إيران في مواجهة "فخ ثوسيديدس": هل أزفت ساعة الصفر؟
في عام 1979، لم تكتفِ الثورة الإسلامية بقلب كراسي الحكم في إيران، بل فجّرت زلزالاً اجتماعياً حوّل الدين إلى "قوة عظمى" في الشارع. بالنسبة لجيل كامل، لم يكن ذلك العام مجرد تاريخ، بل كان "اللحظة الصفر" التي رسمت حدود ما قبلها وما بعدها، وأطلقت طموحاً إقليمياً سرعان ما اصطدم بجدران الواقع.
ففي سبتمبر 1980، سقط صدام حسين في "خديعة الضعف"؛ ظن أن الهجوم على إيران المنهكة سيكون ضربة قاضية وخاطفة، لكنه بدلاً من ذلك، منح النظام الناشئ فرصة ذهبية لتوحيد صفوفه خلف عدو مشترك، وحوّل الدخان المتصاعد من الجبهة الغربية إلى وقود لبناء دولة أمنية صلبة.
هنا تحديداً، بدأ الشرق الأوسط ينجذب قسراً نحو ما يسمى "فخ ثوسيديدس"؛ وهو ذاك المأزق التاريخي الذي ينشأ حين تشعر القوى القائمة بالرعب من صعود قوة جديدة، فيصبح الصدام الحتمي هو النتيجة الوحيدة للخوف المتبادل.
ومنذ ذلك الحين، دخلت المنطقة في دوامة "إدارة الأزمات" والقنوات الخلفية لمنع الانفجار الكبير، وسادت لغة الأمن على السياسة.
واليوم، تبدو الأصداء مألوفة ومخيفة في آن واحد؛ فإيران تجد نفسها مرة أخرى عالقة في قلب فخ ثوسيديدس، محاصرة بين تصدع داخلي يغذيه الانهيار الاقتصادي، وضغط خارجي يحاول خنق أذرعها الإقليمية.
لم تعد المعركة اليوم كلاسيكية بجيوش وجبهات واضحة كما كانت في الثمانينيات، بل تغيرت "هندسة الحرب" لتصبح عبارة عن شبكة معقدة من المسيرات، والضربات السيبرانية، وتعطيل الممرات البحرية.
في هذا العالم "اللاسيمتري"، لم يعد النصر يحتاج لاحتلال الأرض، بل لكسر الإرادة عبر ضربات دقيقة وقوى شريكة تمتد من بيروت إلى البحر الأحمر.
وبينما تسعى إسرائيل وحلفاؤها لمنع طهران من الوصول إلى حافة التفوق النووي، يزداد الخناق ضيقاً داخل فخ ثوسيديدس؛ حيث لم يعد التدخل الخارجي مجرد تهديد، بل أصبح واقعاً يفرض تأثيرات إستراتيجية ضخمة، كما تجلى بوضوح في عملية "الأسد المتأهب" الإسرائيلية في شهر يونيو الماضي، تاركاً طهران أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانفجار أو الانحناء للعاصفة.
هل يبتلع "الفخ" الجميع؟
بينما تقف إيران في قلب الإعصار، يراقب الجيران المشهد بأنفاس محبوسة؛ فقد أدرك الجميع أن "الاحتواء" ليس مجرد خيار سياسي، بل هو طوق نجاة أخير.
هنا، تعمل قنوات الدبلوماسية الصامتة من مسقط إلى أنقرة، ومن الرياض إلى الدوحة، مثل "صمامات ضغط" في غلاية أوشكت على الانفجار.
هذه المسارات لا تضمن السلام، لكنها تحاول منع "رصاصة طائشة" أو سوء فهم عابر في عرض البحر من إشعال حريق لا يمكن إطفاؤه. في هذا العالم، لم يعد ميدان المعركة مجرد خنادق وبارود؛ بل صار طاولة مفاوضات تُخاض عليها الحرب "دقيقة بدقيقة" بين واشنطن وطهران، في سباق محموم لرسم نظام إقليمي جديد يولد من رحم الأزمات.
بركان تحت الرماد
خلف الشعارات السياسية، يبرز التهديد الحقيقي كخنجر في الخاصرة؛ إنه الانهيار الاقتصادي الذي لم يعد مجرد أرقام، بل صار "قضية أمن دولة". الريال الإيراني الذي ينزف قيمته، وتكاليف المعيشة التي تخنق الحناجر، حولت الشوارع إلى ألغام موقوتة. النظام هناك لا يرى في احتجاجات شعبه مجرد معارضة، بل يعتبرها "اختراقاً" خارجياً، فيرد بقبضة حديدية خلّفت آلاف الضحايا؛ في محاولة يائسة لمنع "فخ ثوسيديدس" من التحول إلى انفجار اجتماعي يقتلع الجذور من الداخل قبل أن يهاجمها الخارج.
رغم أن طبول الحرب تُقرع، إلا أن أحداً لا يجرؤ على البدء. الجميع يمارس "ضبط النفس" الإجباري؛ فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان الحياة الذي إذا انقطع، سقط العالم في ظلام اقتصادي.
ومع ذلك، فإن احتمال العمل العسكري "الحركي" يظل مرتفعاً كشرارة تنتظر ريحاً مواتية. الخطاب الدولي المتصاعد يضيق الخناق، وسوء التقدير قد يكون هو القشة التي تقصم ظهر البعير وتدفع الجميع قسراً داخل "فخ ثوسيديدس".
حرب الأشباح
المسار الأكثر رعباً اليوم ليس الحرب الشاملة، بل "حرب الظلال" التي يمكن إنكارها. نحن أمام هندسة جديدة للصراع تعتمد على الطعنات السيبرانية والعمليات السرية خلف الخطوط. كانت "حرب الاثني عشر يوماً" مجرد بروفة لاستعراض القوة، لكن الأمور قد تتغير في أي لحظة.
فبينما تشق مجموعة (أبراهام لينكولن) الضاربة عباب مياه بحر الصين متجهة لخليج عُمان، تدرك طهران أن خيارات الردع الأمريكية أصبحت فوق الطاولة، وأن "الفرصة" هي من سيحدد ساعة الصفر.
الردع في مواجهة "الانتحار الإستراتيجي"
الردع اليوم لم يعد تلميحاً، بل صار وعيداً صريحاً. وعندما يخرج الرئيس مسعود بزشكيان ليحذر من أن المساس بالمرشد هو "إعلان حرب"، فهو يدرك أن قواعد اللعبة ضاقت إلى حدودها القصوى. دول الخليج، التي تدرك هشاشة أسواق الطاقة، تواصل بناء حواجزها الدبلوماسية، لكن الخطر يظل متوسطاً ويميل للارتفاع.
المنطقة اليوم هي "رقعة شطرنج" كبرى؛ الكل يراهن على أن الطرف الآخر هو من سيدفع الثمن، بينما تلوح في الأفق دورة جديدة من الانتقام المباشر بين إيران وإسرائيل. التكلفة الباهظة للحرب التقليدية قد تمنع الانفجار الشامل، لكنها لا تمنع "حرب الأشباح" من الاستمرار، ليبقى الجميع معلقين في الهواء، بانتظار معرفة من سيسقط أولاً في قاع فخ ثوسيديدس.
الاستيقاظ من الكابوس
في هذا الصدام المحتدم، يبرز بصيص من الأمل؛ فالكلمات، رغم رشاقتها، لا تزال قادرة على الركض أسرع من الأساطيل. منذ ضربات شهر يونيو الماضي، والاتفاق النووي يعيش حالة من "الموت السريري"، بينما اختفت أروقة فيينا كقناة للتنفس تحت وطأة العقوبات.
البرنامج النووي الآن ينمو في العتمة، بعيداً عن أعين المراقبين، لكن طهران لا تعتمد على "الذرة" وحدها؛ فهي تحتمي خلف غابة من الصواريخ الباليستية، وتسابق الزمن لترميم دروعها الجوية قبل فوات الأوان. وفي المقابل، تلمس إسرائيل زناد ضرباتها بعيدة المدى، بينما تضع واشنطن إصبعها على الخطوط الحمراء، بانتظار أي هفوة تُعد "ذريعة حرب" لتطلق العنان لقوتها الغاشمة.
وسط هذا الضجيج، تبرز "الدبلوماسية القسرية" كلاعب وحيد في الميدان. هنا، يخرج وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ليدعو إلى حوار مباشر يكسر الجمود، مدركاً أن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من المغامرات. لكن المؤشرات على الأرض تتحدث بلغة أخرى؛ فأي قيود جديدة على "إنترنت" الشوارع الإيرانية، أو حملة اعتقالات واسعة، لن تكون مجرد إجراء أمني، بل هي "صافرة إنذار" تعلن انفجار أزمة اجتماعية قد تفوق في مرارتها احتجاجات شهر سبتمبر 2022، بل وقد تعيد للأذهان زلزال عام 1979.
الخطر لم يعد مجرد تخمين؛ فإغلاق المجالات الجوية وإخلاء البعثات الدبلوماسية هي "لغة الجسد" التي تفضح استعداد المنطقة لاضطراب عظيم. التصعيد دائماً يبدأ بـ "المفردات" قبل أن يتحول إلى "رصاص". وفي الكواليس، يتحوط القادة الأتراك لسيناريوهات الرعب، راسمين خططاً لمنع تدفق اللاجئين عبر الحدود، في إشارة واضحة إلى أن "العاصفة الكامنة" أصبحت على الأبواب. وكما علمنا التاريخ، فإن نقاط التحول الكبرى لا تعلن عن نفسها بضجيج؛ بل تتسلل لتصبح واقعاً يغير وجه القوى الإقليمية للأبد.
في رواية "يوليسيس"، يقول جيمس جويس إن التاريخ "كابوس"؛ واليوم، يبدو أن الإيرانيين يبذلون كل ما في وسعهم فقط للاستيقاظ منه.
تطبيق نبض