عاجل
السبت 28 فبراير 2026 الموافق 11 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

مضيق هرمز.. حبل المشنقة الإيراني حول عنق الاقتصاد العالمي

مضيق هرمز
مضيق هرمز

​تتجه أنظار العالم اليوم برعب مشوب بالحذر نحو الممر المائي الأكثر تأثيراً في استقرار الاقتصاد الكوني حيث يبرز مضيق هرمز كأخطر ورقة ضغط في يد طهران لمواجهة الضغوط العسكرية المتزايدة. إن هذا الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه بضع كيلومترات يحمل في مياهه أمن الطاقة العالمي ومستقبل النمو الاقتصادي للدول الكبرى والصغرى على حد سواء في ظل تسارع وتيرة التهديدات المتبادلة.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" فإن السيناريوهات المرعبة بدأت تلوح في الأفق مع تكثيف الهجمات العسكرية على الأهداف الإيرانية الحيوية مؤخراً. ويرى المتخصصون أن لجوء إيران لاستخدام سلاح مضيق هرمز سيمثل زلزالاً يضرب أسواق النفط والغاز العالمية وتجارة المواد الخام والغذاء التي تعبر عبر بحر العرب وقناة السويس في ترابط وثيق ومقلق.

​لطالما كان تاريخ العلاقات الإيرانية مع الغرب مبنياً على حافة الهاوية حيث تستخدم طهران موقعها الجغرافي المتميز للإشراف على مضيق هرمز كأداة للردع الاستراتيجي ضد العقوبات القاسية. وتعود جذور هذا الصراع إلى عقود طويلة من الطموحات النووية والنفوذ الإقليمي الذي جعل من الممرات المائية ساحة خلفية لتصفية الحسابات السياسية الكبرى التي تهدد بإشعال فتيل حرب إقليمية واسعة النطاق.

​تدفقت مياه الخليج لسنوات حاملة معها خمس الاستهلاك العالمي من النفط الخام ومشتقاته وهو ما يجعل من مضيق هرمز رئة يتنفس من خلالها الاقتصاد العالمي المنهك أصلاً. ومع عبور أكثر من عشرين مليون برميل يومياً من هذا الممر تدرك العواصم الكبرى في واشنطن وبكين وبروكسل أن أي تعطل في الحركة الملاحية سيعني دخول العالم في نفق مظلم من الركود التضخمي.

خنق الملاحة الدولية وسيناريوهات الانتحار الاقتصادي

​تبدو التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق المضيق هذه المرة أكثر جدية من أي وقت مضى مع تحرك القطع البحرية التابعة للحرس الثوري للقيام بمناورات "السيطرة الذكية". إن هذه المناورات تهدف لإرسال رسالة واضحة مفادها أن مضيق هرمز لن يكون آمراً للجميع إذا لم تنعم إيران بالأمن وهو ما يضع التجارة الدولية في مأزق أخلاقي وعملي أمام تعنت القوى المتصارعة.

​تشير التقديرات المالية الحديثة إلى أن أسعار النفط قد تقفز لمستويات تتراوح بين مئة وعشرة دولارات للبرميل في حال حدوث أدنى اضطراب في مضيق هرمز الاستراتيجي. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم بل هو شرارة ستحرق خطط البنوك المركزية التي تحاول جاهدة ترويض معدلات التضخم العالمية التي بلغت مستويات قياسية نتيجة الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التي تضرب القارة العجوز وآسيا.

​إن فقدان ثلاثة في المئة من الإمدادات العالمية نتيجة تعطل الإنتاج الإيراني يمثل صدمة كبرى لكن الكارثة الحقيقية تكمن في توقف عبور ناقلات الدول الأخرى. سيؤدي ذلك إلى استجابة سعرية فورية وعنيفة تجعل من مضيق هرمز بؤرة للغلاء العالمي حيث يتوقع المحللون ارتفاعاً في الأسعار بنسبة تصل إلى خمسة عشر في المئة كحد أدنى بمجرد إعلان حالة الطوارئ البحرية.

​لا تتوقف المعاناة عند حدود براميل النفط بل تمتد لتطاول أسواق الغاز الطبيعي المسال التي تعتمد عليها أوروبا بشكل متزايد بعد انقطاع الغاز الروسي التقليدي. إن توقف الشحنات القطرية العابرة من مضيق هرمز لمدة تسعين يوماً سيؤدي إلى تضييق حاد في الميزان الطاقي العالمي ويشعل منافسة شرسة بين الأسواق الآسيوية والأوروبية للحصول على ما تبقى من إمدادات مرنة ومكلفة.

صراع النفوذ بين واشنطن وبكين في الممرات المائية

​يعتقد الخبراء في الاقتصاد السياسي أن الشرق الأوسط لا يزال يشكل العقدة الحيوية للتجارة العالمية بفضل مساراته البحرية الاستراتيجية التي يتصدرها مضيق هرمز الحساس للغاية. وتتعزز مكانة هذه المنطقة كساحة محورية لتوازن القوى بين الولايات المتحدة التي تسعى للهيمنة والصين التي تبحث عن تأمين خطوط إمدادها الحيوية اللازمة لنمو ماردها الصناعي الضخم في مواجهة الغرب.

​يرى المحلل مدحت الشريف أن الخسارة الناجمة عن أي صدام عسكري ستطاول الجميع دون استثناء بما في ذلك حلفاء إيران الاستراتيجيون مثل الصين وروسيا. فبكين التي تعتمد على النفط الإيراني ترى في تهديد مضيق هرمز خطراً مباشراً على أمنها القومي خاصة وأن مسارات طريق الحرير الصيني تمر عبر هذه النقاط الجغرافية المعقدة التي تتحكم في تدفقات المواد الخام والطاقة.

​تندرج المحاولات الأمريكية لإعاقة المبادرات الاقتصادية الصينية ضمن إطار أشمل للصراع الجيوسياسي الذي يتخذ من مضيق هرمز ساحة لاستعراض القوة وفرض الإرادات الدولية المختلفة. فالولايات المتحدة تدرك أن السيطرة على هذا الممر أو حتى تأمين الملاحة فيه يمنحها ميزة استراتيجية في التحكم ببوصلة الاقتصاد العالمي وتوجيه الضغوط نحو منافسيها في الشرق الأقصى الذين يراقبون الموقف بحذر.

انفجار تكاليف الشحن وتأمين الناقلات العملاقة

​يرى المتخصص عبدالمنعم السيد أن التأثيرات المحتملة لأي إغلاق ستشمل قطاع التأمين البحري الذي قد يشهد قفزات جنونية في الأقساط تتجاوز الخمسين في المئة تقريباً. إن هذا الارتفاع سيعني بالضرورة زيادة مباشرة في فواتير استيراد الغذاء والمواد الأولية مما يضع ضغوطاً هائلة على العملات المحلية للدول النامية التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وهيكلية حادة ومستمرة.

​تؤكد تقارير شركات الشحن العالمية مثل "ميرسك" أن المخاطر الأمنية بدأت تدفع السفن بالفعل لتغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح هرباً من التوترات المحيطة. هذا الالتفاف يضيف تكاليف باهظة وزمن وصول أطول مما يعطل سلاسل الإمداد ويجعل من مضيق هرمز نقطة اختناق تسبب أزمة في توافر السلع بالأسواق العالمية التي بدأت تشعر فعلياً بوطأة هذه القيود غير المتوقعة.

​على صعيد أسواق المال والمستثمرين يرجح الخبراء خروجاً سريعاً للاستثمارات الأجنبية من السندات الحكومية نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار الأمريكي تحسباً لاندلاع المواجهة. إن الهروب الكبير لرؤوس الأموال سيزيد من الضغط على أسعار الصرف ويرفع كلفة التمويل الخارجي مما يجعل من أزمة مضيق هرمز سبباً في تعثر العديد من الاقتصادات الناشئة عن سداد ديونها السيادية المرهقة.

​يواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً وجودياً في أمن الطاقة نظراً لاعتماده المتزايد على غاز الخليج العربي منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية وفرض العقوبات على موسكو. وأي اضطراب في مضيق هرمز سيهدد مخزونات الغاز الأوروبية ويدفع الأسعار لمستويات غير مسبوقة مما قد يؤدي لإغلاق مصانع كبرى في القارة العجوز نتيجة عدم القدرة على تحمل تكاليف الطاقة العالية جداً والمستمرة في الصعود.

موازين الردع وكلفة المغامرة العسكرية في الخليج

​لا تزال الصورة الضبابية تحكم المشهد مع تسارع الأحداث الميدانية وتزايد احتمالات الخطأ غير المحسوب الذي قد يشعل المنطقة بأكملها في لحظة واحدة ومفاجئة. ويبقى مضيق هرمز هو الاختبار الأخطر في معادلة الردع المتبادل حيث يدرك الجميع أن الصدمة الاقتصادية الناتجة عن إغلاقه لن تتوقف عند حدود جغرافية بل ستكون بمثابة تسونامي مالي يضرب بورصات العالم قاطبة.

​تتحرك الدبلوماسية الدولية في غرف مغلقة لمحاولة نزع فتيل الأزمة وتجنب السيناريو الأسوأ الذي يتمثل في إغلاق مضيق هرمز لفترة زمنية طويلة قد تمتد لأشهر. فالأسواق العالمية تترقب بحذر شديد أي إشارة لتهدئة أو تصعيد مدركة أن البقعة الجغرافية الضيقة هي التي ستقرر مصير الرفاهية العالمية والنمو الاقتصادي في العقد القادم المليء بالتحديات والتحولات الجذرية.

​إن التاريخ يعلمنا أن مضيق هرمز لم يغلق تماماً حتى في أحلك ظروف الحرب العراقية الإيرانية ولكن المعطيات الحالية تشير إلى تغير في قواعد الاشتباك الاستراتيجي. فإيران التي تشعر بأنها محاصرة قد تجد في تعطيل الملاحة وسيلتها الوحيدة لفرض شروطها على المجتمع الدولي مما يجعل العالم أجمع رهينة لقرار قد يتخذ في لحظة غضب أو يأس سياسي وعسكري مطبق.

​في الختام يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة القوى الكبرى على تأمين هذا الشريان الحيوي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة ومدمرة للجميع. وسيبقى مضيق هرمز عنواناً للأزمات الكبرى ومؤشراً حقيقياً لمدى هشاشة النظام الاقتصادي العالمي الذي يعتمد في بقائه على ممر مائي تحيط به النيران من كل جانب وتتقاذفه أمواج السياسة والمطامع الدولية التي لا تنتهي أبداً.

تابع موقع تحيا مصر علي