الوريثة المنتظرة.. كيف تحولت عائشة القذافي إلى قوة ناعمة يخشاها خصوم الأمس؟
لم تعد عائشة القذافي مجرد اسم في أرشيف "الجماهيرية" العظمى التي طوتها رياح التغيير، بل تحولت اليوم، في فبراير 2026، إلى الرقم الأصعب في معادلة الوفاء الجماهيري والحنين إلى الماضي، خاصة بعد الزلزال السياسي الذي ضرب أركان "التيار الأخضر" والمتمثل في نبأ اغتيال شقيقها سيف الإسلام. فبينما كان العالم يترقب عودة "سيف" كمنقذ محتمل وحامل لمشعل أبيه، جاء رحيله ليعيد خلط الأوراق، ويدفع بشقيقته الوحيدة إلى واجهة العاصفة من جديد. تظهر عائشة اليوم بزيها الأسود الذي لم يفارقها منذ عقد ونصف، لا لتبكي الأطلال فحسب، بل لتقف كوريثة محتملة لإرث ثقيل من الدم والسياسة، مستندة إلى تاريخ من "القوة الناعمة" وذاكرة لا تنسى لامرأة وقفت يوماً تصرخ تحت قصف الطائرات. إنها قصة تحول دراماتيكي لابنة الزعيم التي لقبت بـ"كليوباترا ليبيا"، والتي قد تجد نفسها اليوم مضطرة لتقمص دور "القائد" بدلاً من الاكتفاء برثائه.
مخاض الألم في صحراء "جانت".. الهروب من الجحيم إلى المجهول
وبحسب تقرير موسع ومفصل نشره موقع "اندبندنت عربية"، فإن الرحلة التي قطعتها ابنة العقيد لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت فصلاً طويلاً من التغريبة الليبية الممزوجة بالخطر والموت. تعود الذاكرة إلى تلك الأيام القاسية من عام 2011، حينما تحولت طرابلس إلى ساحة حرب مفتوحة، واضطرت العائلة الحاكمة للتشتت. في تلك اللحظات الفاصلة، كانت عائشة القذافي تعيش مأساة مزدوجة؛ مأساة سقوط حكم والدها، ومأساة شخصية تمثلت في حملها بطفلتها الرابعة وهي تخوض غمار الصحراء القاحلة هرباً من الملاحقة.
تروي تفاصيل تلك الليلة هروباً درامياً برفقة والدتها صفية وشقيقيها محمد وهنيبال، عبر ممر صحراوي وعر نحو الحدود الجزائرية، تنفيذاً لأمر والدها الذي أدرك أن النهاية قد اقتربت. وفي عمق واحة "جانت" الجزائرية، وعلى بعد أميال قليلة من الوطن الذي كان يشتعل، جاءت ابنتها إلى الدنيا في ظروف استثنائية، بلا مساعدة طبية، وكأن القدر أراد أن تولد هذه الحفيدة من رحم المعاناة والشتات. لقد كان ذلك المخاض في الصحراء رمزاً لمخاض عسير ستعاني منه العائلة لسنوات طويلة، حيث فقدت عائشة في تلك الفترة زوجها الضابط أحمد القذافي، وإخوتها المعتصم بالله وخميس والساعدي، ووالدها الذي قتل بطريقة هزت العالم، لتبدأ رحلة اللجوء والبحث عن مأوى آمن لامرأة باتت وحيدة إلا من ذكرياتها وأطفالها.
تحالف "بنات الزعماء".. وفاء عابر للحدود والأنظمة
لم تكن السياسة يوماً بعيدة عن يوميات عائشة القذافي، حتى قبل أن تشتعل النيران في بلادها. فقد عرفت في الأوساط الدولية بشخصيتها القوية وثقافتها القانونية الواسعة، حيث حصلت على الماجستير في القانون الدولي من فرنسا وكانت بصدد إتمام الدكتوراه. هذا التكوين الأكاديمي دفعها في وقت سابق لتصدر المشهد الدولي كمحامية ضمن فريق الدفاع عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في خطوة فسرها مراقبون حينها بأنها رسالة تضامن عميقة بين الأنظمة التي كانت تواجه مصيراً مشابهاً.
هذا الموقف أسس لصداقة متينة وعلاقة إنسانية خاصة مع رغد صدام حسين، ابنة الرئيس العراقي. وكما استقبل معمر القذافي رغد في طرابلس ودعمها بعد مقتل والدها، لم تتأخر رغد عن رد الدين المعنوي في اللحظات الحالكة. فمع انتشار أنباء اغتيال سيف الإسلام القذافي في فبراير 2026، كانت رغد من أوائل المعزين، مستنكرة في تدوينات علنية الجريمة، ومؤكدة وقوفها إلى جانب صديقتها في المحنة. هذا التحالف غير المكتوب بين "بنات الزعماء" يعكس وجهاً آخر للمأساة، حيث تتشابه الأقدار وتتكرر سيناريوهات الفقد والمطاردة، وتتحول العلاقات الشخصية إلى ملاذ أخير في عالم تنكر فيه الحلفاء السياسيون لوعودهم القديمة.
من الدبلوماسية الناعمة إلى ريشة الغضب في موسكو
طوال سنوات حكم والدها، كان يُنظر إلى عائشة القذافي على أنها الوجه الحضاري والدبلوماسي للنظام، أو ما يعرف بـ"القوة الناعمة". كان معمر القذافي حريصاً أشد الحرص على اصطحابها في زياراته الخارجية واستقبالاته للزعماء، ليس فقط كابنة، بل كرسالة سياسية تبرز دور المرأة الليبية المتعلمة والمتحررة. إلا أن هذا الدور الدبلوماسي انتهى قسرياً مع سقوط النظام، لتدخل عائشة في عزلة طويلة، متنقلة بين الجزائر وسلطنة عمان التي منحتها حق اللجوء السياسي، حيث عاشت سنوات من الصمت الإجباري بعيداً عن العدسات.
لكن الصمت لم يكن يعني الاستسلام. ففي أكتوبر 2024، كسرت عائشة حاجز العزلة بظهور لافت في العاصمة الروسية موسكو، ليس كسياسية هذه المرة، بل كفنانة تشكيلية. اختارت عائشة توقيتاً دقيقاً لمعرضها الفني، متزامناً مع ذكرى رحيل والدها وشقيقها، لتستخدم ريشة الرسم كسلاح جديد في معركتها لاستعادة السردية التاريخية لعائلتها. اللوحات التي عرضتها لم تكن مجرد رسومات، بل وثائق بصرية تقطر دماً وألماً؛ ففي إحدى اللوحات الشهيرة، رسمت والدها وهو يغادر، بينما اختارت هي أن تقف خلفه في اللوحة، كما وقفت أمام الكاميرات في المعرض، بملامح شقراء صارمة وثوب أسود، لتبلغ العالم رسالة مفادها أنها لا تزال "الظهير" والسند، حتى بعد الموت. لقد تحولت عائشة القذافي عبر هذا المعرض من "سفيرة للنوايا الحسنة" -وهو اللقب الذي سحبته منها الأمم المتحدة- إلى "سفيرة للذاكرة"، توثق الجراح وتخاطب الضمير العالمي بلغة الفن بعد أن عجزت لغة السياسة.
الوريث الفكري.. هل تملأ عائشة فراغ "سيف الإسلام"؟
لطالما كان سيف الإسلام القذافي هو المرشح الطبيعي لخلافة والده سياسياً، نظراً لمشروعه الإصلاحي "ليبيا الغد" وحضوره الطاغي في المشهد. ولكن، مع غيابه التراجيدي، اتجهت الأنظار تلقائياً صوب عائشة القذافي، التي يرى فيها الكثير من المحللين وأنصار النظام السابق "الوريث الفكري" الحقيقي للعقيد. فهي، بحسب المقربين، الأكثر شبهاً بوالدها من حيث الكاريزما، والفصاحة، والقدرة على الخطابة، وحتى في لغة الجسد ونظرات التحدي.
يشير المراقبون، ومنهم خالد الحجازي المتخصص في العلاقات الدولية والمقرب من دوائر النظام السابق، إلى أن عائشة تمتلك مقومات القيادة التي قد تؤهلها لملء الفراغ. ورغم العوائق الاجتماعية والسياسية التي قد تعترض طريق امرأة في قيادة تيار قبلي وعسكري، إلا أن الظرف الاستثنائي الذي يمر به "تيار الخضر" قد يفرض معادلات جديدة. لقد نجحت عائشة قانونياً في عام 2021 في رفع اسمها من قوائم العقوبات الأوروبية، في انتصار قضائي مهم مهد الطريق لعودتها المحتملة إلى الحياة العامة. واليوم، تتصاعد الدعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي ومن قبل القواعد الشعبية الموالية للجماهيرية، مطالبة إياها بالتقدم للترشح للانتخابات الرئاسية، ليس فقط انتقاماً لمقتل إخوتها، بل لإحياء مشروع سياسي يرى فيه أنصاره الحل الوحيد للفوضى التي تعيشها البلاد. إنها مطالب ترى في "الدكتورة عائشة" القائد الضرورة الذي يجمع بين الشرعية التاريخية والقدرة القانونية والثقافة الواسعة.
"خطابات الشرفة".. الذاكرة الحية للصمود والتحدي
لعل الصورة الأكثر رسوخاً في أذهان الليبيين والعالم عن عائشة القذافي، هي تلك اللحظات التي عرفت بـ"خطابات الشرفة". ففي ذروة أحداث عام 2011، وحين كانت صواريخ الناتو تدك مجمع باب العزيزية، لم تختبئ الابنة الوحيدة، بل خرجت إلى الشرفة بجوار والدها، تخطب في الحشود المحتشدة، رافعة قبضتها في وجه الطائرات. لم يكن ذلك المشهد استعراضياً بقدر ما كان تعبيراً عن عقيدة قتالية ونفسية ورثتها عن أبيها، مؤكدة أنها ابنة "معمر" التي لا تفر عند الزحف.
يستحضر أنصارها اليوم هذه المشاهد كدليل قاطع على أهليتها للقيادة في الأوقات الصعبة. فإذا كانت "الخنساء" قد اشتهرت برثاء إخوتها الأربعة شعراً، فإن عائشة قد رثت إخوتها ووالدها صموداً وفناً ومواقف سياسية. يرى الكثيرون أن تلك الوقفة في الشرفة لم تكن مجرد دفاع عن نظام، بل كانت دفاعاً عن وطن من وجهة نظرها، وهو ما يمنحها اليوم مصداقية عالية في أوساط القبائل والكتائب التي لا تزال تدين بالولاء للعهد السابق. وبينما يُشبهها البعض بملكات التاريخ اللواتي قدن شعوبهن في أزمنة الانكسار، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستجيب عائشة لنداءات "الخضر" وتخرج من إطار اللوحة الفنية لترسم مستقبل ليبيا السياسي؟ أم أن إرث "كليوباترا" سيظل لعنة تطاردها، حيث المجد محفوف دائماً بالمخاطر والنهايات المأساوية؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن عائشة لم تعد مجرد "ابنة القذافي"، بل أصبحت رمزاً قائماً بذاته في المعادلة الليبية المعقدة.
- عائشة القذافي
- ليبيا
- معمر القذافي
- سيف الإسلام
- تيار الخضر
- كليوباترا ليبيا
- الخنساء
- القانون الدولي
- جامعة طرابلس
- الجزائر
- واحة جانت
- سلطنة عمان
- موسكو
- معرض فني
- رغد صدام حسين
- العراق
- اللجوء السياسي
- العقوبات الدولية
- الاتحاد الاوروبي
- الأمم المتحدة
- سفيرة النوايا الحسنة
- باب العزيزية
- خطابات الشرفة
- ثورة فبراير
- الناتو
- الانتخابات الرئاسية
- المصالحة الوطنية
- الوراثة السياسية
- القوة الناعمة
- الدبلوماسية
- القبائل الليبية
- القذاذفة
- أحمد القذافي
- فن تشكيلي
- ريشة الرسم
- اللجوء
- طرابلس
- التاريخ الليبي
- القيادة
- السياسة العربية
تطبيق نبض
