الحرب المفتوحة.. سيناريو انفجار الضفة الغربية والقدس في رمضان المقبل
انفجار الضفة الغربية والقدس هو الكابوس الذي يطارد الأروقة الأمنية في تل أبيب والعواصم الإقليمية مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حيث تتجمع كل نذر العاصفة في سماء الأراضي المحتلة لترسم ملامح مواجهة قد لا تشبه سابقاتها من حيث الحدة أو الشمولية.
إن المتأمل في الواقع الميداني يدرك أننا لا نتحدث عن مجرد توقعات تحليلية، بل عن مسار تدعمه الأرقام والوقائع التي تحول القرى والمدن الفلسطينية إلى ساحة حرب مفتوحة، حيث يتقاطع الانسداد السياسي مع الانهيار الاقتصادي وتغول الاستيطان ليشكلوا معاً صاعق التفجير الذي ينتظر لحظة الصفر في المسجد الأقصى المبارك.
برميل البارود والتحولات الميدانية العميقة
تتشكل ملامح انفجار الضفة الغربية والقدس من خلال إحصائيات مرعبة وثقها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، والتي تشير إلى قفزة غير مسبوقة في وتيرة هجمات المستوطنين التي تجاوزت مجرد التحرش لتصل إلى مستوى التهجير القسري للتجمعات الرعوية في مناطق "ج"، تحت حماية مباشرة من تشكيلات الجيش الإسرائيلي.
هذا التغول الاستيطاني يقابله واقع اقتصادي متهالك يمثل الأرضية الخصبة للانتفاضة، فمنذ احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية ومنع أكثر من مائتي ألف عامل من التوجه لأعمالهم داخل الخط الأخضر، ارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية، مما جعل الشارع الفلسطيني يشعر بأنه لم يعد لديه ما يخسره، وهي الحالة النفسية الأخطر في علم الاجتماع السياسي. وفي موازاة ذلك، تحولت مخيمات الشمال وتحديداً في جنين وطولكرم إلى ساحات حرب حقيقية، حيث لم تعد الاقتحامات الإسرائيلية مجرد عمليات اعتقال خاطفة، بل أصبحت مواجهات عسكرية تستخدم فيها المسيرات والآليات الثقيلة لتدمير البنية التحتية، مما ولد جيلاً جديداً من المقاتلين الذين ترعرعوا وسط أنقاض المخيم وصيحات الثأر.
القدس والأقصى والتحريض اليميني المتطرف
يبقى المسجد الأقصى هو المحرك التاريخي والوجداني لأي حالة انفجار الضفة الغربية والقدس، لكن الجديد في هذا العام هو وجود حكومة إسرائيلية تضم عناصر شديدة التطرف مثل إيتمار بن غفير، الذي يسعى علناً لتغيير "الوضع القائم" وفرض قيود عمرية وجغرافية قاسية على المصلين خلال شهر رمضان.
إن نصب الحواجز الحديدية وتقييد وصول فلسطينيي الداخل والضفة إلى القدس يمثل استفزازاً مباشراً لمشاعر ملايين المسلمين، وهو ما تراقبه الدوائر الأمنية الإسرائيلية بقلق بالغ، وفق ما تنشره صحيفة "هآرتس" حول تحذيرات الشاباك من مغبة هذه السياسات.
وفي المقابل، تتصاعد دعوات "الرباط" والحراك المقدسي الشعبي الذي أثبت في هبات سابقة مثل "هبة البوابات" قدرته على شل الإجراءات الأمنية الإسرائيلية وفرض واقع جديد، مما يجعل من ساحات الأقصى الفتيل الذي قد يشعل المنطقة بأكملها في لحظة واحدة.
خريطة المقاومة وظهور الأجيال الجديدة
إن رصد طبيعة التحول في نمط المقاومة الفلسطينية يؤكد أن احتمال انفجار الضفة الغربية والقدس بات أقرب من أي وقت مضى، خاصة مع بروز التشكيلات المسلحة العابرة للفصائل مثل "عرين الأسود" وكتائب المخيمات التي لا تخضع لقرار سياسي مركزي، مما يصعب مأمورية الأجهزة الأمنية في التنبؤ بتحركاتها.
هذا التحول يتزامن مع تراجع ملحوظ في دور السلطة الفلسطينية وقدرتها على ضبط الشارع، حيث تشير تقارير "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" إلى فجوة ثقة هائلة بين الجمهور والقيادة الرسمية، مما يترك الساحة مفتوحة للسلاح الفردي وعمليات "الذئاب المنفردة" التي باتت السلاح الأكثر فتكاً وقلقاً للاحتلال لكونها تعتمد على قرارات فردية لا يمكن رصدها استخباراتياً بشكل مسبق. إن حالة السيولة الأمنية في مدن الضفة تشير إلى أن التنسيق الأمني الذي كان يشكل صمام أمان في السابق قد تآكل إلى حد كبير، ولم يعد قادراً على كبح جماح الغضب الشعبي المتراكم.
سيناريوهات المواجهة من الغليان إلى الانفجار
تتعدد السيناريوهات حول مآلات انفجار الضفة الغربية والقدس، حيث يبرز سيناريو "وحدة الساحات" كأخطر الاحتمالات، وفيه تندمج جبهة الضفة والقدس مع نيران جبهة غزة المشتعلة وجبهة الشمال في لبنان، مما يضع إسرائيل أمام حرب استنزاف متعددة الجبهات تفوق قدرتها على السيطرة الميدانية الطويلة.
وهناك سيناريو "الانهيار الشامل" الذي يفترض تحلل الأجهزة الأمنية الفلسطينية وانخراط عناصرها بأسلحتهم الرسمية في المواجهة، وهو كابوس استراتيجي حذر منه محللون عسكريون في "يديعوت أحرونوت"، معتبرين أن ذلك سيعني العودة إلى مربعات الانتفاضة الثانية ولكن بأدوات أكثر تطوراً وتدريباً.
وفي المقابل، تبذل أطراف إقليمية مثل مصر وقطر والأردن جهوداً حثيثة في "سيناريو الاحتواء" لمحاولة تبريد الجبهات قبل حلول رمضان عبر الضغط لتسهيل دخول المصلين وتحسين الواقع الاقتصادي، إلا أن هذه الجهود تصطدم براديكالية اليمين الإسرائيلي الذي يرى في التصعيد فرصة لحسم الصراع أيديولوجياً وميدانياً.
الرهان على الأيام القادمة وحتمية الصدام
في الختام، يظهر أن انفجار الضفة الغربية والقدس ليس مجرد احتمال ضعيف، بل هو نتيجة منطقية لسلسلة من التراكمات التي لم تجد حلاً سياسياً أو حتى اقتصادياً يسكن آلامها، فالإحصائيات الرسمية والتحليلات العسكرية الإسرائيلية تتفق على أن الضفة الغربية تعيش حالة مخاض عسير لواقع جديد قد يغير وجه المنطقة.
إن القصة الصحفية للأرض المحتلة اليوم تكتب بدماء الشهداء وأنين الجرحى وصمود المرابطين في القدس، وهي قصة تنذر بفصل ختامي للصمت الطويل، حيث تبدو كل الطرق مؤدية إلى مواجهة شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها، لكن المؤكد أنها ستبدأ من أزقة القدس ودروب الضفة التي ضاقت ذرعاً بسياسة الأمر الواقع، لتعلن أن رمضان القادم قد يكون الشهر الذي يعيد رسم الخارطة السياسية والميدانية لفلسطين من جديد.
تطبيق نبض

