عاجل
الخميس 05 فبراير 2026 الموافق 17 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

أحمد عبدالعزيز يكتب: اللامركزية المنضبطة: «السيستم» الذي ينتظر التفعيل

أحمد عبدالعزيز
أحمد عبدالعزيز

تُمثّل الإدارة المحلية البوابة الحقيقية لتحويل التنمية من مجرد سياسات مركزية إلى نتائج ملموسة فهي الأقرب لاحتياجات المواطن، والأقدر على اكتشاف الفرص والموارد غير المستغلة، والطاقة البشرية المعطلة، والمبادرات المحلية القادرة على إحداث فرق حقيقي إذا أُحسن تمكينها.

وقد أرسى دستور ٢٠١٤ في مواده (١٧٥-١٨٣) إطاراً متقدماً لهذا التوجه، حيث نصت المادة (١٧٦) صراحةً على أن "تكفل الدولة دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية"، ومنحت المواد التالية الوحدات المحلية موازنات مستقلة وموارد ذاتية من الضرائب والرسوم المحلية،كما أعطت المجالس المحلية المنتخبة أدوات رقابية حقيقية تشمل حق الإستجواب وسحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية ،غير أن هذا الإطار ظل معطلاً لسنوات وبقي هذا السيستم الطموح حبيس النصوص دون أن تتحول تلك المواد إلى تشريعات أو سياسات تُطبق فعلياً على الأرض.

وتبرز الحاجة الملحّة لتفعيل هذا المسار في ظل ثلاث فجوات رئيسية فجوة الجاهزية المؤسسية داخل الوحدات المحلية وفجوة الثقة بين المواطن والوحدات المحلية ، وفجوة تداخل المسؤوليات والصلاحيات وهي فجوات أبطأت الإستجابة لإحتياجات المواطنين وأفرغت مفهوم التنمية المحلية من محتواه العملي. 

وأمام هذا الواقع لم يعد الجدل حول اللامركزية نقاشاً نظرياً، بل بحثاً عن نموذج عملي قابل للتطبيق يوازن بين التمكين والكفاءة ، وبين وحدة الدولة وتفاوت جاهزية المحافظات والميزات التنافسية لكل محافظة،وهنا تبرز اللامركزية المنضبطة كضرورة للانتقال المرحلي للصلاحيات من المستوى المركزي إلى المستويات المحلية، وفق جدول زمني واضح يراعي تفاوت الجاهزية بين المحافظات، ويخضع لإطار رقابي مركزي صارم ، فهي تمكين منضبط لوحدات الدولة المحلية يحقق الكفاءة والانجاز  دون الإخلال بوحدة القرار والسياسات العامة.

غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتم دون حزمة تشريعية متكاملة تشمل قانوناً جديداً للإدارة المحلية، وقانوناً للمجالس المحلية وانتخابها، وقانوناً للجوانب المالية المحلية، فضلاً عن تعديل كافة القوانين ذات الصلة بالمحليات، بما يعيد توزيع الأدوار بوضوح ويُنهي حالة الاشتباك المؤسسي المزمنة.

يكتمل هذا المسار عبر نقل الصلاحيات تدريجيًا من الخدمية إلى التنموية والاستثمارية، بالتوازي مع بناء الكوادر المحلية وتفعيل الرقابة الرقمية لضمان الشفافية، ويظل نجاحه مرهونًا بتحقيق استقلال مالي حقيقي، فلا لامركزية بلا موارد، مع توسيع الشراكة لتشمل القطاع الخاص والمجتمع المدني كمحركي استثمار ورقابة.

إن اللامركزية المنضبطة لم تعد خيارًا إداريًا بل ضرورة وطنية، تستلزم تشريعات حاسمة وتطبيقًا متدرجًا يحول المحليات من وحدات إنفاق وخدمات إلى مراكز إنتاج وتنمية.

تابع موقع تحيا مصر علي