش السوداني، مع توفير خطوط إمداد بديلة بعيداً عن الرقابة الدولية.
سد النهضة: المحرك السري للعداء مع الجيش السوداني
لفهم أسباب الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع، يجب النظر إلى ما وراء الدخان في الخرطوم، وتحديداً نحو ملف مياه النيل. تنظر أديس أبابا إلى انتصار القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ككابوس جيوسياسي. فالجيش السوداني، في العقيدة الإثيوبية الحالية، ليس مجرد قوة وطنية، بل هو حليف استراتيجي لمصر في ملف سد النهضة.
التحالف العسكري (السوداني - المصري) الذي تجسد في مناورات "حماة النيل" وما تلاها من تنسيق دبلوماسي عالي المستوى، أقنع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأن بقاء السودان تحت سيطرة "جيش نظامي قوي" يعني استمرار الضغط المصري على خاصرة إثيوبيا المائية. من هنا، جاء قرار تقديم الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع كأداة لإضعاف الدولة المركزية في السودان، واستبدالها بكيان مليشياوي يدين بالفضل لأديس أبابا، ولا يملك أجندة "قومية" تجاه ملف المياه، مما يضمن لإثيوبيا الهيمنة المطلقة على تدفقات النيل دون معارضة من الخرطوم.
الاستقطاب الإقليمي.. السودان في كماشة الأجندات المتضاربة
تؤكد مصادر دبلوماسية رفيعة أن السياسة الإثيوبية تجاه السودان انتقلت من "الحياد الإيجابي" إلى "الانتهازية الصريحة"، فالتقارير الاستخباراتية تشير إلى أن إثيوبيا تستخدم ورقة اللاجئين والحدود كستار لتمرير الشحنات العسكرية. وتكشف منصات مثل "أفريكا كونفيدينشال" عن لقاءات سرية جرت في أديس أبابا بين قيادات من الدعم السريع ومسؤولين في جهاز المخابرات الإثيوبي (NISS).
في هذه الاجتماعات، تم الاتفاق على أن يوفر الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع غطاءً جوياً واستخباراتياً في المناطق المحاذية لولاية القضارف وولاية سنار. هذا التنسيق يهدف إلى خنق الجيش السوداني من جهة الشرق، وتشتيت مجهوده الحربي بين جبهة الخرطوم وجبهة الحدود الإثيوبية المتوترة أصلاً بسبب نزاع "الفشقة"، ما يجعل إثيوبيا تراهن هنا على أن انهيار المؤسسة العسكرية السودانية سيؤدي حتماً إلى تجميد المطالبات السودانية بالأراضي الحدودية، وينهي التنسيق الأمني مع القاهرة.
الهروب من الأزمات الداخلية: آبي أحمد وتصدير الصراع
يحلل خبراء في الشأن الأفريقي أن لجوء آبي أحمد إلى تقديم الدعم العسكري الإثيوبي لقوات الدعم السريع هو أيضاً محاولة لتصدير أزماته الداخلية. فإثيوبيا التي تعاني من تمرد "فانو" في الأمهرة واضطرابات في "أوروميا"، تجد في الفوضى السودانية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.
من خلال دعم مليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تسعى إثيوبيا لخلق منطقة عازلة (Buffer Zone) تديرها مليشيات موالية لها، مما يحمي حدودها من أي تسلل لعناصر المعارضة الإثيوبية التي قد تجد ملاذاً في سودان "مستقر وقوي". الوكالات الدولية، ومنها تقارير "مجموعة الأزمات الدولية"، حذرت من أن هذا التدخل قد يحول القرن الأفريقي إلى ساحة حرب شاملة، حيث يتجاوز الصراع السوداني حدوده ليصبح صراعاً على الموارد والسيادة الإقليمية بين القوى الكبرى في المنطقة.
مستقبل السودان بين السيادة والارتهان للخارج
إن القصة الصحفية للأزمة السودانية لا تكتمل دون الإشارة إلى أن التحول في الموقف الإثيوبي يمثل طعنة في خاصرة "الجوار التاريخي". فبينما كان السودان هو الرئة التي تتنفس منها إثيوبيا في أزماتها، أصبح الآن ضحية لـ "عقيدة الانتهازية" التي تتبعها حكومة أديس أبابا.
تؤكد الشواهد أن استمرار هذا الدعم سيعقد مسارات السلام؛ فالحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا والجيش السوداني باتوا يرصدون بشكل علني شحنات الأسلحة العابرة للحدود.
وفي حال لم يتحرك المجتمع الدولي للجم هذا التورط، فإن المنطقة مقبلة على انفجار كبير، لن يكون فيه سد النهضة مجرد خزان للمياه، بل قد يتحول إلى فتيل لإشعال حرب إقليمية واسعة، تغذيها الرغبة الإثيوبية في تفكيك الجيش السوداني وضمان تبعية الخرطوم لقرارها المائي والسياسي.
تطبيق نبض