عاجل
الأحد 15 مارس 2026 الموافق 26 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

الرجل الذي يضرب أولا.. وزير الخارجية الأمريكي يورط بلاده في حروب لا تنتهي

وزير الخارجية الأمريكي
وزير الخارجية الأمريكي

​برز ماركو روبيو كأحد أهم الشخصيات السياسية في العصر الراهن، حيث استطاع أن يحجز لنفسه مكاناً جوهرياً كأهم وزير الخارجية الأمريكي في التاريخ المعاصر وفق رؤية الرئيس دونالد ترمب. ولم يكن هذا الصعود وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تحول جذري في علاقة الرجلين، حيث انتقل روبيو من كونه منافساً شرساً في الانتخابات التمهيدية لعام 2015 إلى الصقر الذي يوجه دفة القرارات الخارجية الكبرى لواشنطن حالياً.

​وحسب تقرير لصحيفة "إندبندنت عربية" ومتابعات لمسار السياسة الأمريكية في مارس 2026، فإن روبيو يمثل اليوم العقل المدبر وراء التصعيد العسكري والدبلوماسي ضد الأنظمة المعادية للولايات المتحدة. وقد نجح في كسب ثقة ترمب المطلقة لدرجة تكليفه بمهام متعددة وحساسة في آن واحد، شملت حقيبة الخارجية ومنصب مستشار الأمن القومي الموقت، مما يجعله المحرك الفعلي لما يعرف بعقيدة "التدمير ثم التفاوض" التي تنتهجها الإدارة الحالية.

​يرى المراقبون في العاصمة واشنطن أن وزير الخارجية الأمريكي لا يحاول ببساطة إحياء فكر المحافظين الجدد الذي ميز عهد جورج بوش الابن، بل يبتكر نهجاً جديداً يتجاوز المبادئ التقليدية نحو براغماتية نفعية بحتة. هذا النهج يقوم على استخدام القوة العسكرية والاقتصادية المفرطة لإجبار الخصوم على الامتثال التام، وهو ما ظهر جلياً في التعامل مع الملفين الإيراني والفنزويلي، حيث يتم تحويل الدول إلى كيانات تابعة ومطيعة للرغبة الأمريكية.

​لقد تجلت هذه السياسة الصارمة في الخطاب الذي ألقاه روبيو خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث انتقد بشدة عجز الدبلوماسية التقليدية والأمم المتحدة عن كبح جماح التهديدات الدولية. وأكد أن القوة العسكرية المتمثلة في القاذفات الاستراتيجية والعمليات الخاصة هي الوسيلة الوحيدة والفعالة لحماية المصالح الأمريكية، مشدداً على أن المفاهيم المجردة للقانون الدولي لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام مواجهة الأنظمة التي تهدد استقرار العالم علناً وبكل وقاحة.

مقامرة الصقور في مواجهة طهران وكراكاس

​لطالما كان روبيو من أشد المعارضين للاتفاق النووي مع إيران، محذراً منذ سنوات من أن أي اتفاق ضعيف هو بمثابة ضمانة لاندلاع الحرب. واليوم، يجد نفسه في قلب المواجهة المباشرة، حيث قاد التوجه الذي أدى إلى توجيه ضربات قاصمة للنظام الإيراني، بما في ذلك استهداف قيادات عليا. ورغم أن أهداف الحرب المعلنة لا تزال تتأرجح بين تغيير النظام أو تعديل سلوكه، إلا أن بصمات روبيو واضحة في كل تصعيد عسكري.

​وفي ملف أمريكا اللاتينية، حقق وزير الخارجية الأمريكي نجاحات باهرة لفريقه السياسي، حيث أشرف على العملية العسكرية في فنزويلا التي أدت لاعتقال نيكولاس مادورو. ورغم ميوله الصقورية، أظهر روبيو مرونة براغماتية مفاجئة من خلال العمل مع قيادات بديلة لضمان استقرار الدولة، مفضلاً تأمين التبعية السياسية على التحول الديمقراطي الكامل، وهو ما يجسد جوهر عقيدته السياسية التي تضع المصلحة القومية فوق الأيديولوجيا.

​وتمتد طموحات روبيو لتشمل الملف الكوبي، حيث يدير حرباً اقتصادية خانقة تهدف لتجفيف منابع النفط المتجهة للجزيرة، بينما يبقي أبواب التفاوض السري مفتوحة مع أطراف داخلية. هذا التناقض الظاهري بين الضغط العلني والتفاوض الخفي يعكس شخصية سياسية معقدة تستفيد من أدوات القوة واللين معاً. ويبدو أن الهدف النهائي هو إعادة ترتيب منطقة الكاريبي بما يضمن الهيمنة الأمريكية المطلقة وإنهاء أي نفوذ معادٍ في الحديقة الخلفية لواشنطن.

​إن النجاحات التي حققها روبيو في هذه الملفات الساخنة جعلت اسمه يتردد بقوة داخل أروقة الحزب الجمهوري كمرشح محتمل للرئاسة. ورغم أن الحرب ضد إيران قد لا تحظى بشعبية واسعة بين عامة الناخبين، إلا أنها عززت مكانته لدى القاعدة الصلبة لمؤيدي "ماغا". لقد استطاع روبيو ببراعة أن يحول منصبه من مجرد وظيفة دبلوماسية إلى منصة عالمية لاستعراض القوة، مما يجعله رقماً صعباً في أي حسابات سياسية مستقبلية.

صراع العروش في مارالاغو وطموحات 2028

​يتصاعد الحديث في الأوساط السياسية حول من سيخلف دونالد ترمب في قيادة حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، ويبرز اسم ماركو روبيو كمنافس قوي لنائب الرئيس جي دي فانس. وخلال اجتماعات مغلقة في منتجع مارالاغو، أبدى كبار المانحين الجمهوريين ميلاً واضحاً لدعم وزير الخارجية الأمريكي، معتبرين إياه الشخصية الأكثر نضجاً وقدرة على قيادة البلاد. هذا الانقسام في الولاءات يعكس صراعاً خفياً داخل الدائرة الضيقة لترمب.

​ويرى المانحون والمليارديرات الداعمون للحزب الجمهوري أن روبيو يمتلك الكاريزما والخبرة الدولية التي قد يفتقر إليها منافسوه، خاصة بعد إثبات جدارته في إدارة الأزمات الكبرى. وبينما يحاول فانس الحفاظ على موقعه كوارث طبيعي لمنصب الرئيس، يتقدم روبيو بخطى ثابتة مستنداً إلى سجل حافل من الإنجازات الميدانية. هذا التنافس المحموم يضع ترمب في موقف الحكم بين رجلين يتمتعان بذكاء عالٍ وولاء مطلق له.

​لقد كان حضور روبيو في غرفة العمليات خلال الضربات العسكرية ضد إيران بمثابة رسالة سياسية قوية حول نفوذه المتزايد وقربه من مركز القرار. وفي المقابل، يبدو أن دور نائب الرئيس قد تراجع قليلاً لصالح الأنشطة الدبلوماسية والعسكرية التي يقودها روبيو. ومع ذلك، يظل ترمب حريصاً على خلق توازن بين الرجلين، مشيراً في لقاءاته الإعلامية إلى أن كلاهما يمثلان مستقبل الحزب الجمهوري القادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

​ورغم استطلاعات الرأي التي تشير إلى عدم رضا قطاع من الناخبين عن التدخلات العسكرية، إلا أن روبيو يراهن على أن النتائج النهائية ستبرر الوسائل. فالجمهوريون الموالون لترمب يدعمون بغالبية ساحقة السياسات المتشددة التي ينفذها وزير الخارجية الأمريكي، معتبرين إياها استعادة لهيبة الولايات المتحدة. إن القدرة على الموازنة بين مطالب القاعدة الانتخابية وتطلعات الممولين هي المهارة التي قد تمنح روبيو الأفضلية في السباق الرئاسي المقبل.

مستقبل السياسة الخارجية في ظل العقيدة الروبيوية

​ستظل الفترة القادمة حاسمة في تحديد ملامح النظام الدولي الجديد الذي يسعى روبيو لبنائه، حيث تترقب العواصم العالمية الخطوة التالية للصقر الأمريكي. فبينما تستمر العمليات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، تبرز الصين كالتحدي الأكبر والنهائي الذي يستعد له روبيو بكل ثقله السياسي. إن رؤيته القائمة على القوة العسكرية الممزوجة بالصفقات البراغماتية أصبحت هي المعيار الجديد للتعامل مع القوى المنافسة لواشنطن في كل مكان.

​ويبقى السؤال حول مدى استدامة هذا النهج في ظل المتغيرات الاقتصادية والسياسية والضغوط الدولية المتزايدة على الإدارة الأمريكية. لكن الأكيد هو أن ماركو روبيو لم يعد مجرد سيناتور سابق من فلوريدا، بل أصبح رمزاً لمرحلة جديدة من الدبلوماسية الخشنة. إن إرثه كأحد أقوى من شغل منصب وزير الخارجية الأمريكي سيتحدد بناءً على قدرته في تحويل الحروب والنزاعات الحالية إلى استقرار دائم يخدم المصالح الأمريكية العليا.

​وفي نهاية المطاف، يمثل روبيو الجسر الذي يربط بين التقليدية الجمهورية والحركة الترمبية الجديدة، مما يمنحه فرصة فريدة لتشكيل مستقبل أمريكا. وسواء نجح في الوصول إلى البيت الأبيض في 2028 أم لا، فإن السياسات التي أرساها اليوم ستظل تترك أثرها العميق على الخارطة السياسية لسنوات طويلة. لقد أثبت روبيو أن الصبر والذكاء السياسي يمكن أن يحولا الخصوم إلى حلفاء، والمنافسين المهمشين إلى قادة يصنعون التاريخ بالحديد والنار.

 

تابع موقع تحيا مصر علي