مقلب روسي ساخر يوقع رضا بهلوي في شباك وعود ألمانية وهمية
أثارت مقابلة مصورة انتشرت أخيرا جدلا سياسيا واسعا بعدما وقع نجل شاه إيران السابق رضا بهلوي ضحية خدعة محكمة نفذها الثنائي الروسي الشهير فوفان وليكسوس. انتحل الثنائي صفة مسؤولين رفيعي المستوى في مكتب المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مكالمة هاتفية مصورة. أوهم المحتالان المعارض الإيراني بأن برلين مستعدة تماما للتعاون العسكري الشامل مع قوى المعارضة بهدف إسقاط النظام الحاكم في طهران عبر قصف عسكري مباشر يستهدف بنية النظام.
حسب تقرير إعلامي متداول فقد تواصل المحتالان مع المعارض الإيراني مدعين سعيهما لتوثيق الشراكة الاستراتيجية معه بغية إيصاله إلى سدة الحكم. قدم أحد المحتالين نفسه خلال المكالمة باسم أدولف وظهر عبر الشاشة بشارب كلاسيكي يشبه شارب الزعيم النازي هتلر. زعم هذا الشخص الساخر أن جده التقى شاه إيران شخصيا خلال أربعينيات القرن العشرين عندما كان يخدم في الجيش الألماني كعميل سري في العاصمة طهران آنذاك.
رغم توالي هذه الإشارات البصرية واللفظية الساخرة والمبالغ فيها لم يبد نجل الشاه أي علامات للشك أو الريبة تجاه محدثيه. استمر الحوار السياسي بين الأطراف بصورة طبيعية وجدية تامة لنحو ست دقائق متواصلة دون انقطاع. ناقش الطرفان خلال هذا الوقت القصير ولكن المكثف مجمل تفاصيل الوضع السياسي الداخلي المعقد في إيران واستعرضا معا السيناريوهات المحتملة والفرص المتاحة لإسقاط النظام الإيراني الحالي وبناء مرحلة سياسية انتقالية جديدة.
يحظى الثنائي الروسي فلاديمير كوزنتسوف وأليكسي ستولياروف بشهرة عالمية واسعة في مجال تنفيذ هذه المقالب السياسية المعقدة التي استهدفت شخصيات دولية بارزة. شملت قائمة ضحاياهم سابقا رئيس الوزراء الإيرلندي ووزير الخارجية البريطاني الأسبق بوريس جونسون. نال الثنائي شهرتهما الدولية الأولى عام ألفين وخمسة عشر عندما اتصلا بالمغني البريطاني إلتون جون مدعين أن المتصل هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو المقلب الذي صدقه المغني حينها وعبر عن سعادته به.
أوهام التدخل العسكري الأوروبي
خلال هذه المكالمة التي تزامنت مع أجواء التصعيد العسكري في الشرق الأوسط أبلغ المدعو أدولف ضحيته أن المستشار الألماني منفتح تماما على الانضمام لهذه اللعبة السياسية. أضاف المحتال أن الجيش الألماني يقف على أهبة الاستعداد لشن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد النظام الإيراني وقصف العاصمة. رحب المعارض الإيراني بشدة بهذه الفكرة معتبرا أن مهمة مواجهة النظام يجب ألا تقتصر على الجهود الأميركية والإسرائيلية بل تتطلب تحالفا دوليا أوسع.
أعرب رضا بهلوي الذي كان يتحدث بثقة من ميونخ الألمانية عن امتنانه العميق لما وصفه بالموقف الألماني القوي والحازم. أكد نجل الشاه لمحدثيه الوهميين أن قوى المعارضة الإيرانية في المنفى كانت تأمل دائما بروز موقف أوروبي أكثر صرامة وفاعلية تجاه طهران. أضاف المعارض أنه يشعر بسعادة بالغة عندما يرى أن دولة بحجم ألمانيا تبادر أخيرا لقيادة هذا التوجه الدولي الحاسم ضد النظام الحاكم.
سئل المعارض الإيراني بوضوح خلال الحوار الساخر عما إذا كان مستعدا للعودة إلى طهران وتولي مقاليد القيادة في حال الانهيار المفاجئ للنظام. أجاب بثقة أنه ناقش هذا الملف الاستراتيجي سابقا باستفاضة مع حلفائه الأميركيين والإسرائيليين. شدد على أن نجاح هذه المهمة يتطلب أولا تحييد الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات لتسهيل عبور المرحلة الانتقالية مؤكدا أن فريقه السياسي المنظم مستعد تماما لملء الفراغ الإداري والأمني فور سقوط السلطة الحالية.
تطرق الحديث لاحقا إلى طبيعة العلاقة التي تربط بهلوي بإسرائيل حيث أكد أن تل أبيب تقف بصلابة إلى جانب طموحات المعارضة الإيرانية. برر ذلك بأن إسرائيل تنظر إلى النظام الحاكم في طهران باعتباره تهديدا وجوديا حقيقيا لأمنها القومي. أشار إلى وجود تحالف استراتيجي قوي يجمع الطرفين لافتا إلى أن الأعلام الإسرائيلية باتت تظهر أحيانا في التظاهرات المناهضة للنظام جنبا إلى جنب مع العلم الإيراني التاريخي القديم.
لم يدرك المعارض الإيراني طوال فترة اللقاء المصور أنه كان يتحدث ببساطة إلى مجموعة من المحتالين الروس الذين يتلاعبون بطموحاته السياسية. واصل حديثه بجدية مطلقة مسترسلا في شرح خططه ورؤاه المستقبلية حتى قاطعه أحد مساعديه الشخصيين فجأة ليخبره أن لديه مكالمة هاتفية أخرى غاية في الأهمية يجب أن يجريها فورا. أنهى المعارض الاتصال واعدا بالعودة لاستكمال هذا الحوار الاستراتيجي بعد دقائق معدودة دون أن يكتشف الخدعة نهائيا.
مسيرة سياسية في المنفى
يمثل رضا بهلوي رمزية تاريخية معقدة بصفته الابن الأكبر لشاه إيران الأخير محمد رضا الذي أطاحت به الثورة الإسلامية أواخر سبعينيات القرن الماضي. عاش نجل الشاه عقودا طويلة في المنفى الاختياري محاولا تقديم نفسه كبديل ديمقراطي علماني قادر على قيادة البلاد نحو مستقبل مختلف. يسعى باستمرار إلى توحيد صفوف المعارضة الإيرانية المشتتة في الخارج وجمع شتاتها تحت مظلة سياسية واحدة تحظى بقبول وتأييد المجتمع الدولي والقوى الغربية.
رغم جهوده المتواصلة لتلميع صورته كقائد وطني منقذ يواجه هذا السياسي تحديات داخلية جمة تعرقل مساعيه لبناء قاعدة شعبية صلبة. يحمل تاريخ حكم والده إرثا ثقيلا من الانتهاكات السياسية التي لا تزال عالقة في ذاكرة الإيرانيين مما يجعل تسويق عودة العائلة الملكية أمرا بالغ الصعوبة. ينظر الكثير من نشطاء الداخل الإيراني بتشكك كبير نحو شخصيات المنفى معتبرين إياهم منفصلين عن الواقع اليومي القاسي الذي يعيشه المواطن العادي.
مع اندلاع التوترات العسكرية الأخيرة صعد اسم رضا بهلوي مجددا كمرشح محتمل لقيادة أي مرحلة انتقالية قد تفرضها المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية. ومع ذلك قلل الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخيرا من إمكانات هذا المعارض السياسية والقيادية في تصريحات علنية صريحة. قال ترمب إنه يبدو شخصا لطيفا للغاية لكنه أعرب في الوقت ذاته عن شكوكه العميقة بشأن قدرته الحقيقية على حشد الدعم الشعبي الكافي داخل إيران لتولي مقاليد السلطة.
تعقيدات الملف الإيراني الشائك
ترتبط الطموحات السياسية للمعارضة الإيرانية بشبكة معقدة من الملفات الإقليمية والدولية الشائكة التي تتجاوز مسألة تغيير النظام الحاكم بحد ذاتها. يمثل البرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية الهاجس الأكبر للمجتمع الدولي الذي يسعى لاحتواء هذا التهديد الاستراتيجي المتصاعد. تتشابك هذه المخاوف الأمنية مع شبكة النفوذ الإقليمي الواسعة التي أسستها طهران عبر أذرعها المسلحة في عدة دول عربية مما يجعل أي تغيير داخلي محتملا خاضعا لحسابات إقليمية دقيقة.
يعاني الداخل الإيراني من أزمات اقتصادية متلاحقة وعميقة نتيجة العقوبات الدولية القاسية التي فرضت على البلاد طوال العقود الماضية وعزلتها عالميا. تتزامن هذه الضغوط الاقتصادية مع تقارير مستمرة حول ملف حقوق الإنسان وتقييد الحريات العامة والتي تشكل محركا رئيسيا للاحتجاجات الشعبية المتكررة. تحاول قوى المعارضة في المنفى استغلال حالة الاحتقان الداخلي المتزايدة لتعزيز فرصها في إحداث تغيير جذري لكن غياب التنظيم الفعال يحول دون تحقيق نتائج ملموسة.
تعكس واقعة المقلب الروسي الساخر مدى هشاشة بعض أطياف المعارضة الإيرانية في الخارج وتعطشها الساذج للحصول على أي دعم دولي ملموس. يظهر هذا السقوط المدوي في فخ المحتالين افتقارا واضحا للخبرة السياسية والحنكة الدبلوماسية اللازمة لإدارة صراع معقد بحجم الصراع الإيراني. تبقى آمال تغيير المشهد السياسي في طهران معلقة بين طموحات المعارضين الحالمة في المنفى وبين تعقيدات الواقع الاستراتيجي الصلب الذي يحكم توازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط.
تطبيق نبض
