عاجل
الخميس 12 فبراير 2026 الموافق 24 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

بلا بلا مشاركة قتالية.. تفاصيل نشر 200 جندي أميركي لدعم نيجيريا

200 جندي أمريكي لتدريب
200 جندي أمريكي لتدريب قوات نيجيريا

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الأميركي بملف الأمن في غرب أفريقيا، تعتزم الولايات المتحدة نشر 200 جندي إضافي في نيجيريا خلال الأسابيع المقبلة، لتقديم التدريب والدعم الفني للقوات المسلحة النيجيرية في حربها الممتدة ضد التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة.
القرار يأتي في سياق أمني بالغ التعقيد، حيث تواجه نيجيريا تمرداً مسلحاً في الشمال الشرقي تقوده جماعات متطرفة، وتصاعداً لعمليات الخطف والنهب في الشمال الغربي، فضلاً عن نزاعات دامية في وسط البلاد. وبينما تؤكد واشنطن أن قواتها لن تشارك في أي عمليات قتالية مباشرة، فإن هذا الانتشار يعكس توجهاً لتعميق الشراكة العسكرية مع أبوجا، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والدبلوماسية المرتبطة بملف حماية المدنيين، خصوصاً في ظل اتهامات أميركية للحكومة النيجيرية بالتقصير في حماية المسيحيين، وهو ما تنفيه الأخيرة.

تعزيز عسكري في إطار تعاون قائم

حسب تقرير لـ«الشرق الأوسط»، نقل عن صحيفة «وول ستريت جورنال» أن خطة نشر الجنود الأميركيين تهدف إلى دعم فريق صغير موجود بالفعل في نيجيريا، يعمل على المساعدة في تحديد أهداف للضربات الجوية وتقديم المشورة العملياتية. وأكدت متحدثة باسم القيادة الأميركية في أفريقيا تفاصيل الخطة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، مشيرة إلى أن القوات الإضافية ستوفر التدريب والتوجيه الفني، بما يشمل مساعدة القوات النيجيرية على تنسيق عمليات مشتركة تجمع بين الضربات الجوية والتحركات البرية.
الجنرال سامايلا أوبا، المتحدث باسم وزارة الدفاع النيجيرية، أوضح أن بلاده ستستعين بالقوات الأميركية في مجالي التدريب والدعم الفني، مؤكداً في الوقت نفسه أن الجنود الأميركيين لن يشاركوا في أي قتال مباشر. وأشار إلى أن نيجيريا هي من طلبت هذه المساعدة الإضافية، في إطار سعيها لتعزيز قدراتها القتالية والتقنية في مواجهة التهديدات المتعددة التي تعصف بأمنها الداخلي.
هذا التطور لا يمثل بداية التعاون العسكري بين البلدين، بل يأتي امتداداً لشراكة قائمة شهدت في ديسمبر الماضي تنفيذ غارات استهدفت مسلحين متطرفين في ولاية سوكوتو شمال غربي البلاد، في عملية مشتركة أعلنت عنها الولايات المتحدة، مؤكدة تقديم معلومات استخباراتية للقوات الجوية النيجيرية لتحديد الأهداف، إضافة إلى العمل على تسريع عمليات شراء الأسلحة لصالح أبوجا.

مشهد أمني متدهور وهجمات متكررة

التحرك الأميركي يتزامن مع استمرار تدهور الوضع الأمني في عدة ولايات نيجيرية، أبرزها كادونا، التي شهدت خلال الأيام الماضية هجوماً استهدف منزل قس كاثوليكي في ساعات الصباح الباكر، وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص واختطاف القس وعدد آخر من السكان. وذكرت الأبريشية في بيان أن ثلاثة من المدنيين قُتلوا خلال الهجوم، بينما أكد متحدث باسم شرطة كادونا وقوع الحادثة، موضحاً أن القتلى هم جنديان وشرطي لقوا حتفهم خلال تبادل لإطلاق النار مع الخاطفين، الذين قُتل بعضهم أثناء المواجهة.
وقبل ذلك بأيام، كانت الأجهزة الأمنية قد أعلنت إنقاذ 166 مصلياً خُطفوا خلال هجمات استهدفت كنيستين في منطقة أخرى من الولاية نفسها، في عملية أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في الشمال، حيث تتكرر عمليات الخطف الجماعي والاعتداءات على القرى ودور العبادة.
ولا تقتصر التهديدات على منطقة بعينها، إذ تخوض نيجيريا منذ سنوات حرباً مفتوحة ضد تمرد مسلح يتركز في الشمال الشرقي، تقوده جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، بينما تنشط في الشمال الغربي عصابات إجرامية تمتهن الخطف مقابل الفدية ونهب القرى. وفي وسط البلاد، تتفاقم النزاعات بين مزارعين، معظمهم من المسيحيين، ورعاة ماشية من الفولاني المسلمين، في صراع يرى باحثون مستقلون أن جذوره ترتبط أساساً بالتنافس على الأراضي والموارد المتضائلة، في ظل تغيرات مناخية وضغوط سكانية متزايدة.

ضغوط أميركية واتهامات بالإخفاق

الهجمات المتكررة أثارت اهتماماً سياسياً في واشنطن، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحكومة النيجيرية بالتقاعس عن حماية المسيحيين، واصفاً ما يحدث بأنه «اضطهاد» و«إبادة جماعية». هذه التصريحات وضعت أبوجا تحت ضغط دبلوماسي متزايد، خصوصاً أن الإدارة الأميركية تربط بين مستوى التعاون الأمني وملف حماية الحريات الدينية.
غير أن الحكومة النيجيرية ترفض هذه الاتهامات، مؤكدة أن العنف في البلاد لا يستهدف فئة دينية بعينها، بل يطال مسلمين ومسيحيين على حد سواء. وفي هذا السياق، كان مسعد بولس، كبير مستشاري ترمب للشؤون العربية والأفريقية، قد صرح العام الماضي بأن جماعتي «بوكو حرام» و«داعش» تقتلان من المسلمين أكثر مما تقتلان من المسيحيين، في إشارة إلى الطبيعة المعقدة للصراع، الذي يتداخل فيه البعد الديني مع العوامل الاقتصادية والعرقية والقبلية.
منظمات حقوقية بدورها انتقدت أداء السلطات النيجيرية، إذ قالت منظمة العفو الدولية في بيان إن الأزمة الأمنية في البلاد «تخرج عن السيطرة بشكل متزايد»، متهمة الحكومة بـ«التقصير الجسيم» وعدم القدرة على حماية المدنيين في مناطق ريفية بعدة ولايات شمالية، حيث يقتل المسلحون ويخطفون ويرهبون السكان دون رادع فعال.

أبعاد دينية وإنسانية

تداعيات العنف تجاوزت الإطار المحلي، لتصل إلى الفاتيكان، حيث عبّر البابا ليو خلال عظته الأسبوعية في ساحة القديس بطرس عن تضامنه مع ضحايا أحدث الهجمات في نيجيريا، معرباً عن أمله في أن تواصل السلطات المختصة العمل بحزم لضمان أمن وحماية أرواح جميع المواطنين. هذا الموقف يعكس حجم القلق الدولي إزاء تصاعد الاعتداءات، خصوصاً تلك التي تستهدف دور العبادة ورجال الدين.
في الداخل النيجيري، يحاول المسؤولون تقديم صورة متماسكة عن جهود الدولة، إذ يظهر حاكم ولاية كادونا أوبا ساني في مناسبات عامة وهو يستقبل رعايا كنائس سبق اختطافهم بعد إطلاق سراحهم، في رسالة تؤكد سعي السلطات إلى احتواء الأزمة. غير أن استمرار الهجمات يعكس تحديات بنيوية تتجاوز الحلول الأمنية الآنية، وترتبط بضعف البنية التحتية الأمنية، واتساع رقعة البلاد، وانتشار السلاح، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية.

تعاون بلا مشاركة قتالية مباشرة

رغم رمزية نشر 200 جندي، تحرص واشنطن وأبوجا على التأكيد أن المهمة ذات طابع تدريبي واستشاري بحت. فالقوات الأميركية لن تشارك في عمليات قتالية مباشرة، بل ستقدم دعماً في مجالات التخطيط، وتنسيق الضربات الجوية والبرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ورفع كفاءة الوحدات النيجيرية. هذا النموذج يعكس نهجاً أميركياً يعتمد على تمكين الشركاء المحليين بدلاً من الانخراط المباشر في النزاعات.
الولايات المتحدة ترى في استقرار نيجيريا مصلحة استراتيجية، نظراً إلى ثقلها الديموغرافي والاقتصادي في أفريقيا، ودورها المحوري في غرب القارة. ومن هذا المنطلق، يشكل تعزيز القدرات العسكرية النيجيرية جزءاً من مقاربة أوسع لمكافحة الإرهاب ومنع تمدد التنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.
في المقابل، تجد نيجيريا في الدعم الأميركي فرصة لتعزيز قدراتها التقنية والاستخباراتية، في ظل تعدد الجبهات الأمنية التي تواجهها. غير أن نجاح هذا التعاون سيظل رهناً بقدرة الدولة على معالجة جذور الأزمات، سواء المرتبطة بالتهميش الاقتصادي، أو ضعف التنمية في المناطق الريفية، أو النزاعات على الموارد، وهي عوامل يرى خبراء أنها تشكل بيئة خصبة لنمو العنف المسلح.
 

تابع موقع تحيا مصر علي