«أن تكون مختلفاً ليس وصمة عار».. عباقرة التوحّد!
أن تكون مختلفاً ليس وصمة عار، الحكم على الآخرين بسبب اختلافهم هو الخطأ بحد ذاته، ففي الغالب الخروج عن المألوف وإن كان إجبارياً هو ما يعطي للحياة رونقها وما يجعل الشئ مميز وفريد ويعطي له لمعة كالنجمة التي تراها عندما تخطف النظر أحيانا في السماء وسط الغيوم لو بمحض الصدفة و هي تقف بمفردها تشع ضوء صغير هو تميزها عن باقي النجوم.. أن يكون البعض نجمة ليس عيباً!
المجتمع والعاهات الفكرية.. من يستأصلها؟!
حديثي هنا عن التوحد، وقلة وعي البعض في التعامل معه، بل هناك الكثيرين من الأسر والعائلات تخجل من أن تبوح علنًا بأن يكون الله (وهبها) بطفل أو طفلة لديها طيف من أطياف التوحد، وهذا التعامل الأسرى غير صحي ناتج عن المجتمع الذي لديه موروثات فكرية خاطئة عن التوحد، فتبدأ بعض الأسر بإخفاء ذلك كما لو أن وصمة عار، في حين العار الحقيقي هو (العاهات الفكرية) التي بات يتوارثها البعض عن الآخرين كما لو أنها حقيقة إلهية ثابتة غير قابلة للنقاش أو التنقيح والتعديل!
لن أخوض في تفاصيل معمقة عن الجانب الصحي للتوحد، لكن يحتم عليا أيضاً أن أقوم بتوضيح رؤية عامة تكشف نبذة عن التوحد والذي يتشكل في العديد من الأطياف، وذلك إيماناً بدور الصحفي هو البحث والتحقق ومحاولة نقل الصورة إلى القارئ في محاولة لجعله ينظر للمشهد من زاويا أخرى وأن يكون مساهم في رحلة البحث والتغيير!
نبذة عن التوحد
تعريف التوحد هو إعاقة نمائية ناتجة عن اختلافات في الدماغ، تتنوع العلامات والأعراض بشكل كبير، وتشمل صعوبات في التواصل أو التفاعل، وسلوكيات نمطية أو متكررة، أو تأخر في اللغة أو الحركة أو مهارات التعلم. وبينما يُشخّص العديد من المصابين باضطراب طيف التوحد في مرحلة الطفولة، إلا أنه يمكن تشخيص البالغين أيضاً.
وفي عام 2021 نشرت دراسة العبء العالمي للأمراض، إحصائية تشير إلى أن عدد الأشخاص المصابين بالتوحد في جميع أنحاء العالم بحوالي 61.8 مليون شخص، أو واحد من بين كل 127 شخصًا، في عام 2021، وذلك مقارنة بواحد من بين كل 271 شخصًا في عام 2019.
والتوحد يختلف حسب الفئة العمرية التي يمر بها الطفل، فعلي سبيل المثال الطفل الصغير المصاب بالتوحد ستجد الأسر أنه يقوم ببعض السلوكيات (المختلفة) مثل:
لا يتابع نظرات المتحدث إليه أو ينظر إلى الأشياء التي يشير إليها، لا يستجيب عند مناداته باسمه، لا يبحث عن والدته ليشارككها شيئًا اكتشفه. ويفضل اللعب بمفردها.
وفي سن المراهقة يكون هناك بعض السلوكيات المختلفة أيضاً ونذكر منها على سبيل المثال:
يكون هناك صعوبة في فهم ما يقصده الآخرون، لا يبادر بالتفاعلات الاجتماعية، يتواصل بصريًا بشكل ضئيل أو لا يتواصل على الإطلاق، يحَن هناك صعوبة في المزج بين الكلمات المنطوقة ولغة الجسد. كما يجد صعوبة أيضاً في بناء علاقات.
يجد صعوبة في رؤية الأمور من وجهة نظر شخص آخر، يبدو منعزلاً عند وجوده مع الآخرين.
التوحد.. والتغريد خارج السرب
وإلى جانب ذلك هناك نقاط قوة يتمتع بها المتوحد والتي تتمثل في الآتي:
الخروج عن التيار السائد، بمعنى الاختلاف هو ما يميزه ولديه القدرة على التعبير عن الرأي حتى لو كان ذلك غير شائع، كما يكون لديه القدرة على التعبير عن نفسه بصراحة وصدق، إلى جانب مهارة التواصل مع الآخرين من جميع الأعمار!
واستكمالاً للحديث، لم يخفي العديد من المشاهير حول العالم عن تجربتهم مع التوحد، وتعاملوا معه على أنه رفيقهم في حياتهم، بل وأصبحوا أيقونة في مجالهم واستطاعوا أن يكونوا مميزين و(عباقرة).
المغنية الشهيرة سيا.. لا يمكن إيقافي
وضمن هؤلاء المغنية الأسترالية سيا، صاحبة الأغنية الشهيرة Unstoppable، حيث تحدثت مغنية البوب سيا بصراحة عن تشخيص إصابتها بالتوحد في مقابلة مع برنامج "روب هاز أ بودكاست" عام 2023 ، قائلةً: "أنا مصابة بالتوحد، على مدى 45 عامًا، كنت أشعر وكأنني مضطرة للعودة إلى طبيعتي البشرية. ولم أبدأ بالشعور بنفسي تمامًا إلا في العامين الماضيين"

عندما تبوح بأسرارك المظلمة هل يتقبلك الآخرين؟!
في مقابلة أجريت عام 2023، تحدثت سيا عن تشخيصها باضطراب طيف التوحد، قائلة: "لا يمكن لأحد أن يعرفك ويحبك عندما تكون مليئًا بالأسرار... وعندما نجلس أخيرًا في غرفة مليئة بالغرباء ونخبرهم بأعمق أسرارنا وأكثرها ظلمة وخجلًا... ونشعر بأننا مرئيون لأول مرة في حياتنا على حقيقتنا، حينها يمكننا أن نبدأ بالخروج إلى العالم والتصرف كبشر... دون التظاهر بأي شيء
الناشطة البيئية جريتا تونبرج.. الاختلاف قوة خارقة!
شاركت الناشطة البيئية جريتا تونبرج تشخيص إصابتها باضطراب طيف التوحد على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2019. وكتبت على إنستجرام: "عندما يهاجم الكارهون مظهرك واختلافاتك، فهذا يعني أنهم لم يجدوا مفرًا. وحينها تعلمين أنكِ منتصرة!". وأضافت: "أعاني من متلازمة أسبرجر، وهذا يعني أنني أحيانًا أختلف قليلًا عن المألوف. وفي ظل الظروف المناسبة، يصبح الاختلاف قوة خارقة".

أنتوني هوبكنز.. الفنان العبقري
إذ كنت من محبين الموسيقى فقد يصادفك أن استمعت إلى المعزوفة الموسيقية الرائعة بعنوان "And The Waltz Goes On، وهي للممثل العالمي متعدد المواهب أنتوني هوبكنز، إذ لم يكن الممثل الحائز على جائزة الأوسكار، على دراية بتشخيصه بمتلازمة أسبرجر حتى تم تشخيصه بها (بشكل غير رسمي إلى حد ما). وفي مقابلة مع صحيفة " ديزرت صن" عام 2017، قال هوبكنز متحدثًا عن رحلته نحو التشخيص: "كانت زوجتي تحاول فهم طبيعة زوجها، فقرأت رسالة إخبارية من معالج نفسي". وقد علم أن المصابين بهذه المتلازمة "يميلون إلى الإبداع أو يعانون من إعاقات شديدة"، مشيرًا إلى أنه "لا أعرف إن كان هذا ينطبق عليّ، لكنني أعرف أنني لا أستطيع الراحة أبدًا. أميل إلى القيام بمهام متعددة في وقت واحد. أقرر أحيانًا عدم الرسم، ثم أقضي 24 ساعة في الرسم".

وقال لصحيفة صنداي تايمز عام 2025: "أنا مهووس بالأرقام، مهووس بالتفاصيل، أحب كل شيء منظمًا، وأحب الحفظ". وقال: “إنها مجرد طبيعة البشر، مليئة بالتعقيدات والألغاز والأمور التي تسكننا. مليئة بالعيوب والغرائب والجنون، إنها طبيعة الإنسان. كل هذه التصنيفات، من يهتم..”.
إيلون ماسك.. الملياردير المثير للجدل
أعلن المليادير الأمريكي إيلون ماسك في برنامج "ساترداي نايت لايف" عام 2021، عن تشخيصه بالتوحد وقال مؤسس شركتي تسلا وسبيس إكس: "أصنع التاريخ الليلة كأول شخص مصاب بمتلازمة أسبرجر يستضيف برنامج "ساترداي نايت لايف "، أو على الأقل أول من يعترف بذلك".

تحدث ماسك باستفاضة عن تجربته مع اضطراب طيف التوحد في محاضرة له على منصة TED عام 2022 ، موضحًا أن طفولته كانت "صعبة للغاية" لأنه، بالنسبة له، "لم تكن الإشارات الاجتماعية بديهية... كنتُ أفهم الأمور حرفيًا وكأن الكلمات المنطوقة تعني ما تقوله بالضبط. لكن اتضح أن هذا خطأ".
من رحم التنمر خرجت الموهبة
ورغم التنمر الذي تعرض له، وجد ماسك ملاذًا في العلوم والتكنولوجيا. وأوضح قائلًا: “وجدتُ متعةً في قضاء الليل كله في برمجة الحواسيب بمفردي. معظم الناس لا يستمتعون بكتابة رموز غريبة على الحاسوب طوال الليل بمفردهم. يعتقدون أن هذا ليس ممتعًا. لكنني كنتُ أستمتع به حقًا".
دافنشي وبيل جيتس وأينشتاين.. وتشخيصهم بالتوحد
وضمن المبدعين العباقرة في مجال الفن الذي رجح الخبراء أنهم عاشوا مع اضطراب التوحّد، الرسامان ليوناردو دافنشي وميكيلانجيلو. أمّا رجل الأعمال الأميركي بيل جيتس ومؤسسة شركة البرمجيات "ميكروسوفت"، فقد أعلن في الصفحات الأخيرة من كتابه الجديد "سورس كود"، بأمرٍ طالما افترضه من حوله: لو نشأ اليوم، لكان شُخّص باضطراب طيف التوحد.

ووجه جيتس رسالة إلى الأطفال قائلاً"أعتقد أن على الأطفال الذين يعانون من طيف التوحد أن يعتبروه قوةً، وأن يفكروا في كيفية الاستفادة منه".
وضمن العباقرة الذين يظلوا اسمهم علامة فارقة في تاريخ الإنسانية وتم تشخيصهم بالتوحد، العالم ألبرت أينشتاين حيث يرجع البعض أن صاحب نظرية النسبية، كان مصاب بالتوحد إذ أظهر صعوبة في التواصل مع الآخرين وفي التعبير عن نفسه شفهياً.
تطبيق نبض

