عاجل
الأربعاء 25 فبراير 2026 الموافق 08 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

خطة الفيفا في غزة.. استادات عالمية فوق أنقاض الطموحات الأساسية

غزة
غزة

​بدأت ملامح التناقض الصارخ تظهر في أفق قطاع غزة حين أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم عن خطة الفيفا لإعادة إعمار القطاع كروياً. هذه الخطة التي جاءت في توقيت يصارع فيه الغزيون من أجل البقاء، أثارت موجة عارمة من الجدل الشعبي والسياسي. فالناس الذين يفترشون الطين في خيام مهترئة وجدوا أنفسهم أمام وعود ببناء صروح رياضية عملاقة لا تسمن ولا تغني من جوع في واقعهم المرير.

​يستند المشروع الدولي الذي تقوده الفيفا إلى ميزانية ضخمة تهدف لترميم ما دمرته الآلة العسكرية في الملاعب والأندية المحلية بقطاع غزة. وتأتي خطة الفيفا لترسم ملامح مستقبل رياضي وردي في منطقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة من ماء ودواء وسكن. هذا التباين جعل من إعلان جياني إنفانتينو مادة دسمة للسخرية السوداء بين النازحين الذين يحلمون بجدار يحميهم قبل مدرج يهتفون فيه.

​تتزامن هذه التحركات الرياضية مع نذر تصعيد عسكري غير مسبوق في المنطقة يلوح في الأفق القريب والبعيد معاً. حيث تشير التقارير السياسية إلى احتمالية نشوب حرب أمريكية إيرانية مرتقبة قد تغير موازين القوى في الشرق الأوسط برمته. وفي ظل هذا التوتر العالمي، تبدو خطة الفيفا وكأنها تغرد خارج السرب، متجاهلة احتمالية تحول المنطقة مرة أخرى إلى ساحة صراع كبرى تحرق الأخضر واليابس.

تطلعات دولية وسط ركام المنازل المهدمة

​في قلب مخيمات النزوح، يمسك المواطن دياب بجهازه اللاسلكي ليسمع أخبار العالم التي تبدو أحياناً وكأنها قادمة من كوكب آخر تماماً. لقد صدم دياب حين سمع عن تخصيص ملايين الدولارات لبناء استاد وطني بينما تتسرب مياه الأمطار إلى فراش أطفاله الصغار. إن خطة الفيفا بالنسبة له ليست سوى استعراض دولي يتجاهل صرخات الجوعى والمكلومين الذين يبحثون عن كفاف يومهم وسط الأنقاض المتراكمة.

​يرى السكان أن الحديث عن ملاعب مكيفة وأكاديميات كروية متطورة يمثل قمة الانفصال عن الواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشونه. فبينما تقترح خطة الفيفا بناء 50 ملعباً مجتمعياً، يتساءل الأهالي عن مصير المدارس والمستشفيات التي خرجت عن الخدمة تماماً. إن الأولويات المقلوبة في هذا المشروع تثير تساؤلات مشروعة حول جدوى صرف هذه المبالغ الضخمة في قطاع رياضي بينما ينهار القطاع الصحي بالكامل.

​تعكس الردود الشعبية الغاضبة فجوة عميقة بين ما يخطط له المجتمع الدولي وما يحتاجه الإنسان البسيط في زقاق غزة. حيث يرى الكثيرون أن خطة الفيفا يجب أن تكون جزءاً من حزمة إعمار شاملة تبدأ بكرامة الإنسان أولاً. فالرياضة رغم أهميتها كأداة للتعافي، لا يمكن أن تسبق حق الفرد في الحصول على مسكن آمن يوفر له الحماية من تقلبات الجو القاسية والنزوح المستمر.

تفاصيل المشروع الرياضي والتحديات الميدانية الكبرى

​تتضمن المبادرة التي أعلنها إنفانتينو بناء استاد وطني ضخم بسعة 25 ألف متفرج ليكون أيقونة للرياضة الفلسطينية في القطاع. وتطمح خطة الفيفا من خلال هذا الاستاد إلى توفير منصة عالمية تليق بالمنتخبات الوطنية الفلسطينية وتعزز الهوية الرياضية. لكن هذا الطموح يصطدم بواقع تقني ولوجستي معقد، حيث الطرق المدمرة وشبكات الكهرباء المنهارة التي لن تسمح بتشغيل مثل هذه المنشآت الضخمة بكفاءة.

​إلى جانب الاستاد، تهدف الخطة لتوزيع خمسة ملاعب قانونية على محافظات القطاع لتمكين الأندية من العودة لممارسة نشاطاتها الرياضية المتوقفة. كما تشمل خطة الفيفا إنشاء أكاديمية متخصصة لتطوير المواهب الشابة، يدمج فيها التعليم بالتدريب الرياضي الاحترافي لضمان مستقبل أفضل للناشئين. ويرى القائمون على المشروع أن هذه الخطوة ستوفر فرص عمل لآلاف الشباب العاطلين عن العمل في غزة نتيجة الحصار والحرب.

​رغم هذه التفاصيل البراقة، تظل قضية استدامة هذه الملاعب محل شك كبير في ظل الحصار الاقتصادي الخانق المفروض على غزة. فالملاعب تحتاج لعمليات صيانة دورية وموارد مائية وكهربائية ضخمة، وهي موارد غير متوفرة حالياً للسكان العاديين في بيوتهم. لذا يعتبر البعض أن خطة الفيفا قد تتحول إلى مجرد مبانٍ صامتة وشواهد على عجز المجتمع الدولي عن حل الأزمات الجوهرية والأساسية للسكان.

تسييس الرياضة وظلال الحرب الإقليمية المرتقبة

​لا يمكن فصل المشاريع الرياضية الدولية عن السياق السياسي المعقد الذي يحيط بالقضية الفلسطينية في هذا التوقيت الحساس جداً. فقد أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حماسة لافتة لهذه المشاريع، واصفاً مستقبل غزة بالمنطقة الريفية الفاخرة التي ستجذب الاستثمارات العالمية. لكن هذا الخطاب السياسي يراه الغزيون محاولة لتجميل الواقع المرير والقفز فوق الجراح العميقة التي لم تندمل بعد في قلوبهم.

​في المقابل، تبرز التحذيرات من أن المنطقة تقف على فوهة بركان نتيجة التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران في الآونة الأخيرة. وتتزايد التوقعات حول انفجار مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية مرتقبة قد تجعل من إعمار غزة مجرد حلم بعيد المنال وصعب التحقيق. وفي حال وقوع مثل هذا الصراع، فإن كافة المشاريع الدولية، ومنها خطة الفيفا، ستكون مهددة بالتوقف أو الدمار نتيجة تمدد رقعة العمليات العسكرية.

​تخشى القيادات الرياضية الفلسطينية أن تكون هذه الوعود مجرد "حقنة تخدير" سياسية تهدف لصرف الأنظار عن المطالبة بمحاسبة الجهات المسؤولة عن الدمار. فالمطالبة بتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي تظل قائمة كأولوية وطنية تسبق قبول أي مساعدات مالية أو مشاريع إعمار رمزية. إنهم يرفضون أن تكون خطة الفيفا وسيلة لتبييض المواقف السياسية الدولية على حساب دماء الرياضيين الذين قضوا خلال العمليات العسكرية المستمرة.

صرخات من قلب المخيم والبحث عن أولويات البقاء

​تحدثت الأم وفاء بحرقة عن رغبتها في رؤية ابنها يتعلم القراءة والكتابة في مدرسة حقيقية بدلاً من تعلم تسجيل الأهداف. فهي ترى أن الملاعب ليست هي ما يحتاجه الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية ومن صدمات نفسية عميقة تتطلب علاجاً طويلاً. إن صرخة وفاء تعبر عن آلاف الأمهات اللواتي يجدن في خطة الفيفا نوعاً من الرفاهية المستفزة التي لا تتناسب مع حجم المأساة والفقر.

​تحول الجدل حول الملاعب إلى مادة للسخرية السوداء في الأسواق الشعبية، حيث يتندر الناس بفرص الحصول على "تذاكر VIP" بينما يبحثون عن الطحين. ويؤكد الغزيون أن الحق في الحياة والأمان الصحي والغذائي يجب أن يتصدر أي أجندة دولية تحاول التدخل في شؤون القطاع. فالرياضة هي ثمرة للاستقرار، ولا يمكن غرسها في أرض لا تزال تهتز تحت وطأة القصف والفقر والنزوح المستمر للسكان.

تابع موقع تحيا مصر علي