استراتيجية «صيد المنصات».. خطة إسرائيل لتفكيك ترسانة الصواريخ في إيران ولبنان
تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق حيث بدأت إسرائيل مرحلة جديدة من العمليات الجوية المكثفة التي تستهدف تقويض "مفاصل النظام" في إيران وتحجيم قدرات حزب الله في لبنان. وتأتي هذه التحركات في ظل سباق محموم مع الزمن، حيث تخشى القيادة في تل أبيب من صدور قرار أميركي مفاجئ يفرض نهاية للعمليات القتالية قبل تحقيق الأهداف الاستراتيجية الموضوعة لبنك الأهداف المعدل.
حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، كشف مصدر عسكري أن إسرائيل تسعى حالياً لتدمير أكبر قدر ممكن من الصواريخ الباليسية وتخفيف الخطر النووي من خلال ضربات مركزة ومنسقة. وأكد وزير الأمن يسرائيل كاتس أن العمليات تجري بتنسيق كامل مع الجيش الأميركي، مشيراً إلى أن الاستراتيجية الحالية تتركز حول تفكيك القدرات السيادية الإيرانية يوماً بعد يوم عبر استهداف القيادات والحرس الثوري وتدمير المنشآت الحيوية.
تدار هذه العمليات الحربية المعقدة بقيادة مباشرة وتنسيق يومي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، مما يعكس تكاملاً ميدانياً بين "سنتكوم" والجيش الإسرائيلي. ورغم هذا التناغم، يسود القلق في الأوساط الأمنية من احتمال فرض واشنطن وقفاً لإطلاق النار بشكل مفاجئ نتيجة الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار النفط، وهو ما يدفع الجيش لتسريع وتيرة القصف الجوي والبري.
أظهرت التقديرات الأخيرة لوزراء الحكومة أن هدف تغيير النظام في طهران بات مهمة شبه مستحيلة في المدى المنظور، حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن سقوط النظام قد يستغرق عاماً كاملاً. وبناءً على ذلك، وضعت إسرائيل خطة طوارئ تتعامل مع ضبابية الموقف الأميركي، مركزةً في المرحلة الأولى على شل قدرة إيران الصاروخية وتدمير المخازن التي تضم صواريخ عنقودية تشكل تهديداً مباشراً للجبهة الداخلية الإسرائيلية.
استراتيجية صيد المنصات في مواجهة صواريخ حزب الله
أعلن الجيش الإسرائيلي عن تفعيل خطة "صيد المنصات" التي تعتمد على التنسيق الوثيق بين أسلحة الجو والبر والبحر، مدعومةً بجهد استخباراتي مكثف لملاحقة خلايا إطلاق الصواريخ والمسيرات. وتواجه إسرائيل تحدياً كبيراً بعد رصد إطلاق 850 صاروخاً من لبنان خلال أسبوع واحد، مما دفع القيادة العسكرية لاتخاذ قرارات حاسمة بتعزيز الجبهة الشمالية ونقل لواء غولاني وتوزيع القوات على طول خط المواجهة بعمق عدة كيلومترات.
تستخدم إسرائيل في عملياتها الجارية تكتيكات هجومية متزامنة لضرب الأهداف في طهران وبيروت في آن واحد، مع التركيز على تدمير المنصات التي تطلق القذائف العنقودية والمضادة للدروع. وبحسب التقارير الميدانية، فإن حزب الله يسعى لفرض معادلة تضغط على المدنيين في الشمال وتستهدف القوات الحدودية، مما جعل من تدمير مخازن السلاح أولوية قصوى لتأمين الحزام الدفاعي وضمان سلامة السكان في المستوطنات الشمالية.
أجرى رئيس الأركان أيال زامير جولات تفقدية في القواعد الجوية، مؤكداً جهوزية القوات لتنفيذ عملية برية واسعة النطاق في جنوب لبنان فور صدور القرار السياسي. وتنتظر إسرائيل التوقيت المناسب لبدء هذه الخطوة، حيث تم بالفعل توزيع المهام على 12 فرقة ولواء، منها الفرقة 36 التي ستقود الهجوم، بينما تتولى ألوية أخرى مهام الدفاع الأمامي لضمان عدم اختراق الحدود خلال تنفيذ العمليات الهجومية.
رغم الجاهزية القتالية، برزت فجوات ميدانية ولوجستية تتعلق بنقص المعدات والذخائر والتموين، مما استدعى تشكيل طاقم تحقيق برئاسة شعبة التكنولوجيا لترميم هذه الثغرات قبل بدء الزحف البري. وتدرك القيادة أن إسرائيل لا يمكنها المجازفة بالدخول في حرب برية طويلة الأمد في ظل هذه النواقص، خاصة مع استمرار التهديدات الصاروخية التي ألحقت أضراراً بالغة بمركز البلاد وأدت لوقوع إصابات بين المدنيين في الأيام الماضية.
المسار الدبلوماسي والمبادرات الدولية لإخماد النيران
بالتوازي مع العمل العسكري، يتحرك المسار الدبلوماسي في محاولة أخيرة للتوصل إلى تسوية تمنع انفجار الأوضاع بشكل كامل، حيث عرضت سفيرة الأمم المتحدة مقترحات مختلفة على وزير الخارجية. وأكدت إسرائيل في رسائلها للحكومة اللبنانية أنها ستستمر في توسيع المنطقة العازلة طالما لم يفرض الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على الجنوب ويمنع الهجمات، مشددة على أن الحل الدبلوماسي يجب أن يلبي كافة المتطلبات الأمنية لتل أبيب.
رفضت الحكومة الإسرائيلية مقترحاً فرنسياً قدمه الرئيس إيمانويل ماكرون يتضمن دعم الجيش اللبناني للإشراف على نزع سلاح حزب الله، معتبرة أن هذه المقترحات لا تضمن التفكيك الكامل للسلاح. وترى إسرائيل أن أي اتفاق يجب أن ينص صراحة على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية بشكل فعلي وعملي، وإلا فإن العمليات العسكرية ستستمر بلا سقف زمني حتى يتم حسم المواجهة وتأمين الحدود الشمالية بصورة نهائية.
تعكس التصريحات الإسرائيلية حالة من عدم اليقين تجاه نوايا البيت الأبيض، إذ يفسر المسؤولون حديث ترمب عن نهاية الحرب بأنه محاولة لتهدئة الأسواق العالمية أكثر منه قراراً استراتيجياً فورياً بوقف القتال. ومع ذلك، تبقى إسرائيل في حالة استنفار قصوى لتنفيذ أكبر قدر من الضربات الموجعة في بنك أهدافها، مستغلة نافذة الوقت المتاحة قبل حدوث أي تغيير مفاجئ في السياسة الخارجية الأميركية تجاه أزمات الشرق الأوسط.
تشير التقارير إلى أن الأسبوع القادم سيكون حاسماً في تحديد مسار المواجهة، حيث يتوقع أن تزداد وتيرة الغارات الجوية على المنشآت الحيوية في عمق الأراضي الإيرانية لتعطيل سلاسل الإمداد. وتخطط إسرائيل لإضعاف قدرات الخصم بشكل يجعل من أي اتفاق مستقبلي مبنياً على واقع ميداني جديد يضمن تفوقها العسكري، ويحمي جبهتها الداخلية من خطر الصواريخ الباليسية والعنقودية التي باتت تستخدم بكثافة في الآونة الأخيرة.
التحديات الميدانية وفرص الحسم العسكري في المنطقة
تواجه العمليات العسكرية تحديات لوجستية معقدة في ظل طول أمد الصراع وتعدد الجبهات المفتوحة، مما يضع ضغوطاً هائلة على قطاعات حيوية داخل المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي بشكل عام. وتسعى إسرائيل حالياً لمعالجة أزمة التموين والمعدات العسكرية التي كشف عنها التحقيق التقني الأخير، لضمان استمرارية القتال بكفاءة عالية في حال تقرر البدء في المرحلة البرية التي قد تستمر لأسابيع طويلة في تضاريس الجنوب اللبناني الوعرة.
يعتقد القادة العسكريون أن حسم المعركة يتطلب ضربة قاضية لمنظومات القيادة والسيطرة لدى الخصم، وهو ما يتم العمل عليه حالياً من خلال استهداف مفاصل النظام الإيراني بشكل منهجي ومدروس. وتراهن إسرائيل على أن إضعاف المركز في طهران سيؤدي بالضرورة إلى تآكل قدرة الأطراف الموالية لها في المنطقة، مما يسهل عملية فرض شروط سياسية وأمنية قاسية تضمن الهدوء والاستقرار لسنوات طويلة قادمة بعد انتهاء هذه الجولة.
تظل الأعين شاخصة نحو واشنطن بانتظار إشارات واضحة حول المدة الزمنية المتبقية قبل تدخل البيت الأبيض لفرض تسوية شاملة، وهو ما يدفع سلاح الجو لتكثيف غاراته الليلية والنهارية دون انقطاع. وتؤكد إسرائيل أنها لن تلتزم بأي جدول زمني لا يضمن تحقيق أمنها القومي، مشددة على أن "صيد المنصات" هو السبيل الوحيد حالياً لتقليل الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن الرشقات الصاروخية المستمرة التي تستهدف مدن المركز والشمال.
في نهاية المطاف، تجد المنطقة نفسها أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين الانزلاق نحو حرب شاملة تستهدف تغيير الخرائط السياسية، أو التوصل لتهدئة هشة تفرضها القوى العظمى لتأمين إمدادات الطاقة العالمية. وتستمر إسرائيل في تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية، مؤكدة أن المعركة لن تنتهي إلا بتحقيق "الحسم النهائي" وتفكيك كافة التهديدات الاستراتيجية التي تحيط بها من الشرق والشمال، بغض النظر عن طبيعة الضغوط الدبلوماسية الدولية التي تمارس عليها.
تطبيق نبض
