إيران تتحصن عسكرياً مع اتساع "فجوة" المفاوضات النووية مع واشنطن
نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤول إيراني قوله إن طهران تخشى من وصول المفاوضات النووية مع واشنطن إلى طريق مسدود، معتبراً أن الفجوة بين مطالب الجانب الأمريكي وما يمكن أن تقدمه إيران باتت "غير قابلة للتدارك".
ودفع هذا التقييم المتشائم للأفق الدبلوماسي القيادة الإيرانية إلى إطلاق استنفار عسكري وعمليات تحصين هندسي واسعة، لمواجهة ما وصفته بأنه أكبر تهديد لبقاء النظام منذ عقود.
وبحسب الصحيفة، تسابق طهران الزمن للاستعداد لخيار الحرب في حال فشل المحادثات، بالتوازي مع جهودها الرسمية للتوصل إلى اتفاق. وشملت الإجراءات الإيرانية تعزيز فرص النجاة من أي هجوم محتمل عبر إعادة نشر القوات، وتوزيع صلاحيات اتخاذ القرار، وتحصين المنشآت النووية.
وتأتي هذه التحركات الميدانية رغم إعلان وزير الخارجية الإيراني عن إحراز تقدم في المحادثات، في حين أكد نائب الرئيس، جي دي فانس، أن المقترحات المقدمة من طهران لا تزال دون "الخطوط الحمراء" التي وضعتها الولايات المتحدة.
مواجهة تهديدات "قطع الرأس"
تعكس التحركات العسكرية الإيرانية الأخيرة قناعة متزايدة لدى قادة النظام بأن بقاء الجمهورية الإسلامية بات على المحك، في وقت تواجه فيه البلاد هشاشة داخلية غير مسبوقة ناتجة عن التدهور الاقتصادي والاحتجاجات الشعبية.
ووضعت إيران قيادتها الأمنية والسياسية في حالة تأهب قصوى لمنع محاولات الاغتيال الممنهجة، أو ما يُعرف بضربات "قطع الرأس". ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن المحلل فرزان ثابت قوله إن إيران تواجه حالياً "أسوأ تهديد عسكري لها منذ عام 1988".
ولضمان استمرارية القيادة في حال التعرض لهجوم، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إحياء استراتيجية "الدفاع الفسيفسائي"، التي تمنح القادة الميدانيين استقلالية واسعة في إصدار الأوامر لوحداتهم بعيداً عن المركزية.
من جانبه، أكد علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي، في مقابلة مع قناة "الجزيرة"، أن بلاده راجعت نقاط ضعفها وعالجتها، مشدداً بالقول: "إذا فُرضت الحرب علينا، فسنرد".
استعراض القوة ومراقبة الممرات المائية
ميدانياً، تستعرض إيران قوتها العسكرية عبر نشر وحدات بحرية وصواريخ كروز في مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية. وأكد علي رضا تنكسيري، قائد بحرية الحرس الثوري، أن الممر المائي بات تحت مراقبة مستمرة.
وتزامن هذا النشاط مع وصول سفينة حربية روسية إلى ميناء بندر عباس لإجراء مناورات مشتركة بالقرب من موقع حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن".
ووجه المرشد الأعلى علي خامنئي رسالة حادة يوم الثلاثاء قائلاً: "الأخطر من السفينة الحربية الأمريكية هو السلاح الذي يمكنه إرسالها إلى قاع البحر".
كشفت حرب الأيام الاثني عشر التي خاضتها إسرائيل في حزيران الماضي عن ضعف العسكرية الإيرانية ومحدودية حلفائها من الميليشيات الإقليمية مثل حزب الله في لبنان. لكنها منحت إيران أيضاً الفرصة لاختبار وصقل تكتيكاتها الحربية، وتحسين معدل إصابة صواريخها بعيدة المدى مع استمرار الحرب.
وتمتلك طهران ما يقدر بنحو 2000 صاروخ باليستي متوسط المدى يمكنها ضرب أهداف بعيدة مثل إسرائيل.
كما تمتلك مخزونات كبيرة من الصواريخ قصيرة المدى القادرة على الوصول إلى القواعد الأمريكية في الخليج والسفن في مضيق هرمز، إلى جانب مخزونات كبيرة من صواريخ كروز المضادة للسفن وزوارق الطوربيد.
ووفقاً لوسائل الإعلام الرسمية، اختبرت إيران أنظمة دفاعها الجوي في سلسلة حديثة من المناورات التي ركزت على الاستجابة لهجمات محتملة بالطائرات المسيرة والصواريخ على مواقع حساسة، بما في ذلك المواقع النووية.
وصرح علي نصيري، وهو مسؤول في إدارة الأزمات، لوسائل الإعلام الحكومية في أواخر يناير بأن بلدية طهران حددت محطات المترو ومواقف السيارات ومواقع أخرى يمكن أن تكون بمثابة ملاجئ من القنابل، وقد انتقد إيرانيون الحكومة لفشلها في توفير الملاجئ لهم في يونيو الماضي.
تحصين المواقع النووية
أجرت إيران أيضاً أعمالاً في مواقعها النووية لحمايتها بشكل أفضل من الضربات، وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي نشرها وحللها "معهد العلم والأمن الدولي"، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن.
وتظهر الصور أن طهران تقوم بتقوية وتحصين مداخل الأنفاق في موقعها بأصفهان -حيث يُعتقد أن إيران احتفظت بالكثير من اليورانيوم عالي التخصيب والذي تضرر بشدة جراء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو الماضي- وفي مجمع أنفاق عميق تحت الأرض فيما يعرف باسم "جبل بيكاس".
ولم تستهدف الولايات المتحدة أو إسرائيل أنفاق "بيكاس" الصيف الماضي، والتي يقول مسؤولون غربيون إن إيران تعمل عليها منذ سنوات.
ويعتقد مسؤولون غربيون وإسرائيليون أن إيران كانت تطور الأنفاق للقيام بأعمال نووية غير معلنة، بما في ذلك احتمال تخصيب اليورانيوم. وتظهر الصور في "بيكاس" حركة آليات تشمل شاحنات قلابة وخلاطات إسمنت ورافعات لصب الخرسانة والصخور والأتربة على مداخل الأنفاق.
وذكر المعهد في تقرير له أن العمل مصمم لـ "تخفيف أثر أي غارات جوية محتملة، وأيضاً لجعل الوصول البري في غارة للقوات الخاصة للاستيلاء على أي يورانيوم عالي التخصيب قد يكون مخزناً بالداخل أو تدميره أمراً صعباً".
كما وجد المعهد أن إيران بنت مؤخراً غلافاً خرسانياً فوق مبنى في موقع "بارشين" العسكري، حيث أجرت إيران أعمالاً مرتبطة بالنشاط النووي، وكانت إسرائيل قد قصفت الموقع في عام 2024.
تطبيق نبض