عاجل
الأحد 01 مارس 2026 الموافق 12 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

ما بعد خامنئي: ومستقبل النظام الإيراني

تحيا مصر

يثير مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي سلسلة من التساؤلات الجوهرية التي تشكّل مدخلًا لأي تحليل رصين: من سيخلفه في قمة هرم السلطة؟ إلى أي مدى سيؤثر غيابه في التوازن بين المرجعية الدينية ومراكز القوة المؤسسية داخل الدولة؟ متى وكيف ستُدار المرحلة الانتقالية في ظل اشتباك إقليمي مفتوح؟ أين ستتجه سياسات إيران الخارجية وبرنامجها النووي وشبكة تحالفاتها؟ ولماذا يُعد هذا الحدث أخطر اختبار تواجهه الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بتصفيه شخصية قيادية رئيسية فحسب، بل بطبيعة نظام تأسس على مزيج معقد من الشرعية الدينية، والمؤسسة الثورية، والدولة البيروقراطية، إذ لا يكفي للإجابة عنها النظر إلى الضربة العسكرية وحدها، بل يتطلب الأمر فهم ديناميكيات النظام الداخلي، مع الأخذ في الاعتبار تداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

فمن الناحية الدستورية، ينص النظام الإيراني على أن مجلس خبراء القيادة هو الجهة الوحيدة المخوّلة بانتخاب مرشد أعلى جديد عند نشوء فراغ في المنصب، وعقب الإعلان عن وفاة خامنئي، يتم تشكيل مجلس قيادة مؤقت لإدارة شؤون الدولة إلى حين انتخاب المرشد الجديد. غير أن قراءة هذا الترتيب لا يمكن أن تكون سطحية، لأن التركيبة الداخلية للنظام ليست هرمية بسيطة تعتمد على شخص واحد، بل هي بنية مؤسسية معقدة تمزج بين المؤسسة الدينية التقليدية، والقيادة العسكرية، وصلاحيات الحرس الثوري الإسلامي، وأجهزة الدولة البيروقراطية. ومن ثم فإن غياب القائد لا يعني بالضرورة انهيار البناء، بقدر ما يفتح المجال لإعادة توزيع الأدوار داخل منظومة الحكم.

وفي هذا السياق، يوضح تحليل صادر عن Brookings Institution أن القوة الاستراتيجية للنظام الإيراني تكمن في بنيته متعددة المراكز، التي تمكّنه من امتصاص الصدمات الكبرى حتى في ظل فقدان قائد أعلى، وبحسب هذا المنظور، فإن النظام قادر على الاستمرار ما دامت مؤسساته الأساسية متماسكة، حتى لو تغير توزيع السلطة داخل النخبة الحاكمة، لذا فإن الحديث عن انهيار وشيك أو تفكك فجائي بعد مقتل خامنئي لا يتوافق مع فهم معمّق لطبيعة السلطة في طهران، ومن جانب آخر، تشير دراسات Carnegie Endowment for International Peace إلى أن الانتقال في الأنظمة الأيديولوجية غالبًا ما يؤدي إلى تعزيز الدور الأمني بدلًا من تقويضه، لأن النخبة الحاكمة تميل إلى اعتبار المرحلة الانتقالية تهديدًا وجوديًا يستوجب تشديد السيطرة وتعبئة الأجهزة الأمنية. ومن ثم، فمن المرجح أن يتعزز نفوذ الحرس الثوري في صناعة القرار، سواء داخليًا أو خارجيًا، بما قد يفضي إلى تبني سياسات أكثر تشددًا في مواجهة التحديات الراهنة.

في هذا الإطار، يقدم السفير Richard Haas  أحد أبرز الأصوات في التحليل الدولي قراءة نقدية مهمة تعيد توجيه النقاش نحو حدود القوة في إحداث التغيير السياسي ، اذ يؤكد أن القوة العسكرية «يمكن أن تدمر وتقتل، لكنها لا تستطيع بمفردها إحداث تغيير نظامي»، لأن تغيير النظام يتطلب وجود بديل قابل للحياة وتوافر شروط موضوعية تمكّنه من الاستمرار بعد الإطاحة بالمركز القيادي،صحيح أن الضربة العسكرية قد تدفع إلى انشقاقات داخل القيادة السياسية أو المؤسسة العسكرية الإيرانية، إلا أن التعويل على ذلك وحده يظل رهانًا غير مضمون. اخذاً في الاعتبار أن تجربة غزة وحركة حماس تبيّن أن الأنظمة قد تمتص قدرًا هائلًا من الضربات ومع ذلك تبقى قائمة، لذا فإن كل يوم يستمر فيه نظام الإيراني يصبح دليلًا يُستخدم لتعزيز سردية الصمود.

ومن هنا تتضح ملاحظة محورية اخري مفادها أن إسقاط القيادة لا يعني بالضرورة تغيير النظام، ولا سيما تغييرًا ناجحًا. فحتى لو سقطت قمة الهرم رسميًا، فإن الأجهزة الأمنية — وليس بديلًا ديمقراطيًا جاهزًا — تظل الأوفر حظًا لملء الفراغ. أما ما يُعرف باستراتيجية «قطع الرأس» (decapitation)، أي استهداف قادة محددين لإحداث تغيير نظامي، فقد يحقق أثرًا تكتيكيًا، لكنه على الأرجح لن يكون حاسمًا في الحالة الإيرانية، نظرًا للطابع المؤسسي للقيادة هناك منذ ما يقرب من خمسة عقود، وما أتاحه ذلك من ترتيبات خلافة وتوزيع صلاحيات يقلل من أثر الضربات الفردية.

ويُضاف إلى ذلك عاملان حاسمان: أولًا، ان الاداره الامريكيه لم تُهيّئ الظروف الضرورية لظهور بديل سياسي قادر على إدارة مرحلة انتقالية مستقرة؛ فالمعارضة الإيرانية ليست موحدة، ولا تعمل كحكومة ظل، ولا تمتلك بنية مؤسسية قادرة على استيعاب انشقاقات محتملة أو تقديم ضمانات أمنية. ثانيًا، يشير التاريخ إلى أن تغيير الأنظمة بالقوه الخارجيه غالبًا ما يتطلب وجودًا ماديًا على الأرض، كما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك في العراق،  وحتى في تلك الحالات، كثيرًا ما أخفقت الجهود أو كلفت أثمانًا باهظة. أما تصور خيار  احتلال إيران لتغيير النظام فيبدو غير واقعي بالنظر إلى حجم البلاد، وتركيبتها السكانية، وقدرتها على المقاومة، وهو ما يميز الحالة الإيرانية عن نموذج ليبيا، حيث أُطيح بالقيادة عبر القوة الجوية دون متابعة مؤسسية كافية، فانتهى الأمر إلى فوضى ممتدة.

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن مقتل خامنئي لا يعني نهاية النظام الإيراني، بل يمثل نقطة انعطاف دقيقة في مسار الجمهورية الإسلامية، فالنظام لا ينهار تلقائيًا بغياب قائده في دوله كإيران ،بل يتجه إلى إعادة التموضع داخليًا، وتعزيز القبضة الأمنية، وإعادة ترتيب موازين القوة بين مؤسساته غير أن نجاح هذا التموضع سيظلّ مرهونًا بعاملين متلازمين: قدرة النظام على مواصلة تحمّل استنزاف عسكري ممتد، وفي الوقت ذاته تماسكُه في مواجهة أيّ اختراقات أمنية داخلية تمسّ بنيته العميقة ، فكل يوم يظلّ فيه النظام قائمًا بعد هذه الضربة يُستَخدم داخليًا شاهدًا على صموده، مؤكدًا الفكرة الجوهرية: ان القوة العسكرية الخارجيه قد تُعيد رسم التوازنات داخل النظام، لكنها في الحالة الإيرانية لا تكفي وحدها لتحقيق هدف إسقاطه.

 

السفير عمرو حلمي 

تابع موقع تحيا مصر علي