عاجل
الثلاثاء 17 مارس 2026 الموافق 28 رمضان 1447
رئيس التحرير
عمرو الديب

قلب العاصفة الصامت.. كيف تمنح صحراء النقب التفوق الجوي لسلاح الجو الإسرائيلي؟

​كانت عقارب الساعة تشير إلى فجر السبت، الثامن والعشرين من فبراير، حين انشق صمت الضفة الغربية بهدير لم يسبق له مثيل، مئات المحركات النفاثة كانت تخترق عنان السماء متجهة شمالاً. لم يدرك الفلسطينيون في تلك اللحظة أن هذا الضجيج المهيب كان بمثابة صافرة البداية للحرب الحالية، حيث كانت أكثر من مئتي طائرة حربية تشق طريقها من مدارج صحراء النقب لتنفيذ غارات واسعة في قلب العاصمة الإيرانية طهران.

​حسب تقرير لصحيفة اندبندنت عربية، فإن جغرافيا صحراء النقب الشاسعة التي تمتد على مساحة 12200 كيلومتر مربع، باتت تشكل اليوم ستين في المئة من إجمالي مساحة إسرائيل، رغم أنها لا تضم سوى نسبة ضئيلة من السكان. هذا الفراغ الديموغرافي هو ما جعل من صحراء النقب بيئة مثالية لإنشاء بنية تحتية عسكرية بالغة التعقيد، تتضمن مدارج طيران عملاقة ومخازن ذخيرة محصنة تحت الأرض بعيداً عن أعين الأقمار الاصطناعية المتربصة.

​تتمتع صحراء النقب بموقع جيوسياسي فريد، فهي تتوسط الحدود الأردنية شرقاً والمصرية غرباً، بينما تطل بجنوبها على مياه البحر الأحمر وتحدها الضفة الغربية من جهة الشمال. هذا التموضع الاستراتيجي يمنح القوات الجوية قدرة فائقة على تأمين الحدود والتدخل السريع في جبهات متعددة، بدءاً من قطاع غزة وصولاً إلى عمق الأراضي الإيرانية، مما يجعل صحراء النقب القلب النابض للآلة العسكرية الإسرائيلية في الوقت الراهن.

​يساعد المناخ الجاف والمستقر في صحراء النقب على توفير ظروف مثالية لعمليات الطيران والتدريب العسكري المكثف طوال العام، دون التأثر بالتقلبات الجوية التي قد تعيق العمل في الشمال. وتسمح الطبيعة الصحراوية المفتوحة بفرض مناطق عسكرية مغلقة تضمن سرية التجارب الصاروخية والعملياتية، كما أن طبيعة تربتها سهلت بناء منشآت حصينة قادرة على حماية أسراب الطائرات والمعدات الحساسة من الهجمات الصاروخية المباشرة خلال الأزمات.

قاعدة نيفاتيم.. حصن الشبح ودرة التاج في قلب النقب

​تعتبر قاعدة نيفاتيم الجوية المقامة فوق رمال صحراء النقب بمثابة "درة التاج" في سلاح الجو، فهي المنشأة الأكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية والاستراتيجية على مستوى المنطقة. هذه القاعدة التي أُعيد بناؤها بتمويل أمريكي ضخم عقب الانسحاب من سيناء عام 1983، باتت تضم اليوم أربعة مدارج عملاقة، أحدها يصنف كأطول مدرج عسكري في الشرق الأوسط، مما يسمح بإقلاع الطائرات الثقيلة المحملة بالذخائر الاستراتيجية.

​تحتضن هذه القاعدة الحصينة أسراب طائرات "إف 35" أو ما يعرف بـ "الشبح"، والتي تلعب الدور المحوري في اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية بفضل قدراتها العالية على التخفي. إن تركز هذه القوة الجوية الضاربة في صحراء النقب يعكس الرؤية العسكرية الإسرائيلية التي تعتمد على العمق الجغرافي لتوفير الحماية لطائراتها الأكثر قيمة، وضمان قدرتها على الإقلاع والهبوط بسلام في ظل أي تهديدات صاروخية محتملة من الخارج.

​وعلى مقربة من مدينة بئر السبع، تبرز قاعدة حتسريم الجوية كمعقل تاريخي وتدريبي هام، حيث تضم أكاديمية الطيران التابعة لسلاح الجو منذ ستينيات القرن الماضي. تشغل هذه القاعدة أسراباً قتالية من طراز "إف 15" المتخصصة في الضربات البعيدة المدى، وهي التي يصفها الخبراء بالذراع الطولى للجيش، حيث تم تدريب طياريها في بيئة صحراء النقب القاسية لضمان الجاهزية التامة لتنفيذ أعقد المهام الجوية الاستراتيجية.

​تضم حتسريم أيضاً السرب 107 الذي يشغل طائرات "إف 16"، مما يجعلها خلية نحل لا تهدأ من النشاط العسكري والتدريبي المستمر على مدار الساعة. إن التكامل بين القواعد الجوية المنتشرة في صحراء النقب يضمن تغطية شاملة لكافة المسارح القتالية، حيث يتم تنسيق العمليات الجوية من مراكز قيادة متطورة مرتبطة بشبكة اتصالات لا مركزية يصعب اختراقها أو تعطيلها خلال المواجهات العسكرية المباشرة مع الخصوم الإقليميين.

التعاون الأمريكي والموقع 512.. عين الرصد فوق الرمال

​لا تتوقف الأهمية العسكرية لمنطقة صحراء النقب عند القواعد المحلية، بل تمتد لتشمل الحضور العسكري الأمريكي المتمثل في الموقع (512) المخصص للإنذار المبكر والرصد الراداري المتطور. يمثل هذا الموقع "العين" الاستخباراتية التي لا تنام، حيث يقوم برصد أي تحركات صاروخية في المنطقة وتزويد منظومات الاعتراض الإسرائيلية بالبيانات اللحظية، مما يخلق شبكة دفاع جوي متكاملة تحمي الأجواء من التهديدات القادمة من الشرق أو الجنوب.

​تنتقل البيانات المرصودة من قلب صحراء النقب إلى مراكز قيادة مشتركة، حيث يتم اتخاذ قرارات الاعتراض الفورية وتوجيه البطاريات الدفاعية المنتشرة في المنطقة مثل منظومة "باتريوت". هذا التنسيق الوثيق يعزز من قدرة القواعد الجوية على الصمود أمام الهجمات الصاروخية، ويحول الصحراء إلى حصن منيع يصعب اختراقه، خاصة مع تعزيز القواعد مثل "عوفدا" ببطاريات دفاعية متطورة لمواجهة المسيرات والصواريخ الباليستية خلال فترات التوتر العسكري.

​تعد قاعدة عوفدا الجوية، الواقعة أقصى جنوب صحراء النقب، مركزاً حيوياً للتدريبات الدولية الضخمة التي تشارك فيها قوات من حلف الناتو وسلاح الجو الأمريكي بانتظام. استقبلت القاعدة مؤخراً مقاتلات "إف 22" الأمريكية، وجرى تطوير بنيتها التحتية لاستيعاب طائرات التزود بالوقود العملاقة من طراز "KC-46"، وهي العناصر الضرورية لضمان وصول الطائرات الحربية إلى أهدافها البعيدة في إيران والعودة بسلام إلى قواعدها الأصلية في الصحراء.

​في سياق متصل، تبرز قاعدة رامون الجوية كلاعب أساسي في حماية الحدود الجنوبية، حيث تقع على بعد خمسين كيلومتراً من بئر السبع في عمق صحراء النقب. أقيمت هذه القاعدة لتكون بديلاً استراتيجياً عقب الانسحاب من سيناء، وهي تشغل اليوم أسراباً متطورة من طائرات "إف 16" ومروحيات الأباتشي، مما يجعلها قادرة على التعامل مع التهديدات البرية والجوية في آن واحد وبكفاءة قتالية عالية جداً.

​إن التحول الذي شهدته صحراء النقب من منطقة رملية هادئة إلى مركز قيادة جوي عالمي، يعكس بوضوح حجم الاستثمار العسكري الهائل في هذه المنطقة الحيوية. ومع استمرار الحرب الحالية، تظل هذه الصحراء هي المحرك الفعلي لكل الغارات التي تستهدف العمق الإيراني، حيث توفر المساحة والسرية والقدرة اللوجستية اللازمة لإدارة صراع طويل الأمد، بعيداً عن الكثافة السكانية والقيود المدنية التي قد تعيق العمل العسكري.

​في نهاية المطاف، تظل صحراء النقب هي الركيزة الأساسية التي يستند إليها سلاح الجو في تنفيذ طموحاته العسكرية وفرض هيمنته الجوية في المنطقة. ومع تطور التكنولوجيا العسكرية ودخول طائرات الجيل السادس، ستظل هذه الرمال تشهد المزيد من التوسعات في القواعد الجوية والمنشآت السرية، لتبقى النقب هي الساحة الكبرى التي تُصنع فيها قرارات الحرب والسلم، والمنطلق الذي يحدد موازين القوى في الصراع المحتدم بين طهران وتل أبيب.

 

تابع موقع تحيا مصر علي