عاجل
السبت 07 مارس 2026 الموافق 18 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

خلف أسوار طهران: كيف يغير الأكراد قواعد اللعبة العسكرية البرية؟

الأكراد
الأكراد

​تتصاعد التحذيرات الدولية من انزلاق المنطقة نحو صراع وجودي قد يغير وجه الشرق الأوسط للأبد إذا قرر الأكراد خوض غمار المواجهة المباشرة ضد طهران. إن دخول هذه القوة العسكرية المنظمة إلى ساحة المعركة البرية يمثل تحولا جذريا في طبيعة المواجهة العسكرية التي كانت تقتصر سابقا على الضربات الجوية والعمليات السيبرانية الاستخباراتية المحدودة والمركزة.

​وحسب مقال للكاتب مارك تشامبيون في وكالة بلومبيرج فإن إطلاق تمرد مسلح يشارك فيه الأكراد داخل الأراضي الإيرانية سيعتبر تصعيدا كبيرا يهدف بالأساس إلى تقويض ركائز النظام الحاكم. ويرى الكاتب أن هذا السيناريو قد لا يتطلب بالضرورة وجود قوات أمريكية مقاتلة على الأرض بل يعتمد بشكل أساسي على إشعال فتيل صراعات محلية دامية ومستمرة.

​إن هذا النوع من التدخل الخارجي الذي يعتمد على الأكراد كقوة ضاربة قد يترك المنطقة برمتها في حالة من عدم الاستقرار المزمن لسنوات طويلة جدا. ويشير المقال إلى أن الهدف الاستراتيجي من تحريك هذه الجبهة هو تغيير موازين القوى في الصراع الدائر حاليا خاصة مع تكثيف إسرائيل لضرباتها الموجعة ضد البنية الأمنية والسياسية الإيرانية.

​طموحات التغيير ورهانات القوة البرية

​تتجه الأنظار نحو إضعاف النظام في طهران أو حتى الدفع نحو انهياره الكامل من خلال استثمار نفوذ وقوة الأكراد القتالية في المناطق الحدودية الوعرة. ويستعرض التقرير كيف أن الرئيس دونالد ترامب أبدى في مواقف سابقة ترحيبا واضحا بمشاركة هذه الفصائل في القتال بل وتواصل بشكل مباشر مع عدد من قادتهم الميدانيين البارزين.

​وقد رصدت الأقمار الصناعية والتقارير الاستخباراتية مؤخرا تحركات مريبة لقوات عسكرية تابعة لـ الأكراد بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية مما استدعى ردا عسكريا إيرانيا سريعا. ونفذت طهران بالفعل ضربات صاروخية استباقية استهدفت تجمعات تلك القوات في محاولة لردع أي محاولة للتسلل أو البدء في عمليات عسكرية برية واسعة النطاق داخل حدودها.

​ومع ذلك يحذر تشامبيون من أن التاريخ أثبت أن القوة الجوية وحدها لا تكفي أبدا لإسقاط الأنظمة السياسية الراسخة دون وجود تمرد محلي قوي. ويستشهد التقرير بتجربة ليبيا المريرة في عام ألفين وأحد عشر حيث تم إسقاط النظام لكن البلاد غرقت في فوضى عارمة وانقسامات داخلية لم تنته حتى يومنا هذا في تلك المنطقة.

​تعقيدات الجغرافيا وتقلبات المصالح السياسية

​إن الرهان على الأكراد يحمل في طياته مخاطر جسيمة تتعلق بطبيعة العلاقة التاريخية المتقلبة والمضطربة أحيانا بين واشنطن وهذه المجموعات العرقية المقاتلة في المنطقة. فقد اعتمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عليهم في صراعات إقليمية مختلفة ومحورية لكنها سرعان ما تخلت عنهم عندما تبدلت المصالح السياسية العليا أو تغيرت بوصلة التوازنات الدولية.

​هذا التقلب في المواقف أدى في حالات سابقة عديدة إلى وقوع خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف مقاتلي الأكراد الذين وجدوا أنفسهم وحيدين أمام خصومهم. ويرى الكاتب أن دعم التمرد الحالي يهدف أساسا لتشتيت انتباه وقدرات الحرس الثوري الإيراني وإضعاف قبضته الأمنية القوية على المفاصل الداخلية للدولة الإيرانية المترامية الأطراف والمثقلة بالأزمات.

​ويطمح المخططون لهذا السيناريو إلى تشجيع موجة احتجاجات داخلية أوسع نطاقا تتناغم مع التحركات العسكرية الحدودية لخلق ضغط مزدوج لا يمكن للنظام تحمله بسهولة. لكن الواقع الميداني يشير إلى أن المقاتلين سيواجهون تحديات طبيعية قاسية جدا في جبال زاغروس الشاهقة والوعرة مما يجعل أي تقدم عسكري يحرزونه بطيئا جدا ومحدود التأثير استراتيجيا.

​النزعة القومية ومستقبل استقرار المنطقة

​يبرز التقرير جانبا إنسانيا وسياسيا هاما يتمثل في النزعة القومية القوية التي يتمتع بها الكثير من الإيرانيين حتى أولئك الذين يعارضون النظام بشدة. فهؤلاء المواطنون قد ينظرون إلى أي تمرد مسلح يدعمه الأكراد بتمويل أو توجيه خارجي على أنه محاولة خبيثة لتفكيك دولتهم التاريخية المتعددة القوميات والأعراق ونشر بذور الحرب الأهلية في كل مكان.

​هذا الشعور القومي قد يتحول إلى سد منيع يقوي الجبهة الداخلية الإيرانية بدلا من إضعافها في مواجهة ما يعتبرونه تهديدا وجوديا لوحدة وسلامة أراضيهم الوطنية. ويخلص المقال إلى أن إضعاف إيران قد يخدم بعض الحسابات الاستراتيجية الضيقة لبعض القوى الدولية لكن ثمن ذلك سيكون باهظا جدا على مستوى الأمن الإقليمي الشامل واستقرار الدول المجاورة.

​إن موجة عدم الاستقرار المتوقعة ستطال حتما أسواق الطاقة العالمية وتؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز مما يضر بالمصالح الأمريكية والأوروبية. وهذا السيناريو المرعب قد لا يكون في مصلحة واشنطن على المدى البعيد إذا ما تحولت الحرب إلى صراع بلا نهاية يستنزف الموارد البشرية والمالية لجميع الأطراف المنخرطة في هذه الأزمة الدولية المتفاقمة.

​دول الخليج وتوازنات القوى الإقليمية

​تمثل دول الخليج العربي ثقلا اقتصاديا وسياسيا وازنا في هذه المعادلة الصعبة حيث تسعى دائما للحفاظ على أمن الممرات المائية الحيوية واستقرار أسواق النفط. تاريخيا كانت دول الخليج تراقب بحذر أي تحركات تتعلق بـ الأكراد في العراق أو إيران نظرا لتأثير ذلك المباشر على التوازنات الجيوسياسية والأمن القومي العربي في المنطقة بشكل عام.

​وتدرك هذه الدول أن أي انهيار مفاجئ أو فوضى عارمة في إيران ستؤدي إلى موجات هجرة كبرى وتدفق للسلاح والميليشيات مما يهدد مشاريع التنمية الخليجية الطموحة. لذلك تفضل عواصم خليجية عديدة نهج التهدئة والحوار بدلا من التصعيد العسكري الذي قد يفجر المنطقة برمتها ويدخلها في نفق مظلم من الصراعات العرقية والطائفية التي لا ترحم أحدا.

​وتستثمر دول الخليج مليارات الدولارات في تنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط وهي تدرك أن السلام الإقليمي هو الضمانة الوحيدة لنجاح هذه الرؤى المستقبلية البعيدة المدى. إن التقرير في مجمله يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته للبحث عن حلول سياسية شاملة تجنب الشعوب مآسي الحروب التي لا تنتهي وتضمن كرامة وحقوق الجميع دون استثناء أو إقصاء.

تابع موقع تحيا مصر علي