نادية لطفي.. الوجه الملائكي الذي أخفى قلب مقاتل
تحل علينا ذكرى رحيل الفنانة نادية لطفي لتجدد في أذهاننا صورة واحدة من أكثر الشخصيات النسائية ثراء وتأثيرا في تاريخ الفن العربي إذ لم تكن مجرد نجمة سينمائية تهافتت عليها الكاميرات لجمالها الأوروبي الملامح بل كانت نموذجا للمثقفة والمناضلة التي سخرت شهرتها لخدمة قضايا وطنها وأمتها في أصعب اللحظات التاريخية التي مرت بها المنطقة العربية.
ذكرى رحيل نادية لطفي.. إمرأة بجيش كامل
بدأت ملامح التمرد والاختلاف في شخصية نادية لطفي منذ اختيارها لاسمها الفني الذي استوحته من رواية لا أنام لإحسان عبد القدوس لكن جوهرها الحقيقي كان يكمن في شخصية بولا شفيق التي لم تتخل يوما عن جذورها الشعبية والوطنية ففي الوقت الذي كان فيه النجوم ينعمون بأضواء الشهرة اختارت نادية لطفي مسارا مغايرا تماما تجلى بوضوح خلال حرب أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين حيث غادرت منزلها لتقيم إقامة كاملة داخل أروقة مستشفى قصر العيني ولم يكن وجودها هناك بهدف الدعاية أو التقاط الصور بل انخرطت في العمل التطوعي كمرضة حقيقية تساعد في تنظيف جروح الجنود وتدوي رغباتهم وتكتب رسائلهم إلى ذويهم في القرى والنجوع البعيدة وهو دور إنساني نادر ما تجد فيه فنانا يتخلى عن بريقه ليمارس مهاما شاقة في ظروف الحرب.

من مستشفيات الحرب إلى حصار بيروت.. الوجه الآخر لـ نادية لطفي
أما الجانب الأخر الذي يبرز شجاعتها الاستثنائية ورصده موقع تحيا مصر فهو موقفها التاريخي خلال حصار بيروت عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين حيث كانت الفنانة الوحيدة التي غامرت بحياتها وذهبت إلى قلب المعمعة لتقف جنبا إلى جنب مع المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين ولم تكتف بالزيارة بل قضت أياما تحت القصف وسجلت بكاميرتها الخاصة أفلاما وثائقية للمجازر التي وقعت في مخيمي صبرا وشاتيلا وحملت هذه التسجيلات لتطوف بها العالم وتفضح جرائم الاحتلال مما جعل القائد الراحل ياسر عرفات يعتز بصداقتها ويصفها بأنها امرأة بجيش كامل نظرا لمواقفها التي تجاوزت مجرد الشعارات الرنانة.
حكاية فيلم المومياء الذي لم يكتمل
وعلى الصعيد الفني كانت نادية لطفي تبحث دائما عن الاختلاف والعمق وهو ما يفسر شغفها بالتعاون مع كبار المخرجين المجددين ومن الأسرار التي تبرز هذا الشغف مشاركتها المنسية في فيلم المومياء للمخرج شادي عبد السلام حيث صورت بعض المشاهد التي تعتبر حتى اليوم من الكنوز المفقودة في السينما المصرية إذ لم تكتمل مشاركتها بسبب ظروف إنتاجية لكنها ظلت تفخر بتلك التجربة التي كانت تهدف لتقديم صورة بصرية غير تقليدية للهوية المصرية القديمة.
وخلف هذه الأضواء كانت نادية لطفي تهرب من ضجيج الوسط الفني إلى هوايتها المفضلة وهي ركوب الخيل حيث كانت تذهب متخفية إلى مناطق الخيالة في نزلة السمان لتمارس الفروسية بعيدا عن أعين المعجبين فكانت ترى في الخيل صدقا لا تجده في البشر وفي ذكرى وفاتها يبقى إرث نادية لطفي ملهما ليس فقط لما قدمته من روائع على الشاشة مثل النظارة السوداء والخطايا بل لتلك الروح المتمردة التي أثبتت أن الفنان هو في المقام الأول موقف وإنسانية ووطنية عابرة للحدود.
تطبيق نبض