عاجل
الأحد 15 فبراير 2026 الموافق 27 شعبان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

تداعيات قرار أطباء بلا حدود.. هل تفقد مستشفيات جنوب غزة غطاءها الإنساني الدولي؟

مجمع ناصر الطبي بخان
مجمع ناصر الطبي بخان يونس

​تشهد الأوضاع الميدانية في قطاع غزة منعطفاً خطيراً يهدد بتقويض الجهود الإنسانية والسياسية الجارية، حيث أعلنت منظمة أطباء بلا حدود عن اتخاذ إجراءات استثنائية بوقف بعض أنشطتها الحيوية نتيجة تدهور الحالة الأمنية داخل المرافق الطبية. وتأتي هذه التطورات المقلقة لتسلط الضوء على التحديات الهائلة التي تواجه استمرارية العمل الطبي في ظل خروقات أمنية متكررة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي أفريقي ودولي مكثف يسعى لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار من الانهيار والدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطة التهدئة التي ترعاها الولايات المتحدة الأميركية، وسط تبادل للاتهامات بين طرفي النزاع حول المسؤولية عن تردي الأوضاع.

​تعليق الأنشطة الطبية وانتهاك حرمة المستشفيات

​وفقاً لتقرير مفصل نشره موقع "اندبندنت عربية"، فقد اضطرت منظمة أطباء بلا حدود إلى اتخاذ قرار صعب بتعليق العمليات الجراحية غير الضرورية في مجمع ناصر الطبي الواقع في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. وجاء هذا القرار الحاسم، الذي دخل حيز التنفيذ منذ العشرين من يناير الماضي، استجابةً لتقارير ميدانية مقلقة وردت من داخل المستشفى، حيث أعربت المنظمة الخيرية التي تتخذ من جنيف مقراً لها عن مخاوفها الجدية بشأن إدارة المبنى والحفاظ على حياديته في ظل انتهاكات أمنية متزايدة تهدد سلامة المرضى والكوادر الطبية العاملة في هذا المرفق الحيوي.

​وأشارت التقارير الموثقة التي استندت إليها أطباء بلا حدود إلى رصد وجود رجال مسلحين، كان بعضهم يرتدي أقنعة، يتجولون داخل أروقة المجمع الطبي وفي أقسام المستشفى خلال الأشهر القليلة الماضية. ولم يقتصر الأمر على مجرد التواجد المسلح، بل تعداه إلى وجود شبهات قوية حول استخدام مرافق المستشفى لنقل الأسلحة، وهو ما يمثل خرقاً صارخاً للقوانين الدولية التي تكفل حماية المؤسسات الصحية في مناطق النزاع. وتعتبر هذه الواقعة سابقة خطيرة، إذ تعد المرة الأولى التي تفصح فيها منظمة إنسانية دولية تعمل في القطاع بشكل علني عن وجود مظاهر مسلحة داخل المستشفيات بهذا الوضوح منذ بدء التهدئة.

​ورغم قسوة القرار وتأثيره المحتمل على الخدمات العلاجية، حرصت منظمة أطباء بلا حدود على توضيح حدود هذا التعليق عبر قسم "الأسئلة المتكررة" على موقعها الإلكتروني، مؤكدة أن الإجراء يشمل الحالات غير الحرجة فقط. وفي المقابل، يواصل الطاقم الطبي للمنظمة تقديم الخدمات المنقذة للحياة، بما في ذلك رعاية المرضى المقيمين ومتابعة الحالات الجراحية الحرجة التي لا تحتمل التأجيل، وذلك في محاولة للموازنة بين الضرورات الأمنية الملحة والواجب الإنساني تجاه الجرحى والمرضى الذين يعتمدون بشكل كلي على هذه الخدمات في ظل انهيار المنظومة الصحية المحلية.

​اعتراف رسمي بالخروقات وتعهدات بالمحاسبة

​في رد فعل رسمي على هذه التطورات التي أثارتها أطباء بلا حدود، أصدرت وزارة الداخلية التي تديرها حركة "حماس" بياناً أقرت فيه بصحة بعض المعلومات الواردة حول الخروقات الأمنية. وأوضحت الوزارة أن تحقيقاتها كشفت عن دخول أفراد مسلحين إلى عدد من المستشفيات في الفترة الأخيرة، عازية ذلك إلى تصرفات فردية نابعة من بعض العائلات الغزية، دون أن تقدم تفاصيل دقيقة حول انتماءاتهم التنظيمية أو هوياتهم المحددة، مما يشير إلى تعقيدات المشهد الداخلي وتداخل النفوذ العائلي مع الحالة الأمنية العامة في القطاع.

​وشددت الوزارة في بيانها على التزامها المبدئي والكامل بمنع أي مظاهر عسكرية داخل المؤسسات الصحية، مؤكدة أن المستشفيات يجب أن تظل مساحات آمنة ومحايدة مخصصة للعلاج فقط. وتعهدت باتخاذ إجراءات قانونية صارمة وحازمة بحق كل من يثبت تورطه في مخالفة هذه التعليمات، في مسعى لطمأنة المنظمات الدولية وضمان استمرار عملها الحيوي. ويعكس هذا التعهد محاولة السلطات المحلية احتواء الأزمة وتجنب انسحاب المزيد من المؤسسات الإغاثية التي تشكل شريان حياة للسكان المحاصرين.

​وتأتي هذه الإجراءات الحكومية في وقت تواجه فيه إدارة القطاع تحديات هائلة في ضبط الأمن الداخلي، حيث أدت الحرب الطويلة وتدمير البنية التحتية للأجهزة الشرطية إلى خلق فجوات أمنية تحاول جهات مختلفة استغلالها. ويشكل الوجود المسلح للعائلات تحدياً إضافياً يربك المشهد ويعقد مهام المنظمات الدولية التي تتطلب بيئة عمل آمنة ومستقرة، مما يضع المسؤولين في غزة أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على فرض النظام وحماية المرافق العامة من أي تغول مسلح، سواء كان فصائلياً أو عائلياً.

​تصاعد العنف وتبادل الاتهامات بخرق الهدنة

​تتزامن هذه الأزمة في المستشفيات مع تصاعد حدة التوتر الميداني وتبادل الاتهامات بين إسرائيل وحركة "حماس" بشان انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي. وقد وثقت فرق أطباء بلا حدود سلسلة من الأعمال التي وصفتها بـ "غير المقبولة" منذ سريان التهدئة، شملت عمليات ترهيب واعتقالات تعسفية طالت مرضى ومرافقين داخل المنشآت الطبية، بالإضافة إلى حوادث أمنية أخرى تشير إلى عدم احترام الأطراف المتحاربة لحرمة الأماكن المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني.

​وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة عن استمرار نزيف الدم الفلسطيني رغم الإعلان عن وقف العمليات العدائية، حيث تشير الإحصائيات إلى مقتل أكثر من 590 فلسطينياً بنيران القوات الإسرائيلية في مناطق متفرقة من القطاع منذ بدء سريان الاتفاق. وتؤكد هذه الأرقام استمرار العمليات العسكرية الموضعية والتوغلات، مما يفرغ الهدنة من مضمونها الحقيقي ويجعلها مجرد عنوان سياسي لا يعكس الواقع المأساوي الذي يعيشه السكان يومياً تحت وطأة القصف والرصاص.

​في المقابل، تتهم إسرائيل الفصائل الفلسطينية بمواصلة هجماتها العسكرية، مشيرة إلى مقتل أربعة من جنودها على يد مسلحين فلسطينيين خلال الفترة نفسها التي تغطيها الهدنة. ويستخدم كل طرف هذه الحوادث لتبرير استمرار حالة الاستنفار وتعطيل تنفيذ بنود الاتفاق، مما يخلق حلقة مفرغة من العنف والاتهامات المتبادلة التي تهدد بنسف كامل للعملية السياسية الهشة، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية عاجلة للتدخل وفرض آليات رقابة صارمة تضمن الالتزام بوقف إطلاق النار.

​حراك أفريقي ودعوات لوقف "الإبادة"

​على الصعيد الدبلوماسي الدولي، شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحركات سياسية لافتة تزامناً مع انعقاد القمة السنوية التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي، حيث تصدرت الحرب في غزة أجندة النقاشات. وفي كلمة افتتاحية قوية، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لما وصفه بـ "وقف إبادة" الشعب الفلسطيني، مستخدماً مصطلحات قانونية وسياسية حادة تعكس حجم الغضب القاري من استمرار المأساة الإنسانية في القطاع المحاصر.

​وأكد المسؤول الأفريقي الرفيع أن معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية تمثل تحدياً صارخاً للضمير الإنساني العالمي، مشدداً على ضرورة إنهاء الحصار الإسرائيلي المشدد المفروض على القطاع منذ سنوات طويلة، والذي تفاقم بشكل غير مسبوق منذ السابع من أكتوبر 2023. ويتحكم الجانب الإسرائيلي بشكل كامل في حركة الأفراد والبضائع والمساعدات الإنسانية، مما أدى إلى كارثة معيشية وصحية تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان يفتقرون لأدنى مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء ووقود.

​وتدعم الإحصائيات الأممية الموقف الأفريقي، حيث تشير البيانات التي تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة إلى مقتل ما لا يقل عن 69,513 فلسطينياً جراء القصف الجوي والبري الإسرائيلي المتواصل، وتؤكد الأرقام أن الغالبية العظمى من الضحايا هم من النساء والأطفال. ويأتي هذا الحراك الأفريقي ليشكل ضغطاً إضافياً على القوى الدولية الفاعلة، وخصوصاً الولايات المتحدة، لإعادة تقييم مواقفها والدفع بجدية نحو حل سياسي شامل ينهي الحرب ويضمن حماية المدنيين وفقاً للمواثيق الدولية.

​تعثر المرحلة الثانية وعقبات الحل السياسي

​وفي سياق الجهود السياسية لإنهاء الصراع، وجهت القيادة الفلسطينية نداءات عاجلة لإزالة العقبات التي تعترض تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام الأميركية. وطالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في كلمة ألقاها نيابة عنه رئيس الوزراء محمد مصطفى أمام القمة الأفريقية، بضرورة رفع كافة المعوقات التي تفرضها إسرائيل، متهماً إياها بمحاولة تقويض الاتفاق عبر استمرار عمليات القتل الممنهج، ومشيراً إلى أن سقوط أكثر من 500 ضحية منذ الهدنة يهدد بنسف أسس الاستقرار المطلوبة للانتقال للمرحلة التالية.

​وتنص المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ترتيبات أمنية وسياسية معقدة، تشمل انسحاباً تدريجياً للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، ونزع سلاح حركة "حماس"، ونشر قوات دولية لتحقيق الاستقرار. ورغم إبداء الحركة مرونة سياسية بقبولها التخلي عن الإدارة الحكومية للقطاع لصالح هيئة وطنية مستقلة، إلا أنها رفضت بشكل قاطع بند نزع السلاح، مما يشكل عقدة رئيسية في المفاوضات الجارية ويعطل التقدم نحو تثبيت وقف إطلاق النار الدائم.

​وفي ظل هذا الجمود، لا تزال "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، التي تضم 15 خبيراً فلسطينياً، عاجزة عن ممارسة مهامها، حيث يتواجد أعضاؤها حالياً في مصر بانتظار السماح لهم بالدخول. ورغم إعادة الفتح الجزئي لمعبر رفح في بداية فبراير، إلا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجانب الفلسطيني من المعبر يحول دون تفعيل عمل هذه اللجنة التي تم تشكيلها للعمل تحت إشراف "مجلس السلام". ويعكس هذا التعطيل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتسهيل عملية التعافي المبكر وإعادة الخدمات الأساسية للسكان الذين يدفعون ثمن الصراعات السياسية والأمنية المتشابكة.

تابع موقع تحيا مصر علي