عاجل
الإثنين 09 فبراير 2026 الموافق 21 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

اللواء محمد فؤاد شكري الشافعي.. سيرة وطنية لضابط من أبناء بني سويف

تحيا مصر

في مسار التاريخ الوطني، لا تحضر جميع الأسماء بالقدر نفسه من الضوء، رغم أن أدوارها كانت حاسمة في لحظات فارقة. ويأتي اللواء محمد فؤاد شكري الشافعي، أحد أبناء محافظة بني سويف، نموذجًا لضابط وطني أسهم بفاعلية في ثورة 23 يوليو 1952، لكنه ظل بعيدًا عن دوائر التوثيق الواسع، رغم ما تحمله سيرته من دلالات مهمة
وُلد اللواء محمد فؤاد شكري الشافعي عام 1915 بقرية أبوصير الملق التابعة لمركز الواسطى بمحافظة بني سويف. نشأ في بيئة ريفية غرست فيه قيم الانضباط والانتماء، وهي القيم التي انعكست مبكرًا على اختياره المسار العسكري.
التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1937، ضمن دفعة عسكرية ضمت عددًا من الأسماء التي لعبت لاحقًا أدوارًا محورية في تاريخ مصر الحديث، من بينهم جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات، ما يضعه ضمن جيل الضباط الذين تشكّل وعيهم في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ الدولة المصرية
شارك الشافعي في حرب فلسطين عام 1948 برتبة صاغ، وشارك في الاشتباكات الحدودية مع القوات الإسرائيلية، مكتسبًا خبرة ميدانية مباشرة في ظروف قتال حقيقية. هذه التجربة لم تكن مجرد مشاركة عسكرية، بل شكّلت مدرسة عملية صقلت قدراته القيادية وأسهمت في بناء شخصيته كضابط يعتمد عليه في المواقف الحرجة
لم يكن اللواء الشافعي عنصرًا عابرًا داخل تنظيم الضباط الأحرار، بل كان من الضباط الموثوق فيهم تنظيميًا، وهو ما يفسر اتخاذ فيلته بمنطقة الهرم مقرًا للاجتماعات السرية للتنظيم. هذا الدور يعكس حجم الثقة التي تمتع بها داخل الدائرة الضيقة التي خططت للتحرك العسكري والسياسي في يوليو 1952، 
مع انطلاق أحداث ليلة 23 يوليو 1952، تولى اللواء محمد فؤاد شكري الشافعي قيادة الكتيبة 16 مشاة ورئاسة مركز المشاة بعد القبض على قائدها السابق، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية خلال تنفيذ خطة الثورة، 
وأُسندت إليه مهمة بالغة الأهمية تمثلت في تأمين وسط العاصمة القاهرة، وهي منطقة تضم مؤسسات حيوية وشبكات مواصلات كثيفة. تحركت قواته سريعًا إلى حديقة الأزبكية، وتمكنت من فرض السيطرة الكاملة دون اضطرابات تُذكر، وهو ما أسهم في الحفاظ على استقرار العاصمة في الساعات الأولى للثورة، وحماية صورتها أمام الرأي العام، 
وتشير الروايات إلى أن اللواء محمد نجيب، قائد الثورة آنذاك، توجّه إلى مقر قيادته بالأزبكية وهنأه على سرعة نقل وحدته وكفاءة أفراده، في دلالة واضحة على تقدير القيادة لدوره الميداني، 
بعد نجاح ثورة يوليو، استمر اللواء الشافعي في مواقع المسؤولية، وتولى عددًا من المناصب المهمة، من بينها:
رئيس محكمة الحدود العسكرية
محافظ البحر الأحمر
محافظ سيناء، وكان أول من تولى هذا المنصب بعد التحرير وقبل تقسيمها إداريًا إلى شمال وجنوب
وتُعد فترة عمله في سيناء من أكثر المراحل حساسية، حيث جمعت بين الأبعاد الأمنية والإدارية، وهو ما تطلب خبرة عسكرية وقدرة على إدارة منطقة ذات أهمية استراتيجية خاصة، 
إلى جانب مهامه التنفيذية، كان للواء محمد فؤاد شكري الشافعي دور في وضع الأسس الأولى للمتحف الحربي بالقاهرة، في خطوة تعكس وعيه بأهمية توثيق التاريخ العسكري للأجيال القادمة. وقد تم تسجيل اسمه ضمن لوحة الشرف للمؤسسين في صدر المتحف، كاعتراف رسمي بإسهاماته.

توفي اللواء محمد فؤاد شكري الشافعي عام 1963 عن عمر لم يتجاوز 48 عامًا، وهو رحيل مبكر حرمه من فرصة توثيق تجربته أو ترك مذكرات شخصية، كما حدث مع عدد من قادة الثورة. ويُعد هذا الغياب أحد أسباب محدودية حضوره في السرد التاريخي العام.

يصفه الكاتب الصحفي سلامة مدكور بـ«فارس النسيان»، في إشارة إلى التناقض بين حجم الدور الذي أدّاه، والمساحة المحدودة التي حظي بها في الذاكرة الشعبية، رغم كونه أحد أبناء بني سويف الذين ساهموا في صناعة لحظة مفصلية من تاريخ مصر الحديث، 
إن إعادة إحياء سيرة اللواء محمد فؤاد شكري الشافعي ليست مجرد استعادة لاسم من الماضي، بل هي محاولة لإعادة قراءة تاريخ ثورة يوليو من زاوية أوسع، تُنصف أولئك الذين أدّوا أدوارهم الحاسمة في صمت، ثم غابوا عن الأضواء، بينما بقي أثرهم حاضرًا في مسار الوطن.

تابع موقع تحيا مصر علي