مريم بدران تكتب: أزمة الحيوانات الضالة.. صراع بين العلم وسوء الفهم
لم تعد قضية الكلاب والقطط الضالة مجرد مشهد عابر في شوارع المدن، ولا أزمة تخص فئة بعينها، بل تحولت إلى ملف مجتمعي شائك يمس الأمن الصحي، والسلم الاجتماعي، وصورة الإنسان عن نفسه قبل أن يمس صورة الدولة أو المؤسسات.
في مصر، كما في كثير من دول العالم، تتفاقم أعداد الحيوانات الضالة بوتيرة متسارعة، ومعها تتصاعد مشاعر الخوف والغضب، ويعلو صوت يطالب بالحل السريع…
لكن السؤال الجوهري يبقى: أي حل؟ وبأي ثمن أخلاقي وإنساني؟
ما يلفت الانتباه اليوم ليس فقط وجود المشكلة، بل طريقة النقاش حولها.
على منصات التواصل الاجتماعي، نرى دعوات علنية للقتل الجماعي، تقدم أحيانًا باعتبارها “حماية للمجتمع”، وأحيانًا أخرى تغلف بخطاب ديني أو أخلاقي، في مفارقة صادمة يُحرم التعقيم باعتباره “تدخلًا في الخلق”، بينما يستساغ القتل العلني بلا محاسبة ولا تساؤل.
هنا لا نتحدث عن الدين، بل عن سوء توظيفه , فالدين لم يكن يومًا دعوة للفوضى، ولا مبررًا لإلغاء العقل أو العلم، ولا غطاءً للقسوة حين تتوفر بدائل أكثر رحمة وعدلًا.
علميًا، وبلا جدل، الحل الوحيد المعتمد عالميا لإدارة أعداد الحيوانات الضالة هو: الإمساك – التعقيم – التطعيم – الإعادة (TNR).
هذا ليس رأيًا شخصيا، بل سياسة مطبقة في دول واجهت أزمات مماثلة، ونجحت في تقليل الأعداد، والحد من الأمراض، وحماية الإنسان والحيوان معًا.
التعقيم لا ينهي وجود الحيوان، بل ينهي دورة المعاناة: يقلل من التكاثر غير المنضبط، يحد من انتشار الفيروسات والأمراض، يحسن السلوك العام للحيوان،
ويخلق توازنًا صحيًا في البيئة ...إلخ.
نعم، لكل كائن حي الحق في الحياة، لكن حين يغيب الوعي، وتغيب الجمعيات القادرة، وتغيب السياسات المستدامة، فإن ترك التكاثر بلا ضوابط ليس رحمة، بل شكل آخر من أشكال الإهمال.
كل مخلوق له الحق في أن يعيش ويؤدي دوره في هذا العالم، وبالرغم من حبنا ورغبتنا في الحماية المطلقة، يبقى التعقيم اليوم الخيار العلمي والرحيم الوحيد للحفاظ على حياة الجميع وتوازنها.
وسط هذا المشهد، يبرز سؤال آخر: أين المؤسسات العلمية؟ وأين كليات الطب البيطري، وهي الحاضنة الطبيعية للعلم، والحل، والتدريب، والمسؤولية المجتمعية؟. بوصفي طالبة في هذا الميدان، ومتطوعة منذ سنوات في مجال إنقاذ الحيوانات، وجدت نفسي ومعي عدد من المتطوعين نقف أمام واقع معقد: لدينا المعرفة، ولدينا الإرادة، ولدينا الحل العلمي.
لكننا نصطدم أحيانًا بالصمت، أو التردد، أو الخوف من الاقتراب من الملف.
خلال الفترة الماضية، قمت بمناشدة عدد من كليات الطب البيطري لفتح باب العمل التطوعي داخلها، من أجل إجراء عمليات تعقيم وتطعيم في إطار علمي منظم، يخدم المجتمع ويدرب الطلاب ويحفظ كرامة المهنة.
بعض الكليات استجابت، وبعضها اعتذر، وبعضها آثر الصمت وهو أمر أتفهمه تمامًا.
لكن من استجاب، يستحق الذكر، لا من باب الإحراج للآخرين، بل من باب الإشادة بضمير علمي وإنساني حي، وبصورة مشرفة لمؤسسة اختارت أن تكون جزءًا من الحل، لا مجرد شاهد على الأزمة.
وسأقوم لاحقًا بذكر أسماء الكليات والمبادرات التي شاركت بالفعل في عمليات التعقيم أو طبقت الحلول العلمية، تكريمًا لجهودها وكتشجيع لمزيد من المشاركة والمسؤولية المجتمعية.
هذه ليست معركة ضد أحد، وليست اتهامًا، بل دعوة صادقة لإعادة التفكير.
قضية الحيوانات الضالة ليست قضية “كلاب” فقط، بل قضية روح خلقها الله عزوجل، ووعي، ومسؤولية، وتوازن بين الرحمة والعقل. والمجتمعات لا تقاس بكيفية تعاملها مع الأقوياء فقط، بل بكيفية تعاملها مع الأضعف.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا: هل نريد حلولًا سريعة ترضي الغضب؟ أم حلولًا علمية تنقذ الأرواح، وتحمينا جميعًا، وتبقي لنا شيئًا من إنسانيتنا؟.
تطبيق نبض