عاجل
السبت 14 فبراير 2026 الموافق 26 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

النساء الحوامل في السودان.. قصص من مراكز الإيواء ومعاناة الولادة دون رعاية طبية

مأساة النساء الحوامل
مأساة النساء الحوامل في السودان

النساء الحوامل في السودان يواجهن اليوم واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في العصر الحديث؛ حيث تحولت رحلة الأمومة، التي من المفترض أن تكون رمزاً للحياة والأمل، إلى مأساة يومية محفوفة بمخاطر الموت والجوع. ومع دخول الحرب شهرها الرابع والثلاثين، لم تعد المعركة تقتصر على أصوات المدافع والرصاص فحسب، بل امتدت لتطاول الأجساد الضعيفة للأمهات والأجنة في مناطق النزاع المشتعلة من دارفور إلى كردفان وصولاً إلى النيل الأزرق.

واقع مرير تحت وطأة الحرب

حسب تقرير لموقع اندبندنت عربية، فإن الأوضاع الصحية للنساء تفاقمت بصورة مرعبة، لا سيما مع تضاؤل وسائل الرعاية الأولية والإنجابية. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى الانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي في مناطق النزاع، حيث تفتقر المستشفيات لأدنى المقومات الطبية والأدوية المنقذة للحياة. إن غياب الرعاية الصحية لم يعد مجرد نقص في الرفاهية، بل أصبح حكماً بالإعدام على الكثيرات ممن يعانين من فقر الدم الحاد، والالتهابات، وحالات النزيف التي لا تجد من يوقفها.
تشير التقارير الميدانية إلى أن النساء الحوامل في السودان اللواتي يعشن في مراكز الإيواء أو في القرى المحاصرة، يضطررن للولادة في ظروف غير صحية تماماً، مما يرفع معدلات الإصابة بحمى النفاس والتهابات المجاري التنفسية للأطفال حديثي الولادة.

أرقام صادمة وتحذيرات دولية

تضع منظمة الصحة العالمية واليونسيف أرقاماً تزلزل الضمير الإنساني؛ فثمة حوالي 8.1 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب بالسودان يحتجن إلى تدخلات عاجلة. ومن بين هؤلاء، يوجد أكثر من 803 آلاف امرأة حامل يواجهن مستقبلاً مجهولاً، مع توقعات بحدوث 1.1 مليون ولادة خلال عام 2026 في ظل نظام صحي منهك وخارج عن الخدمة بنسبة تزيد على 70% في الولايات المتأثرة بالقتال.
إن العجز التمويلي الذي يواجه المنظمات الدولية، والذي تجاوزت نسبته 65%، أدى إلى إغلاق العيادات المتنقلة وتوقف خدمات الصحة الجنسية والإنجابية. هذا الفراغ الطبي ترك النساء الحوامل في السودان فريسة للأمراض الوبائية مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، التي تنتشر بسرعة الصاروخ في معسكرات النزوح المكتظة والمفتقرة لأبسط مقومات الإصحاح البيئي.

الجوع.. القاتل الصامت للأمهات والأجنة

لا تقتصر المعاناة على غياب الدواء، بل تمتد لتشمل "المجاعة" التي بدأت تنهش في أجساد السودانيين. تروي اختصاصية التغذية ياسمين الأنصاري قصصاً تفطر القلب عن أمهات يفضلن الجوع ويمنحن الفتات المتبقي لأطفالهن، مما يؤدي إلى إصابتهن بفقر دم حاد يؤثر مباشرة على نمو الجنين.
عندما تعاني النساء الحوامل في السودان من سوء التغذية الحاد، يرتفع خطر الإجهاض التلقائي أو ولادة أطفال يعانون من تشوهات أو نقص شديد في الوزن، ما يجعل فرص بقائهم على قيد الحياة ضئيلة جداً. في دارفور وكردفان، أصبح مشهد وفاة الأم أثناء الولادة بسبب الضعف العام والنزيف الحاد مشهداً متكرراً، نتيجة فقدان العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم لتحمل مشاق المخاض.

مآسي من عمق الحصار.. كادوقلي والدلنج نموذجاً

في ولاية جنوب كردفان، وتحديداً في مدن مثل كادوقلي والدلنج، فرض الحصار الخانق من قبل القوى المتصارعة واقعاً كارثياً. تذكر الكوادر الطبية أن هناك مئات الحالات من وفيات الأمهات التي لم يتم رصدها رسمياً بسبب انقطاع الاتصالات والإنترنت وصعوبة الحركة.
الحرب لم تدمر المباني فحسب، بل دمرت سلاسل الإمداد؛ فأصبح الحصول على عبوة دم واحدة أو حقنة مضاد حيوي ضرباً من المستحيل. هذا الوضع دفع الكثير من النساء الحوامل في السودان إلى اللجوء للقابلات التقليديات في المنازل، وهو خيار محفوف بالمخاطر في ظل غياب المعينات الطبية اللازمة للتعامل مع أي مضاعفات طارئة، مما يحول الفرحة بالمولود الجديد إلى سرادق عزاء في لحظات.

نداء استغاثة: هل من مجيب؟

إن حجم الأزمة الصحية في السودان قد بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث باتت النساء والفتيات في طليعة المتأثرين بالنزاع. المطالبات الدولية تتصاعد لفتح ممرات إنسانية آمنة وتوفير تمويل عاجل يقدر بنحو 97.7 مليون دولار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن حماية النساء الحوامل في السودان ليست مجرد واجب طبي، بل هي ضرورة أخلاقية للحفاظ على نسل ومستقبل هذا البلد. فبدون تدخل دولي حازم يوفر الغذاء والدواء والرعاية الإنجابية، سيستمر عداد الموت في حصد أرواح الأمهات، تاركاً وراءه جيلاً من الأيتام ووطناً ينزف في صمت خلف جدران المستشفيات المهدمة ومراكز الإيواء البائسة.
 

تابع موقع تحيا مصر علي