السفير عمرو حلمي يحذر: الحرب مع إيران تدفع العالم نحو كساد تضخمي
علق السفير عمرو حلمي مساعد وزير الخارجية الأسبق، على التداعيات الاقتصادية للحرب ضد إيران، مؤكدا أن التطورات المرتبطة بهذه الحرب تمثل تحولًا استراتيجيًا بالغ التأثير على مسار الاقتصاد العالمي، ليس فقط بسبب حدّتها الجيوسياسية، ولكن أيضًا نتيجة الصدمات المتزامنة التي أحدثتها في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. وأوضح أن ما يشهده العالم حاليًا يتجاوز مجرد موجة ارتفاع دورية في أسعار البترول والغاز، ليصل إلى اضطراب هيكلي يعيد رسم توازنات العرض والطلب على المستوى العالمي.
وأشار السفير حلمي إلى أن أي تعطل في المرور عبر مضيق هرمز يمثل عامل ضغط رئيسي على أسواق الطاقة، نظرًا لعبور ما يقرب من ٢٥ مليون برميل يوميًا من البترول عبر هذا الممر الحيوي، وهو ما يمثل نحو 20٪ من احتياجات العالم من البترول، ما يجعل أي اضطراب فيه يؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسعار والتوازن بين العرض والطلب العالمي.
وأضاف أن أسعار البترول شهدت بالفعل قفزات حادة تجاوزت حاجز 110 دولارات للبرميل، وسط توقعات بمزيد من الموجات التصاعدية نتيجة استمرار التوترات، فيما شهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعات حادة وفورية في الأسواق، نتيجة الاستهداف المباشر لمنشآت الإنتاج والتسييل واضطراب سلاسل التوريد، ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة التصدير والتوريد العالمي.، إذ وصلت بعض العقود المستقبلية إلى مستويات قياسية، نتيجة استهداف إيران لبعض منشآت الإنتاج والتسييل، وهو ما أثر مباشرة على القدرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال عالميًا، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، أشار السفير عمرو حلمي إلى أن استهداف إيران منشأة تسييل الغاز في راس لفان بقطر يمثل تطورًا بالغ الخطورة في مسار الأزمة، نظرًا للمكانة المحورية التي تحتلها هذه المنشأة كواحدة من أكبر مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وكونها ركيزة أساسية لتلبية احتياجات الأسواق الدولية من الطاقة. وأوضح أن هذا الاستهداف لا يقتصر أثره على خفض معدلات الإنتاج فحسب، بل يمتد ليعطل جزئيًا أو كليًا القدرة على التصدير، حتى بالنسبة للكميات التي لا تزال قيد الإنتاج، نتيجة تعطّل مرافق التسييل أو سلاسل الشحن المرتبطة بها. وأضاف أن هذه التداعيات أدت إلى تفاقم اختناقات العرض في الأسواق العالمية، ودفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات قياسية، في ظل محدودية البدائل المتاحة على المدى القصير. ووفقًا لبيانات تداول الأسواق، شهدت أسعار العقود المستقبلية للغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعات وصلت إلى نحو 70٪ مقارنة بالمعدلات قبل اندلاع الحرب مع إيران، مع تسارع هذه الارتفاعات نتيجة الهجمات العسكرية على مرافق إنتاج الغاز في الخليج وتقليص صادرات الغاز المسال من دول المنطقة.
وأكد السفير حلمي أن خطورة هذه التطورات لا تقتصر على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى قطاعات صناعية حيوية، مشيرًا إلى أن دول الخليج تُعد من بين أهم مراكز الإنتاج عالميًا في مجالات الأسمدة والألومنيوم والبتروكيماويات، التي تعتمد عليها العديد من الاقتصاديات الغربية بعد العقوبات المفروضة على روسيا. وأوضح أنه في قطاع الأسمدة، يؤدي الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي — الذي يُعد المدخل الرئيسي للإنتاج — إلى زيادة كبيرة في التكاليف، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء عالميًا. وفي صناعة الألومنيوم، التي تعتمد بشكل كثيف على الطاقة، ترتفع التكاليف بصورة مباشرة، مما يؤثر على سلاسل الإمداد الصناعية في قطاعات متعددة. أما في قطاع البتروكيماويات، فإن ارتفاع أسعار البترول والغاز يرفع تكلفة المواد الأساسية للإنتاج، ما يؤدي إلى زيادة أسعار طيف واسع من المنتجات الصناعية والاستهلاكية.
وأضاف السفير حلمي أن هذا التداخل بين صدمات الطاقة وارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج الأساسية يخلق موجة تضخمية واسعة النطاق، تتزامن مع تباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع الاستثمارات في بيئة يسودها عدم اليقين. وأكد أن هذا المزيج يعزز من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة من الكساد التضخمي، مدفوعة بالارتفاع المتسارع في الأسعار وتصاعد معدلات التضخم إلى مستويات تفوق المستهدفات النقدية.
وأوضح أن هذا الوضع يضع البنوك المركزية أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يحد استمرار الضغوط التضخمية من قدرتها على خفض أسعار الفائدة لدعم النمو، خشية تغذية موجات تضخمية إضافية، في حين يؤدي الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة إلى كبح النشاط الاقتصادي وزيادة تكلفة التمويل. وأشار إلى أن هذا التقييد المزدوج للأدوات النقدية يُفقد السياسات التقليدية جزءًا كبيرًا من فعاليتها، ويُدخل الاقتصاد العالمي في حلقة معقدة تتداخل فيها اعتبارات استقرار الأسعار مع متطلبات تحفيز النمو.
واختتم السفير حلمي تصريحه بالتأكيد على أن استمرار استهداف منشآت البترول والغاز، إلى جانب عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، يؤدي إلى نقص فعلي في المعروض العالمي من الطاقة، بما يدفع أسعار البترول والغاز إلى مستويات قياسية، ويُفاقم الضغوط على الاقتصادات المستوردة. وشدد على أن هذا الوضع يبرز الحاجة الملحة لإنهاء الحرب، وتأمين حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وحماية منشآت الإنتاج والتسييل في الخليج، لضمان استقرار الأسواق العالمية ومنع تفاقم أزمة الطاقة، وتجنب تداعيات اقتصادية أوسع على الاقتصاد العالمي
تطبيق نبض