عاجل
الأربعاء 04 فبراير 2026 الموافق 16 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

فخ الصفقة الكبرى.. خطو ترامب لإنهاء الصراع الإيراني دون إطلاق رصاصة واحدة

ترامب
ترامب

​لا يبحث دونالد ترامب عن حرب تقليدية تُهدر فيها المليارات، بل يُعدّ المسرح لعملية "ترويض كبرى" تنهي الصراع الإيراني بضربة قاضية لا تتطلب إطلاق رصاصة واحدة.

إنها إستراتيجية "الضغط الأقصى 2.0"، التي تنطلق بصخب طائرات "مطرقة منتصف الليل" فوق مياه الخليج لترسم حدود القوة، وتمر عبر "مقصلة" التعريفات الجمركية التي تضع حلفاء طهران بين فكي التخلي عنها أو الانتحار اقتصادياً.

و​بينما يلف الغموض "ساعة الصفر" المجهولة ليترك المرشد في حيرة من أمره، تضع واشنطن قائمة مطالبها "الثلاثية الصارمة" فوق الطاولة: لا نووي، لا صواريخ، ولا وكلاء إقليميين. 
إنها ليست دعوة لتغيير النظام، بل هي خطة لإجباره على "انتحار سياسي" ناعم مقابل البقاء، وتحويل الصراع الإيراني من مواجهة وجودية إلى استسلام تاريخي مُغلف بورق هدايا يسمى "الصفقة الكبرى". هي مقامرة "الرجل الصعب" التي تراهن على أن الجوع والعزلة والرعب النفسي، أكفأ بكثير من غزو بري لم يأتِ أوانه بعد.

عصا الأساطيل وجزرة التفاوض: لغة "مطرقة منتصف الليل"

يبدأ المشهد من مياه الخليج العربي، حيث لا تكتفي واشنطن بإرسال حاملات الطائرات للزينة. وفقاً لتقرير نشره موقع "ديفينس ون" (Defense One) العسكري، فإن الإدارة الأمريكية أتمت محاكاة لمناورة أطلق عليها "مطرقة منتصف الليل"، وهي عملية تهدف لإظهار القدرة على شل المنظومات الدفاعية الإيرانية في غضون ساعات.

هذا الاستعراض العسكري ليس إعلاناً للحرب، بل هو "العصا" الغليظة التي تسبق "الجزرة". وحسب تصريح لمستشار الأمن القومي السابق في لقاء مع "فوكس نيوز"، فإن ترامب يؤمن بأن إيران لا تفهم سوى لغة القوة الواضحة. الهدف هو إثبات الجدية الكاملة؛ فالباب يبقى مفتوحاً لاتفاق "منصف" يمنع المواجهة الشاملة، لكنه اتفاق يُكتب تحت ظلال قاذفات (B-52). إن إدارة الصراع الإيراني بهذه الطريقة تضع طهران أمام خيارين: إما الجلوس بشروط واشنطن، أو انتظار "المطرقة".

الثالوث الصارم.. تفكيك أذرع القوة الإيرانية

لا تقبل الإدارة الأمريكية الحالية بأنصاف الحلول التي قدمها اتفاق 2015.، وبحسب وثيقة مسربة تداولتها تقارير "وول ستريت جورنال"، فإن أي "صفقة كبرى" يجب أن تستند إلى ثلاثة أعمدة لا تقبل التفاوض، وهي المحركات الأساسية التي تغذي الصراع الإيراني منذ عقود:
النووي النهائي: الوقف الدائم والشامل لتخصيب اليورانيوم، وليس مجرد تجميده لسنوات، والمطلب يشمل التخلص الفوري من المخزونات الحالية ونقلها خارج البلاد.
قطع العمود الفقري الصاروخي: تفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية طويلة المدى، أو خضوعها لقيود صارمة تجعلها غير قادرة على تهديد المصالح الأمريكية أو الحلفاء في المنطقة.
بتر الأذرع الإقليمية: تجفيف منابع التمويل وقطع الارتباط الكلي بوكلاء طهران، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق.

سلاح التعريفات.. حين تصبح التجارة أداة للحصار

بعيداً عن القطع البحرية، يمتلك ترامب سلاحاً لا يقل فتكاً وهو "التعريفات الجمركية". الإستراتيجية الجديدة التي  لا تكتفي بمعاقبة إيران مباشرة، بل تمتد لتطال شركاءها التجاريين. 

وفقاً لتقرير اقتصادي في "بلومبرج"، هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية باهظة على واردات من الصين، تركيا، والبرازيل إذا استمرت هذه الدول في توفير شريان حياة مالي لطهران.
وهذا النوع من "الإرهاب الاقتصادي الناعم" يهدف إلى عزل إيران كلياً. فعندما تُوضع الصين (أكبر مشترٍ للنفط الإيراني) بين خيار خسارة السوق الأمريكية أو التخلي عن الخام الإيراني، فإن الحسابات ستتغير حتماً، وهذا الضغط الاقتصادي المتصاعد هو المحرك الصامت الذي يعيد صياغة الصراع الإيراني بعيداً عن ساحات المعارك التقليدية.

تغيير السلوك لا النظام.. الرهان على "تنازلات تاريخية"

خلافاً للصقور الذين ينادون بإسقاط نظام الملالي، يتبنى ترامب نهجاً "براجمانياً" يركز على "تغيير السلوك". يرى المحللون في معهد "بروكينجز" أن الهدف ليس إحداث فوضى في طهران قد تؤدي إلى انهيار الدولة، بل إجبار القيادة على تقديم تنازلات تاريخية تنهي تهديدها الخارجي مقابل ضمان بقاء النظام تحت رقابة دولية مشددة.

إنها عملية "ترويض" سياسي؛ حيث يتم تقليم أظافر النظام وتركه يحكم داخل حدوده فقط، مجرداً من طموحاته التوسعية. هذا التوجه يهدف إلى نزع فتيل الصراع الإيراني من خلال تحويل إيران من "ثورة عابرة للحدود" إلى "دولة عادية" تهتم بشؤونها الداخلية.

سيكولوجية "المهلة المجهولة".. الإرباك كإستراتيجية

أخطر ما في جعبة ترامب هو سلاح "الغموض". فبينما يترقب العالم "ساعة الصفر"، يرفض البيت الأبيض تحديد موعد نهائي واضح. وبحسب تصريحات لمسؤولين في الخارجية الأمريكية لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن هذا الغموض مقصود لخلق حالة من الإرباك والضغط النفسي داخل دوائر صنع القرار في طهران.

عدم معرفة متى سينتهي وقت المفاوضات ويبدأ وقت العمل العسكري يثير انقسامات حادة داخل القيادة الإيرانية بين "الحرس الثوري" المتشدد والجناح الدبلوماسي. هذا "الموعد النهائي الشبح" هو الذي يجعل طهران تعيش في حالة تأهب دائم تستنزف مواردها وأعصاب قيادتها، مما يجعل "فخ الصفقة الكبرى" يطبق فكيه ببطء وثبات لإيقاف الصراع الإيراني بشروط واشنطن وحدها.
 

تابع موقع تحيا مصر علي