الضاحية الجنوبية.. هجرة جماعية تحت أزيز الرصاص وصدمة الإنذارات العاجلة
استيقظت بيروت على وقع تهديد وجودي يتربص بأحيائها المكتظة بعدما أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً مفاجئاً لسكان الضاحية الجنوبية بضرورة الإخلاء الفوري والتوجه نحو مناطق الشمال والبقاع. خلف هذا القرار حالة عارمة من الذعر والارتباك في صفوف المدنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام خيارات أحلاها مر، وسط تصريحات رسمية إسرائيلية توعدت بأن تشهد الضاحية الجنوبية دماراً شاملاً يماثل ما حل بمدينة خان يونس في قطاع غزة المحاصر.
وحسب تقرير لـ «الشرق الأوسط»، فإن هذا الإنذار الواسع شمل أحياء سكنية كبرى تضم آلاف الأبنية في مناطق الشياح وحارة حريك وبرج البراجنة والحدت، وهي مناطق تمثل الثقل السكاني الأكبر. ورغم نزوح مئات الآلاف في وقت سابق، لا يزال هناك نحو مائتي ألف مواطن داخل الضاحية الجنوبية، يواجهون اليوم خطر الموت المحقق أو التشريد القسري في ظل انعدام المأوى والقدرة المالية على النزوح.
تدافعت طوابير السيارات في شوارع المنطقة الضيقة بينما كانت أصوات الرشقات النارية تتردد في الأجواء لتنبيه السكان وحثهم على المغادرة السريعة قبل بدء القصف الجوي الممنهج. وأوضح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عبر منصة إكس أن حياة السكان في خطر داهم، مطالباً إياهم بالتحرك فوراً بعيداً عن الضاحية الجنوبية، وهو ما أدى لانسداد الطرقات الرئيسية بالنازحين الفارين من جحيم الغارات المتوقعة.
أربك هذا المشهد القاسي الحكومة اللبنانية التي وجدت نفسها عاجزة عن تأمين بدائل سريعة لهذا الكم الهائل من البشر الذين فقدوا بيوتهم في لحظات خاطفة تحت الضغط. وامتد تأثير الإنذار ليصل إلى محيط القصر الجمهوري والسفارات الأجنبية في بلدة الحدت، مما زاد من تعقيد المشهد السياسي والميداني في الضاحية الجنوبية، وأظهر بوضوح غياب أي ضمانات دولية لحماية المنشآت الحيوية أو المدنيين العزل.
استراتيجية الأرض المحروقة والضغط العسكري
يرى الخبراء العسكريون أن إسرائيل تتبع تكتيكاً نفسياً وعسكرياً يهدف إلى إفراغ المنطقة تماماً من عنصرها البشري لتحويلها إلى ساحة عمليات مفتوحة لا تخضع لأي محاسبة قانونية لاحقاً. إن إخلاء الضاحية الجنوبية يمنح سلاح الجو الإسرائيلي حرية مطلقة في تدمير البنية التحتية والمباني السكنية بحجة استهداف مقار عسكرية، وهو ما يعيد للأذهان ذكريات حرب تموز القاسية لكن بوتيرة دمار أكثر وحشية واتساعاً.
ويعتقد العميد المتقاعد هشام جابر أن هذا الإجراء يهدف لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، أولها ممارسة أقصى درجات الضغط الشعبي والسياسي على قيادة حزب الله والدولة اللبنانية المنهكة اقتصادياً. كما أن إفراغ الضاحية الجنوبية يمهد الطريق لعمليات أمنية معقدة أو إنزالات جوية محتملة دون اصطدام بالمدنيين، مما يسهل المهمة العسكرية الإسرائيلية في الوصول إلى أهداف دقيقة وحساسة داخل هذه المربعات السكنية.
بالتوازي مع هذه التطورات، عزز الجيش الإسرائيلي قواته البرية على الجبهة الحدودية، حيث ارتفع عدد نقاط التوغل داخل الأراضي اللبنانية إلى عشر نقاط استراتيجية في العمق الجنوبي. وترافق هذا التوغل مع قصف بري وبحري وجوي عنيف طال مدينة صور وقرى القضاء، ما يعكس رغبة إسرائيلية في قضم أجزاء من الداخل اللبناني وفرض واقع عسكري جديد يعزل القرى الحدودية عن محيطها الطبيعي.
على المفهوم السياسي، ترتبط هذه التحركات بملفات إقليمية شائكة تتعلق بطموحات إيران ونفوذها في المنطقة، حيث تسعى إسرائيل لتقويض أذرع طهران العسكرية بشكل جذري ونهائي في هذه المواجهة. إن ما يحدث في الضاحية الجنوبية ليس معزولاً عن الصراع التاريخي مع النظام الإيراني، بل هو فصل دامي يهدف لتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط عبر تحطيم الركائز العسكرية والاجتماعية للقوى الموالية لإيران بلبنان.
جذور الصراع وخلفيات النفوذ الإقليمي
وبالنظر إلى التاريخ، نجد أن التوترات الراهنة تعيد التذكير بعهود سابقة من الصراعات الكبرى، حيث كانت إيران تحت حكم السلالة البهلوية تسعى لتمثيل دور شرطي المنطقة قبل الثورة. لقد كان الشاه محمد رضا بهلوي يطمح لبناء جيش قوي ونفوذ إقليمي واسع يعتمد على التحالفات الغربية، لكن التحولات الدراماتيكية في بنية النظام الإيراني لاحقاً حولت بوصلة الصراع نحو مواجهة مباشرة مع إسرائيل وحلفائها.
لقد استثمر النظام الإيراني الحالي لعقود في بناء ترسانة عسكرية ضخمة وشبكة من الفصائل المسلحة لتعزيز أمنه القومي بعيداً عن حدوده الجغرافية المباشرة، وهو ما يفسر حدة القتال حالياً. وتعتبر الضاحية الجنوبية في هذا السياق معقلاً أساسياً ورمزاً لهذا النفوذ، مما جعلها هدفاً استراتيجياً أول للجيش الإسرائيلي الذي يسعى لتفكيك هذه المنظومة عبر القوة النارية المفرطة وسياسة التهجير الممنهج للسكان.
وفي المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من الهجمات الصاروخية وبالمسيرات الانقضاضية استهدفت مجمعات الصناعات العسكرية الإسرائيلية وقواعد الدفاع الجوي في مناطق الجليل وعكا وصفد المحتلة. وتأتي هذه الردود في محاولة لتثبيت معادلة الردع، إلا أن التفوق الجوي الإسرائيلي واستخدام تكنولوجيا الاغتيالات الدقيقة زاد من صعوبة الموقف الميداني، وجعل حماية المدنيين في الضاحية الجنوبية أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.
وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن القصف الإسرائيلي طال عشرات البلدات الجنوبية مثل النبطية والخيام ومركبا، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتدمير كامل لأحياء سكنية قديمة. ويبدو أن المخطط الإسرائيلي يتجاوز مجرد توجيه ضربات تأديبية، ليصل إلى حد محاولة تغيير الخريطة الديموغرافية والجغرافية للبنان، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني لوقف هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
مأساة النازحين وطموحات التوسع الإسرائيلي
ومع استمرار تدفق النازحين، تزداد المعاناة الإنسانية في مراكز الإيواء التي غصت بالعائلات التي لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، وسط شح كبير في المساعدات والخدمات الأساسية. إن مشهد النزوح من الضاحية الجنوبية يعيد للأذهان صور اللجوء الفلسطيني، حيث يخشى الكثيرون أن تطول غيبتهم عن منازلهم، أو أن يعودوا ليجدوا أحيائهم قد تحولت إلى ركام وأطلال لا تصلح للحياة الآدمية.
وتستمر الماكينة الإعلامية والعسكرية الإسرائيلية في بث الرعب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، موجهة رسائل مباشرة للعائلات اللبنانية بأن البقاء في منازلهم يعني الموت المحقق تحت الأنقاض المنهارة. هذا الضغط الممنهج يهدف لكسر الإرادة الشعبية وجعل كلفة الاحتضان الشعبي للمقاومة باهظة جداً، خاصة مع استهداف المنشآت الطبية والفرق الإسعافية التي تحاول انتشال الضحايا من تحت ركام المباني في الضاحية الجنوبية.
وفي ختام هذه القصة الصحفية المؤلمة، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الدولة اللبنانية المتهالكة على الصمود أمام هذا الإعصار العسكري الذي يضرب مفاصلها الحيوية دون رحمة أو توقف قريب. إن الضاحية الجنوبية اليوم تختصر حكاية وطن ممزق بين صراعات القوى الكبرى وطموحات التوسع، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن حروب لم يختارها، بانتظار فجر قد لا يأتي قريباً في ظل دخان الغارات الكثيف.
تطبيق نبض
