روسيا والصين في المواجهة.. رهانات طهران في ظل التصعيد مع واشنطن
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتصدر روسيا والصين المشهد بوصفهما ركيزتين في الحسابات الإيرانية مع تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة.
فمع تزايد الحديث في واشنطن عن “صفقة نووية أفضل” مقرونة بالتهديد والضغط، تمضي طهران في تعميق اصطفافها الشرقي، مستندة إلى شراكات طويلة الأمد مع روسيا والصين تراها ضمانة لرفع كلفة أي مواجهة محتملة ومنع عزلتها الكاملة.
حسب تقرير لوكالة رويترز، فإن التعاون العسكري بين طهران وبكين شهد خلال الأشهر الأخيرة تطورات وُصفت بالدراماتيكية، مع اقتراب إتمام صفقات تسلح نوعية قد تؤثر مباشرة في ميزان الردع بالخليج. وأشارت الوكالة إلى محادثات متقدمة بشأن صواريخ صينية مضادة للسفن ومنظومات دفاع جوي وأسلحة متطورة، في مسار يعكس تعاظم الرهان الإيراني على روسيا والصين.
في المقابل، نقلت الجزيرة نت عن الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار قوله إن أي تحالف محتمل بين موسكو وبكين وطهران سيحمل طابعا إستراتيجيا لكنه محدود، موضحا أن روسيا والصين تنظران إلى إيران باعتبارها ثقلا موازنا للنفوذ الأمريكي في غرب آسيا، دون أن يعني ذلك استعدادا لخوض حرب مباشرة دفاعا عنها.
رهان محسوب على دعم تحت عتبة الحرب
تستند القراءة الإيرانية إلى فرضية أن روسيا والصين لن تدخلا في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة، لكنهما ستقدمان دعما سياسيا ودبلوماسيا وتقنيا يرفع كلفة أي هجوم. هذا التصور يقوم على مفهوم الردع غير المتماثل، حيث يتحول الغطاء الدولي والتعاون الاستخباري إلى أدوات فعالة لمنع الحسم السريع.
ويرى دهقاندار، في حديثه للجزيرة نت، أن سقوط النظام الإيراني أو وقوع موارده النفطية تحت هيمنة واشنطن يمثل خطا أحمر في حسابات موسكو وبكين، نظرا لما يحمله ذلك من انعكاسات على توازنات الطاقة والنفوذ. ومع ذلك، يؤكد أن الدعم سيبقى ضمن حدود لا تفتح الباب أمام صدام مباشر بين القوى الكبرى.
بالنسبة للصين، يشكل أمن الطاقة أولوية استراتيجية، فهي من أكبر مستوردي النفط الإيراني، ما يجعل استقرار الإمدادات مسألة حيوية لاقتصادها.
ووفق تقديرات أوردتها رويترز، فإن بكين قد تلجأ إلى أدواتها الدبلوماسية والمالية لضمان استمرار الشرايين الاقتصادية لطهران في زمن الأزمات، مع السعي للالتفاف على القيود المفروضة على حركة التجارة البحرية.
أما موسكو، فتقرأ أي انشغال أمريكي في الشرق الأوسط من زاوية تأثيره على جبهات أخرى، خصوصا أوكرانيا. ويرجح محللون أن تفضل روسيا صراعا طويلا ومكلفا لواشنطن، مع تقديم دعم استخباري ولوجستي لإيران دون الانخراط رسميا في ساحة القتال، وهو ما ينسجم مع طبيعة العلاقة بين روسيا والصين من جهة وطهران من جهة أخرى.
صفقات السلاح وتغيير قواعد الاشتباك
أفادت رويترز بأن إيران باتت قريبة من الحصول على صواريخ “سي إم-302” الصينية المضادة للسفن، وهي صواريخ أسرع من الصوت يصل مداها إلى نحو 290 كيلومترا، ومصممة لتفادي أنظمة الدفاع البحري. مثل هذه القدرات قد تعزز موقع إيران في معادلة الردع البحري، وتضاعف التحديات أمام الأساطيل الأمريكية في الخليج.
ولم تقتصر المحادثات، بحسب الوكالة، على هذه الصواريخ، بل شملت أنظمة صواريخ أرض-جو محمولة على الكتف وقدرات مضادة للأقمار الصناعية، في إشارة إلى سعي طهران لسد الثغرات التي كشفتها المواجهات الأخيرة في المنطقة. وتضع هذه التطورات اسم روسيا والصين في قلب أي نقاش حول مستقبل التوازن العسكري في الخليج.
على المسار الروسي، كشفت صحيفة فايننشال تايمز عن وثائق مسربة تتضمن طلبا إيرانيا لمنظومات دفاع جوي روسية بقيمة تقارب 500 مليون يورو، عقب انتهاء حرب الأيام الاثني عشر. كما أظهرت بيانات موقع FlightRadar24 تكرار رحلات شحن روسية إلى طهران خلال فترة التصعيد، في نمط لوجستي لافت.
هذه المؤشرات، وإن لم تُترجم إلى إعلان رسمي عن تحالف عسكري، تعكس مستوى من التنسيق يتجاوز التعاون التقليدي. ومع ذلك، يؤكد خبراء أن روسيا والصين تحرصان على إبقاء دعمهما في إطار يمكن إنكاره دبلوماسيا، تفاديا للانجرار إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
الشراكات طويلة الأمد كغطاء قانوني
في مارس 2021، وقعت طهران وبكين مذكرة تفاهم للشراكة الإستراتيجية لمدة 25 عاما، تشمل الطاقة والبنية التحتية والاستثمار والتعاون الأمني. هذا الاتفاق أرسى إطارا مؤسسيا للعلاقة بين إيران وروسيا والصين، يمنحها بعدا يتجاوز الحسابات الآنية للأزمات.
أما على المسار الروسي، فقد دخلت معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين موسكو وطهران حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، بعد توقيعها من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان. وتمتد المعاهدة لعشرين عاما، وتشمل التنسيق في مجالات الأمن والاستخبارات والطاقة والتقنية.
هذه الاتفاقيات توفر أرضية قانونية لتوسيع التعاون في أوقات التوتر، لكنها لا ترقى إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم. ومن ثم، فإن إيران لا تتوقع “مظلة نووية” أو تدخلا عسكريا مباشرا من روسيا والصين، بل تراهن على صمام أمان سياسي واقتصادي يمنع عزلتها الكاملة.
ساحة تنافس دولي مفتوح
في توصيف لحدة الاستقطاب، نقلت رويترز عن مسؤول مطلع أن إيران تحولت إلى ساحة صراع بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. هذا الوصف يلخص طبيعة المرحلة، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والأمن البحري والتوازنات الجيوسياسية في مساحة جغرافية واحدة.
القيادي السابق في الحرس الثوري حسين كنعاني مقدم قال، في تصريح للجزيرة نت، إن الاتفاقيات الممتدة مع موسكو وبكين تفرض عليهما عدم الوقوف مكتوفتي الأيدي إذا اندلعت حرب واسعة، خصوصا في منطقة الخليج التي تعد شريانا رئيسيا للطاقة العالمية. لكنه أقر ضمنيا بأن شكل التدخل سيظل رهنا بحسابات كل طرف.
وفي خلفية المشهد الدولي، تواجه الولايات المتحدة أزمات داخلية متلاحقة، من بينها تداعيات الحرب في أوكرانيا والانقسام السياسي. كما أثارت قضية رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، الذي وُجهت إليه اتهامات بإدارة شبكة استغلال جنسي قبل وفاته عام 2019، جدلا واسعا حول ثقة الرأي العام بالمؤسسات، في ملف ما زالت تداعياته السياسية والإعلامية حاضرة.
ورغم أن قضية إبستين منفصلة عن التوتر مع إيران، فإن تراكم الضغوط الداخلية قد يؤثر في حسابات أي إدارة أمريكية عند تقدير كلفة الانخراط في مواجهة جديدة.
في هذا السياق، تبدو روسيا والصين عاملين أساسيين في معادلة الردع، سواء عبر صفقات السلاح أو عبر الحضور في مجلس الأمن.
في المحصلة، تكشف التطورات أن طهران تبني إستراتيجيتها على توزيع أدوار واضح: الاعتماد على قدراتها الذاتية في الميدان، والاستفادة من الغطاء السياسي والاقتصادي الذي توفره روسيا والصين في الكواليس. إنها شراكة زمن السلم، ودعم من الخلف زمن الحرب، ضمن معادلة دقيقة تحاول منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع إبقاء كلفة أي تصعيد مرتفعة إلى الحد الذي يفرض إعادة الحسابات على جميع الأطراف.
تطبيق نبض
